التصنيفات » دراسات

العضوية الكاملة للدولة في الأمم المتحدة والبدائل الممكنة



السفير نبيل الرملاوي

تختلط مفاهيم التوجه إلى الأمم المتحدة في أيلول المقبل بين ما نعلن من ناحية وما نريد نحن من الأمم المتحدة من ناحية ثانية، البعض يقول إننا نريد من الأمم المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967، والبعض الآخر يقول إننا ذاهبون إلى الأمم المتحدة لنحظى بالعضوية الكاملة في المنظمة الدولية.
إن هذه المفاهيم والدوافع قد تكون أهداف ثانوية أمام المطلب الأول والأساس من توجهنا إلى الأمم المتحدة في أيلول المقبل. أعتقد أننا يجب أن نجيب أولا وقبل كل شيء على سؤال واحد وبسيط الآن بكل وضوح، وهو ماذا نريد نحن من توجهنا الى الأمم المتحدة في هذه المرحلة.
المفهوم والمعروف هو أن الأمم المتحدة لا تعترف بالدول، ولكنها تتعامل معها كشخص من أشخاص القانون الدولي، ويتعزز هذا التعامل من خلال الاعتراف واسع النطاق للدول الأخرى بالدولة الناشئة، لذلك يجب أن نذهب إلى الأمم ا لمتحدة وفي جعبتنا اعتراف أكبر عدد ممكن من دول العالم على المستوى الثنائي، والطلب المباشر من هذه الدول باتخاذ الموقف الايجابي بشأن عضوية الدولة في الأمم المتحدة،  ما من شأنه تعزيز القناعة لدى المجتمع الدولي بأن دولة فلسطين تملك عنصرا هاما من عناصر تكوينها الإضافية وهو ما يتصل بالقدرة على التعامل مع دول العالم الأخرى، وهذا عامل بالغ الأهمية لتأكيد وجود الدولة الفعلي وكفاءتها للتمتع بالشخصية القانونية الدولية.
هل العضوية الكاملة للدولة في الأمم المتحدة تشكل شرطا لتصبح الدولة أحد أشخاص القانون الدولي ؟؟
تمنح العضوية الكاملة للدولة في الأمم المتحدة عددا من الحقوق مثل المشاركة في التصويت على مشاريع القرارات وغير ذلك، كما تمنحها فرص العضوية غير الدائمة في مجلس الأمن وعضوية الأجهزة الأخرى التابعة لها، إلا أن عدم عضوية الدولة في الأمم المتحدة لا يلغي وجود الدولة كدولة، ولا ينقص من شأنها كدولة، ولا يحد من كونها أحد أشخاص القانون الدولي،  فجمهورية الصين الشعبية مثلا، قبل تمتعها بالعضوية في الأمم المتحدة عام 1971، كانت دولة كبرى إن لم نقل دولة عظمى، ولم تكن عضوا في الأمم المتحدة واستمرت على هذا النحو عشرات السنين منذ عام 1949. ثم جمهورية ألمانيا الديمقراطية الاشتراكية لم تكتسب عضويتها في الأمم المتحدة منذ وجودها إلا عام 1973 حيث مكثت خارج عضوية الأمم المتحدة ما يزيد عن عشرين سنة.
إضافة إلى هذا كله تأتي سويسرا (الاتحاد السويسري)، هذه الدولة العريقة وهي من الدول الأوروبية ذات الشأن المتميز من ناحية أهميتها وقوتها المالية العالية،  إضافة إلى كونها تأتي في قمة الدول المحايدة في العالم منذ عام 1798، وهي الدولة التي تحتضن المقر الأوروبي للأمم المتحدة وعشرين وكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، وهي التي أودعت لديها الاتفاقيات الإنسانية الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فأصبحت بهذا كله دولة حقوق الإنسان ومقر مؤسسات القانون الإنساني الدولي، هذه الدولة لم تتمتع بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة إلا خلال شهر سبتمبر سنة 2002 أي قبل تسع سنوات فقط حيث كانت عضوا مراقبا في هذه المنظمة الدولية طيلة الخمسين سنة الماضية، وكانت في نفس الوقت إحدى الدول الأوروبية الهامة. 
إذن الدولة كشخص من أشخاص القانون الدولي، غير مرتبطة بحقيقتها ووجودها باكتسابها العضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وبالتالي يمكن أن تكون الدولة كذلك دون أن تتمتع بالعضوية الكاملة في المنظمة الدولية.
 * البديل الموضوعي والعملي
إن ما يتساوى مع العضوية الكاملة للدولة من حيث الأهمية في هذه المرحلة، هو أولا اعتراف الدول الأخرى بها على أوسع نطاق، وثانيا هو تعامل المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة مع دولة فلسطين بوضعها القانوني كدولة، وبالتالي كشخص من أشخاص القانون الدولي.
سواء وقع هذا التعامل عن طريق العضوية الكاملة أو عن طريق اكتساب الدولة العضوية المراقبة، إذن المهم في هذه الحالة أن تأخذ فلسطين مكانتها القانونية في المجتمع الدولي كدولة وليس تحت أية صفة أخرى.
فإذا لم تستعمل الولايات المتحدة حق النقض الفيتو ضد مشروع قرار عضوية فلسطين في الأمم المتحدة أمام مجلس الأمن، يكون الأمر قد قضي وتحقق المطلب الفلسطيني، أما في حالة تعذر ذلك بسبب الموقف السلبي للولايات المتحدة أو لغيرها، فان الأمر هنا يتطلب أن يكون الجانب الفلسطيني متسلحا بالجاهزية الكاملة من حيث ضمان ثلثي أعضاء الجمعية العامة للتصويت إلى جانب القرار الفلسطيني في الوقت المناسب وهذا يتوقف على نجاح الحشد الدولي على المستوى الثنائي لصالح المسألة الفلسطينية قبل التوجه إلى الجمعية العامة.
فعند فشل مجلس الأمن كما سبق ذكره يتم التوجه إلى الجمعية العامة والتي ستكون منعقدة في دورتها العادية للتقدم بطلب العضوية المراقبة للدولة وهنا أضع تحت كلمة دولة خط واضح، علما بان وضعنا القانوني الآن في الأمم المتحدة هو وضع مراقب ولكن كحركة تحرر وطني وليس دولة،  وفي هذه الحالة لن نكون بحاجة إلى توصية أو موافقة مجلس الآمن وإنما نحتاج في هذه الحالة إلى موافقة ثلثي العدد الذي يشارك فعلا في التصويت في اجتماع الجمعية العامة للغرض نفسه، لكي تكتسب دولة فلسطين العضوية المراقبة كدولة في الأمم المتحدة وهذا أمر يمكن تحقيقه وهو في نفس الوقت ذو قيمة سياسية بالغة الأهمية. فما هي أهمية ذلك ؟؟
أهمية اكتساب دولة فلسطين العضوية المراقبة في الأمم المتحدة
-اكتساب فلسطين لوضعيتها القانونية كدولة وأحد أشخاص القانون الدولي بتعامل المجتمع الدولي معها على هذا الأساس لأول مرة في تاريخ فلسطين.
*إنهاء المزاعم الإسرائيلية بان الأرض الفلسطينية هي ارض متنازع عليها، وتأكيد جديد لكل قرارات الأمم المتحدة السابقة على أنها ارض فلسطينية محتلة منذ عام 67 بما فيها القدس، وهي الآن أرض الدولة الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي والواجب تحريرها وتمكين شعبها من حقه في تقرير مصيره.
-انطباق المادة 51 من الميثاق على دولة فلسطين فيما يتعلق بدعمها وتعزيزها ومساندتها من دول الأمم المتحدة فرادى وجماعات لتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عنها.
- إسقاط الفكرة الصهيونية التي أوجدت إسرائيل في فلسطين على أساس نظرية إسرائيل بديل لفلسطين، واليهود بديل للشعب الفلسطيني، إسقاط هذه الفكرة بتأكيد وتجسيد دولة فلسطين عن طريق اعتراف دول العالم بها وبحدودها أولا، وتعامل المجتمع الدولي معها كشخص من أشخاص القانون الدولي ثانيا.
- العضوية بصفة مراقب للدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة تفتح أبواب انضمام الدولة إلى جميع الاتفاقيات والعهود الدولية والوكالات المتخصصة مما يعزز الكيانية السياسية والقانونية والدبلوماسية على الصعيد الدولي وهو ما كان متعذرا في مرحلة ما قبل تعامل المجتمع الدولي مع الدولة الفلسطينية كدولة.
ولكن ذلك يمكن أن لا يتحقق بسهولة فالمتربصون بنا في المنظمة الدولية سوف لن يتركوا وسيلة إلا ويستخدمونها، وسيلجأوا إلى كل الأساليب المتاحة لإبطال حقنا بما في ذلك استعمال أساليب اللعب على الإجراءات إلى جانب المواقف السياسية المعادية المعلنة.  
* مثالب الإجراءات في الأمم المتحدة وأهمية تداركها ومواجهتها لإحباطها
تلجأ الدول إلى استعمال لائحة الإجراءات التي تنظم عمل مجلس الأمن أو الجمعية العامة، واللعب بأحكامها وفق مبتغاها سواء من اجل اعتماد مشروع قرار معين، أو أبطال مشروع قرار لا ترغب باعتماده، أو المماطلة لإضاعة الوقت لقتل مشروع قرار معين، فالميثاق مثلا لا يبيح للجمعية العامة رفع أية توصية إلى مجلس الأمن بخصوص قضية ما إذا ما كانت هذه القضية مازالت محل بحث أمام مجلس الأمن. (المادة 12الفقرة 1من الميثاق).
وفي هذه الحالة ولكي يمنع مجلس الأمن الجمعية العامة من إقرار أية توصية بشأن العضوية المراقبة لدولة فلسطين يمكن أن يلجأ إلى إبقاء مسألة عضوية الدولة الفلسطينية المعروضة عليه مفتوحة ولا يتخذ بشأنها أي قرار باعتبارها ما زالت محل بحث أمام المجلس فيكبل بهذا الإجراء الجمعية العامة في هذه المسألة ويحول دون أي إنجاز في هذه المرحلة.
هذا نوع من أساليب قتل الجهود الدولية عن طريق التلاعب بالإجراءات مثلا. ما يدعو إلى التنبه لذلك والاستعداد لإبطاله وإبطال كل المحاولات التي تتخذ من التحايل على الإجراءات سببا لقتل جهودنا أمام الجمعية العامة بشكل خاص، فالمتخصصون بالعمل في المنظمات الدولية على دراية بهذه الأمور.
وبطبيعة الحال هناك أساليب ومثالب كثيرة أخرى تتطلب أيضا الحذر الشديد والتنبه لأخطارها ومواجهتها وإفشالها كإضاعة الوقت عن طريق التعديلات، وتعديلات على التعديلات على مشروع القرار قيد البحث حتى نفاذ الوقت المحدد. أو تقديم اقتراح بتأجيل البحث في هذه المسألة إلى الدورة القادمة وإخضاع هذا الأمر إلى مساحة واسعة من النقاش والاقتراحات ومثيلتها المضادة لقتل الوقت، أو اللجوء إلى تكتيل عدد من الدول وإثارة نقطة نظام لتقديم اقتراح بعدم اتخاذ إجراء بشأن مشروع قرار قبول الدولة.
وكما هو معلوم في مثل هذه الحالة فان تقديم اقتراح عدم اتخاذ إجراء من أية دولة يكتسب هذا الاقتراح الأولوية بالنسبة لجميع الاقتراحات الأخرى، وخطورته أنه يتيح للدول المترددة أن تغير موقفها وتصوت لصالح هذا الاقتراح هروبا من أي إحراج يمكن أن يترتب على تصويتها عند طرح مشروع القرار الأساسي على التصويت.
هذه بعض الأمثلة من الاحتمالات الممكنة كأسلحة في أيدي الوفود المعادية لانضمام دولة فلسطين إلى الأمم المتحدة كدولة كاملة العضوية.
* استحقاقات ما قبل طلب العضوية في الأمم المتحدة
قبل الذهاب إلى الأمم المتحدة يجب استيفاء متطلبات التقدم بطلب العضوية للدولة وأهمها:
- استكمال العناصر الأساسية لتكوين الدولة بتشكيل حكومة الدولة التي يجب أن تتقدم هي إلى السكرتير العام للأمم المتحدة بطلب العضوية في المنظمة الدولية. إذ لا يعقل أن يكون هناك دولة تصارع من اجل مكانة لها بين دول العالم وهي تفتقر إلى عنصر أساسي من عناصر تكوينها وهو الحكومة. والحديث عن الحكومة الفلسطينية القائمة لا يجدي لان هذه الحكومة هي سلطة الحكم الذاتي وليست حكومة الدولة الفلسطينية.
-اعتماد دستور الدولة الذي يتضمن التزام الدولة بأحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي في سياستها الخارجية باعتبارها دولة محبة للسلام، وحريصة على إعلاء شأن قضايا حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي الخ. وهو الذي يظهر طبيعة الدولة ونظامها الديمقراطي وينظم العلاقة بين الدولة وأفراد الشعب، ويضع حدود سلوك الدولة ويقيدها كي لا تقع في مستنقع التحكم الاستبدادي والتفرد والاضطهاد.
-عند ذكر الدولة في طلب العضوية من الضروري الإشارة إلى دولة فلسطين التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، ومرجعيتها الواردة بحيثيات وثيقة الاستقلال، وان طلب العضوية الكاملة الآن يأتي لعضوية الدولة التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988والتي بدأت تكتسب الاعتراف الدولي بها منذ ذلك الوقت، وهي نفسها الدولة التي أوصت بها الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 181لعام 1947.
* الخلاصة:
المهم أن نستنبط البديل الذي يجعل المجتمع الدولي يتعامل معنا كدولة سواء كانت الدولة عضوا كامل العضوية أم لا، وفي حالة طلبنا العضوية المراقبة للدولة وإنجاز ذلك، بعد استحالة الحصول على العضوية الكاملة، تكون الدولة قد اكتسبت ورسخت شخصيتها القانونية كشخص من أشخاص القانون الدولي من خلال تعامل الأمم المتحدة معها كدولة وهو المطلوب في هذه المرحلة، بانتظار التغير

المطلوب في العلاقات الدولية بما يسمح للدولة بأن تأخذ مكانها الطبيعي كعضو كامل العضوية في المنظمة الدولية. (وفا)

2011-06-28 13:09:53 | 2462 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية