التصنيفات » دراسات

دراسة حول مصر قبل وما بعد مبارك



تحليل حول تأثر السياسة الخارجية المصرية على دول المنطقة وتوصية لأمريكا لإعادة كسب مصر عبر تقديم المساعدات
توطئة:

إن الحديث عن مصر لا يشبه الحديث عن تونس. عندما غادر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي تونس في 14 كانون الثاني/ يناير، ثار فضول في الشرق الأوسط، لأنه طالما غذّت تونس الإدعاءات بأنها أوروبية أكثر منها عربية، وعدد سكانها القليل نسبياً يشكّل ثقلاً متواضعاً في العالم العربي. والظاهر أن رجال الأعمال التونسيين يجدون من الراحة في باريس ما لا يجدونه في القاهرة، وبن علي لم يكن يبالي بكسب تعاطف رفاقه الزعماء العرب أو احتقارهم. ولو نظرنا إلى المشهد الأرحب للحياة العربية، يتبين أن تونس لم تكن تعني الكثير.
لكن عندما استقال الرئيس المصري حسني مبارك في 11 شباط/ فبراير، وقع زلزال هزّ المنطقة بأسرها ولا يزال. إذا كانت مصر قد تخلّت منذ زمن بعيد عن محاولة تزعّم العالم العربي، فهي لا تزال قطب رحاه بالتأكيد. وطريقة خروجها من حالة عدم اليقين الذي هي فيه حالياً ستُملي الأحداث التي ستشهدها منطقة الشرق الأوسط بأكملها في العقود القادمة.
عهد مبارك:
يرى الملايين من العرب في تونس قريباً بعيداً بخلاف مصر التي يرونها قريباً حميماً. والمصريون متواجدون في كل مكان في الشرق الأوسط، وهم يؤدون خدمات متنوعة في القطاعات الصحية والتعليمية والعمالية. والممثلون المصريون يهيمنون على القطاع السينمائي، والمغنّون المصريون يهيمنون على موجات الأثير، والمؤلفون والمحرّرون المصريون يهيمنون على غرف تحرير الأخبار. كما أن هذا التيار لا يجري في اتجاه واحد إذْ أن العرب يتوافدون إلى مصر من أجل العمل والمتعة، فيشغلون فنادقها نهاراً ويرتعون في ملاهيها ليلاً.
أرخى تنحّي مبارك عن السلطة بظلاله على الثوابت التي حكمت العالم العربي طوال عقود. غلّب مبارك الاستقرار على كل ما عداه طوال العقود الثلاثة التي أمضاها في الحكم. ومزيّة القدرة على التكهن بأفعاله عوّضت افتقاره إلى المصداقية. ومن بين الكهول في العالم العربي، كان مبارك واحداً من حفنة من الأنداد، عائم ماكر قاد بلاده إبّان الحروب الإقليمية والانتفاضات الإرهابية. والأهمّ من ذلك أنه أعاد مصر إلى أحضان العرب بعد أن حوّلتها معاهدةُ السلام التي وقّعها سلفُه مع إسرائيل إلى دولة منبوذة.
وفيما كان الزعماء العرب يشقّون طريقهم عبر تحديات القرنين الماضيَين، اضطلعت مصر بدور مركزي، فكان حسني مبارك في صدارة الجهود التي بذلها التحالف لإخراج صدام حسين من الكويت في سنة 1991. وكان تردده في مهاجمة صدام في سنة 2003 مقياساً مهماً للتفكير العربي. وفي ما يتعلق بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تعامل مع "إسرائيل" بناء على مقاربة دقيقة استحسنتها الجهات الفاعلة في المنطقة، فضيّق الخناق على غزّة بينما نأى بنفسه عن "الإسرائيليين" إلى أن ينال الفلسطينيون حقوقهم. كما رحّبت الدول الخليجية بدقّ مبارك ناقوس الخطر بتحذيره من نشاطات إيران المزعومة في مصر لأنه أظهر بذلك فطنته. كما كان استراتيجياً وعلم أن العالم مليء بالأعداء.
المشهد السياسي المصري وتاثير السياسة المصرية على دول المنطقة:
لكنّ مغادرة مبارك المشهد السياسي بشكل مفاجئ خلّفت فراغاً، وهو الفراغ الذي يخشى العرب أن تملأه جهة تعادي مصالحهم. وهذه هي الناحية التي يُطلّ منها التشرذُمُ العربي برأسه. فإذا كنتَ تصدّق الثرثرة في شوارع القاهرة، فأنت تعتقد أن القطريين يدعمون "الإخوان المسلمين"، وأن السعوديين يساندون "السلفيين" الأشدّ تزمّتاً، وأن "الإسرائيليين" مرتاحون لدور الجيش وفلول الحزب الديمقراطي الوطني، وما إلى ذلك. وإذا كان لا يوجد تخمين رائج للجهة التي يدعمها الإيرانيون، فلا أحد يشكّ في أن لهم مصالح يسعون لتحقيقها.
   لا ريب أن الرهانات كبيرة بما يكفي لجذب اهتمام من هم خارج المنطقة. وإذا كانت السياسة المصرية تسير في اتجاه مختلف، فسوف تُعيد ترتيب الأجواء السياسية من المغرب إلى الخليج. فإذا تبنّت مصر موقفاً أشدّ عداوة للولايات المتحدة فسوف ترغم دولاً عديدة على إعادة النظر في علاقاتها بالولايات المتحدة، وإذا كانت مصر أقل تردداً في مناوشة إسرائيل فسوف تحمل تلك الدول على إعادة النظر في موقفها من إسرائيل. وبالمثل، إذا أذكت مصرُ النزعة الراديكالية، فسوف تنشر الراديكالية في ربوع المنطقة. وخوض مناوشات مع مصر بالوكالة سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار، واحتمال امتداد الفوضى المستشرية بلبنان إلى بلد يعيش فيه أكثر من 80 مليون إنسان.
الأمر الأشد هولاً في نظر العديد من دول مجلس التعاون الخليجي بخاصة هو انقضاء زمن تغيب فيه مصر الغارقة في مشاكلها الداخلية عن الشؤون الإقليمية. إذا قُدّر لذلك أن يحصل، سيشعر العديد من دول الخليج بالضعف، لأن الخوف من إيران مستحوذ عليها منذ زمن بعيد، وهي لم تعد تثق بالعراق الذي يحكمه الشيعة. لكنّ التنسيق مع "إسرائيل" غير وارد، والشعبان المغربي والجزائري أبعد من الناحيتين المادّة والعاطفية من أن يوفرا لها الاطمئنان. لذلك ستكون هذه الدول مكشوفة بدون مصر، ولن يبقى أمامها سوى التعويل على حكومة أمريكية ترى هذه الدول أنها غير كفء بالعراق، وغير فاعلة بأفغانستان، ومتهورة في سعيها للاشتباك مع إيران. وفي هذا الصدد، يتبين أن وزن مصر أهم من جيشها، لأنه بدونها يخشى العديد من الزعماء العرب أن يُستفرد بهم الواحد تلو الآخر.
على أنه برغم أهمية مصر في المنطقة، يجلس العالم مرتاح البال في انتظار معرفة ما ستتكشّف عنه الأوضاع هناك. وإلى وقت إعداد هذا التقرير، لم نسمع عن استثمارات ذات شأن، ولا عن رزم مساعدات جديدة كبيرة، ولا عن شراكات جديدة. لكنّ الاقتصاد المصري وصل إلى شفير الانهيار، بينما تقلّصت عائدات السياحة فجأة، وارتفعت أسعار السلع، وتراجع حجم الاستثمارات الأجنبية، وهربت الرساميل إلى الخارج. ولئن لم يصل الاقتصاد إلى مرحلة الانهيار السريع بعد، يمكن أن يتجلّى ضعفه في فصل الصيف عندما تكون الحملات الانتخابية على قدم وساق. بهذه الطريقة، تدخل مصر مرحلة أعظم انفتاح سياسي وفي وقت أكبر اضطراب اقتصادي.
توصية لأمريكا لإعادة كسب مصر عبر تقديم المساعدات:
إلى الذين يتوقون إلى مصر معتدلة نقول إنه يتوجب عليهم بناؤها. وفي هذا الصدد، تملك كل جهة أدوات مختلفة. فإعلان الولايات المتحدة استئناف التفاوض على اتفاقية تجارة حرّة سيرسل إشارة ثقة بالاتجاه الذي تسير فيه مصر، ويحصر دائرة المناقشات الأمريكية المصرية في مرحلة لا يثق البيروقراطيون المصريون فيها بمستقبلهم. وفي هذا السياق، ينبغي للشركات الأمريكية الاستثمار في تدريب الشباب المصري ليشتغل في وظائف عالية النوعية. ولا ريب أن طاقة التي أظهرها الشباب المصري في الاحتجاجات وإبداعه يشيران إلى وجود مجموعة مواهب تستحقّ الاستثمار فيها على المسرح العالمي. وينبغي لدول الخليج التي استفادت من ارتفاع أسعار النفط أن تستثمر في مصر، لا سيما في القطاعات التي توفّر فرصاً وظيفية.
ذكر وزير خارجية إحدى دول مجلس التعاون الخليجي في جلسة خاصة هذا الشهر أن إنقاذ مصر يتطلب إنفاق "عشرات وعشرات المليارات من الدولارات"، لكنّ كلفة خسارة مصر أكبر من ذلك بكثير. في الختام، لا شيء يعيب هذه الأقوال، لكنها لا تزال في حاجة إلى أن تقترن بالأفعال.
جون ألترمان/ مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)
عن الانكليزية، ترجمة: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية

2011-07-05 12:08:02 | 1985 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية