التصنيفات » دراسات

فرص نجاح السياسة الإسرائيلية في دولة جنوب السودان

الدكتور أسامة الأشقر

من المسلّمات لدى متابعي العلاقات الإفريقية الإسرائيلية وجود علاقة خاصة أقامتها الحركة الشعبية لتحرير السودان مع الكيان الإسرائيلي ولاسيما في الجوانب الأمنية والعسكرية ، وتتحدث الدراسات عن أفق استراتيجي كان يسعى له الكيان الإسرائيلي للوصول إلى منابع النيل ، والتحكم في مصادر المياه الواصلة إلى مصر عبر السودان ، وتشكيل إطار حاجز بالتعاون مع دول المنبع من أجل تنظيم الضغط الاستراتيجي على مصر وجارتها الجنوبية السودان.
ومع بداية إعلان دولة الجنوب في 9/7/2011 تحركت الدبلوماسية الإسرائيلية باهتمام نحو جنوب السودان، وشاركت بوفد دبلوماسي متوسط للمشاركة في احتفالات الاستقلال ، إلا أن هذا الوفد لم يظهر بصورة علنية نتيجة وجود قيادات عربية رافضة للتطبيع وعلى رأسها الرئيس السوداني عمر حسن البشير ، وكان هذا الظهور المستتر بمثابة النمط الذي ستتحرك فيه السياسة الإسرائيلية تجاه جنوب السودان .
فمن ناحية فإن دولة جنوب السودان تحتفظ بودّ قديم مع الكيان الإسرائيلي فقد تدرب كثير من ضباط الأمن والاستخبارات في الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية الجنوبية في الكيان الإسرائيلي ، كما حصل هذا الجيش على معدات عسكرية قتالية من الكيان الإسرائيلي ودول أخرى ، وتدرب على الأسلحة الإسرائيلية على يد ضباط إسرائيليين ، كما أنشأت وحدات عسكرية إسرائيلية مطارات سرية في أدغال الجنوب لتنظيم حركة تهريب السلاح والعتاد بالتعاون مع دول إفريقية عدة وبدعم أمريكي أوروبي معلن ومخفيّ .
كما أن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة الأمريكية تبني قضية الجنوب السوداني واتخذها ذريعة للتدخل الدائم في الشأن السوداني مما أسفر عن ضم السودان لقائمة الدول الراعية للإرهاب وتطبيق حظر اقتصادي وتكنولوجي ومالي قاس على السودان نتيجة الحراك النشط لهذا اللوبي الذي يتبنى الآن ملف دارفور .
 وحتى لا نستطرد في وصف مجالات التعاون والتنسيق بين الجانبين ف، دولة جنوب السودان أعلنت بوضوح عدم ممانعتها في إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الإسرائيلي ، وبرر قادة الحركة الشعبية ذلك بأن "إسرائيل " عدو للفلسطينيين وليست عدوا للجنوبيين ، كما أن دولاً عربية كبيرة ومهمة تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الإسرائيليين .
ويبدو هذا المنطق الجنوبي مقنعاً في الشكل لكن مضمونه في حقيقة الأمر يحتوي على تناقضات لا تقل إقناعاً فالحركة الشعبية قدّمت نفسها لحركة تحررية من أجل تحرير شعب مظلوم تحتله جماعات عربية ، وبغض النظر عن هذا التعليل فإن الحركات التحررية المظلومة تتناغم مع بعضها في رفض الظلم وإرادة التحرر ، والشعب الفلسطيني من حقه أن يتحرر ويرفع الظلم عنه ، أي أن الحركة الشعبية التي ادعت التحررية والمظلومية تؤيد الظلم والعبودية ، وكان ينبغي عليها أن تنسجم مع ادعاءاتها ومنطلقاتها .
وأما ادعاء إقامة دول عربية لعلاقات مع الكيان فهذه الدول في حالة صراع قديم مع الكيان ، وقد أوصلتها اجتهاداتها السياسية في مراحل الضعف والاستخذاء والانحطاط السياسي تحت ضغط اقتصادي وسياسي أجنبي كبير إلى هذه العلاقة التي لم تثمر شعبياً وتسببت بانهيارات متواصلة لهذه الأنظمة التي لم يبق يتعامل مع هذا الكيان منها سوى الأردن بينما تتجه مصر وتونس إلى مراجعة كاملة للاتفاقيات المعقودة معها .  
وأنا أذكر في هذا المقام اللقاء الجميل الذي جرى عام 1998 في الخرطوم بين الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس والدكتور رياك مشار القائد الجنوبي الذي انضم إلى مسيرة السلام حينها وصار مساعداً لرئيس الجمهورية قبل أن يعود إلى الغابة وينشق ثانية ، وهو اليوم شخصية نافذة في سلطة دولة الجنوب لاسيما أنه من قبيلة النوير ثاني أكبر القبائل الجنوبية بعد الدينكا ،  يومها تحدث مشار عن الإسلام وأهمية التواصل معه ، وتحدث عن الظلم الذي لحق بالشعب الفلسطيني ، وتفهّم الثورة المسلحة ضد الاحتلال ، وكانت الزيارة بحد ذاتها من قائد جنوبي إلى الشيخ أحمد ياسين في مقر إقامته لها دلالاتها السياسية الكبيرة.
وعلى كل حال فقد تحركت الدبلوماسية الإسرائيلية نحو دولة الجنوب وأقامت قنصلية تابعة لها في جوبا ، ولم تعين سفيرا لها حتى الآن نتيجة تخوفاتها من مآلات الأمور في هذه الدولة الناشئة التي ما زالت تفتح عينيها للضوء وسط ظلمات تتنافس عليها .
وكثيراً ما يتحدث المحللون عن مخاطر كبيرة تنتظر السودان من تفاعل النشاط الإسرائيلي في دولة الجنوب ويشطحون في تحليلاتهم كثيراً نظراً للتخوفات والتحسبات الكبيرة من مجرد وجود الكيان الإسرائيلي قرب أي منطقة سهلة التناول كما هو الحال في دولة الجنوب.
وفي حقيقة الأمر فإن حسابات السياسة الإسرائيلية صعبة جداً وكئيبة في التعامل مع هذه الدولة الناشئة ، فالجنوبيون ينتظرون من الكيان الإسرائيلي مشاركة كبيرة في إنشاء البنية التحتية المعدومة والتي تتطلب ميزانيات هائلة لإنشاء شبكة طرق ومطارات ومدارس وشبكة مياه ومجاري ... ،  ومخططات للتدريب والتأهيل العسكري والأمني لمجموعات عسكرية أمّيّة في معظمها لا تتحدث سوى بعربية جوبا المحلية وسط تناقضات قبلية ولغوية ودينية حادة تؤسس لانشقاقات كثيرة في أوساط الجيش الجنوبي القبلي المبعثر الذي كان يجتمع على حرب الشمال ويختلف فيها أيضاً، فيما ما تزال القبلية هي الحاكم الفعليّ لهذه المجموعات البدائية التي تقودها نخبة صغيرة جداً تمتعت بالتعليم الأجنبي أو الكنسيّ .
كما أن وجود نحو 30% من المسلمين من جملة السكان في جنوب السودان يشكّل حالة أرق مزمنة للنشاط الإسرائيلي فهؤلاء الجنوبيون الذين لم يختلفوا عن نظرائهم الجنوبيين الآخرين في إرادتهم للانفصال عن الشمال فإنهم يحملون ثقافة مغايرة قريبة من الروح الإسلامية المناهضة لمنطق الاستعلاء والاحتلال الصهيوني لأرض مسلمة ، والتي يجب العمل على تحريرها وطرد الغزاة منها. 
كما أن السياسة الإسرائيلية ستكون مستنزفة في طلبات محلية مغرقة في محليتها حيث إن الأولوية والاهتمام لدى الجنوبيين هي بناء دولتهم ، فعنايتهم الآن بالحجارة والإسمنت وخطوط الهاتف ومواسير المياه ومقاعد الدراسة ومسامير الخشب وأسلاك الكهرباء ومحطات التوليد وتعليم الناس الزراعة ... ، أما تلبية مطالب الآخرين الأمنية فهي في ذيل الاهتمامات في ظل انشغالهم أيضاً بهمومهم الأمنية الصعبة نتيجة عدم استقرار البناء الاجتماعي في دولة الجنوب وفي ظل وجود منافسة أجنبية قوية.
ولا يمكن إغفال وجود أعداد كبيرة من الصوماليين والكينيين والإريتريين المسلمين الذين ينشطون اقتصادياً عبر بناء المؤسسات الاقتصادية أو العمالة في ضوء انعدام خبرة الجنوبيين في بناء دولة أو حتى التخطيط  لبناء حيّ ، و عدم وجود يد عاملة مدربة في المجالات كافة التي يحتاجها الجنوبيون للبناء .
كما أن نشاط السودانيين الشماليين لن ينقطع عن دولة الجنوب ، ونفوذ الدولة الشمالية سيبقى قوياً جداً لمدة ليست قصيرة إذ إن دولة الشمال لديها الخبرة والأهلية في إدارة ملف الجنوب لعقود طويلة ، ولديها روابط نسب ومصاهرة مع القبائل الجنوبية ، ولديها علاقات وثيقة مع عدد كبير من السياسيين والعسكريين الذين سيلجؤون إليها غالباً عند أي خلاف مع قيادة دولة الجنوب في ضوء استمرار وجود بؤر التوتر بين الدولتين على خلفية قضية أبيي ونفوذ الحركة الشعبية القديم في مناطق النيل الأزرق وجنوب كردفان ، كما أن المجال الوحيد لتصدير النفط الجنوبي هو المجال السوداني عبر البحر الأحمر، ومحطات التكرير والتخزين ومراكز النقل وخطوطه تقع في أراض شمالية ، وأي خطأ إسرائيلي في حساب نفوذ الشماليين ستدفع فيه "إسرائيل" ثمناً باهظاً قد يكون أقله فتح مجال صراع استخباري بين الاستخبارات السودانية ومن خلفها المخابرات المصرية والعربية ذات الخبرة العريقة بالمنطقة مع الاستخبارات الإسرائيلية .   
ويمكن الحديث بشكل واضح أن الكيان الإسرائيلي سيكون أقل الدول فعلاً في دولة جنوب السودان بسبب ضخامة النشاط الأوروبي عبر منظماته وسفاراته في موضوع الجنوب على مدار عقود ، وهؤلاء قدموا دعماً ومساعدات هائلة للجنوبيين لا يمكن مقارنتها بالمساعدات العادية التي قدمها الكيان الإسرائيلي لهم ، فهؤلاء ينتظرون من دولة الجنوب أن توفي حساباتهم معها وأن تعطيهم استثمارات كبيرة في البلاد ، وهذا الأمر ينطبق على المنظمات الأمريكية والكندية والشركات والمؤسسات الاقتصادية التي تبحث عن مصالحها قبل مصالح الآخرين ... أي أن المنافسة الأمريكية الأوروبية ستكون كبيرة جدا لأي مؤسسة إسرائيلية حتى على صعيد الأمن والتدريب والتسليح ، وأن حظ الإسرائيليين منها سيكون بقدر ما يمنحه شركاؤها الأوربيون والأمريكيون .
وأكبر منافِس على الأرض بعد السودانيين سيكون المنافس المصري ببضاعته الرخيصة وعمالته المدنية المدربة ورخص أجوره وخبرته السياسية والأمنية بالمنطقة ، كما سيكون الكيان الإسرائيلي في مواجهة مباشرة مع الأمن المائي المصري وهو أمن استراتيجي لا يمكن لمصر أن تسمح بالتلاعب به من قِبَل الإسرائيليين الباحثين عن المشاغبات وإثارة القلاقل والمخاوف وتجريء دول المنبع على تصعيد مطالبهم في مياه النيل على حساب مصر.
كما أن الإدارة الأمريكية تتعاطى مع النشاط الإسرائيلي بحذر أيضاً فهي لا تريد للنشاط الإسرائيلي أن يثير رعب المصريين والعرب في المنطقة مما يؤدي إلى تعقيد الأمور فيها ويجعلها ساحة لحرب إقليمية وصراعات متعبة لا يود الأمريكيون فتحها دون مقابل استراتيجي مكافئ لها ، وسيكون الدور الإسرائيلي مساعداً صغيراً للدور الأمريكي ليس أكثر مع السماح له بأنشطة اقتصادية محدودة في مجال الإنشاءات والاستيراد والتصدير والتدريب والسياحة والتعدين .
وأكثر ما يطمع فيه الإسرائيليون من دولة جنوب السودان أن يكونوا صوتاً لهم لا عليهم في الأمم المتحدة ، وأن يتخذوا مواقف مؤيدة أو قريبة منهم على الصعيد السياسي والعملياتي في المنطقة ، لأن حاجة الجنوبيين إلى محيطهم الإقليمي أكبر بكثير من حاجتهم إلى الكيان الإسرائيلي ، ولكن يجب على العرب أن يخططوا جيداً لدخولهم إلى هذه الدولة ولا يخسروها كما خسروا مناطق أخرى في عهد غياب الدور المصري أثناء رئاسة حسني مبارك ، ويقع العبء الأكبر هنا على السودانيين أولاً ثم على المصريين ثم على السعودية في ظل انشغال ليبيا بمشكلاتها الصعبة وحربها .

2011-08-06 11:14:39 | 2174 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية