التصنيفات » دراسات

قراءة في تاريخ وأنواع إضرابات الأسرى الفلسطينيين



بقلم:جهاد البطش
  على مر سنوات النضال الفلسطيني تعامل السجانون الإسرائيليون مع المعتقلين الفلسطينيين على أنهم أعضاء منظمات إرهابية وليسوا أسرى حرب، وبالتالي كانت ملامح هذه المعاملة تجد تعبيراً لها من خلال الضرب اليومي وإجبار المعتقلين على تأدية حركات معينة والتلفظ بألفاظ كانت تثير كرهاً وحقداً لدى المعتقلين على رجال الشرطة الإسرائيلية، وتبين من خلال سلوك قادة المؤسسة الأمنية أن هذه المعاملة تتم بناءً على تعليماتهم إن لم يكن في ظل سكوتهم ورضاهم في أحسن الأحوال.
  كان من الممنوع على المعتقلين الاحتجاج اللفظي على هذا السلوك، فقد كان يؤدي إلى زيادة رجال الشرطة وتماديهم في تهجمهم، وعليه فقد طور المعتقلون من أسلوب احتجاجهم ابتداءً من تعبيرهم برفض ذلك من نظرات عيونهم لرجال الشرطة، ومروراً بالاحتجاج الشفوي المكتوب بأشكال ومضامين مختلفة ومتطورة، كذلك بإعلان الإضراب عن بعض المرافق أو الاعتداء على أي شرطي يقوم بالاعتداء على المعتقلين، أو حتى فشل بعض رجال الشرطة وصولاً إلى رفض الواقع كلياً بالهروب من هذا السجن أو ذاك.
   مثل الإضراب أكثر صور الاحتجاج في السجون الإسرائيلية، لكن هذا الإضراب شهد بدايات تصعيد مع تطور الظروف الذاتية والموضوعية للمعتقلين، فكان له أشكال وأنواع، ومطالب يرفع حسب مدى استجابة الإدارة لدرجة معينة من هذه المطالب، حيث نبعت من خلال أسباب وظروف أدت إلى هذا الإضراب أو ذاك، وقد ارتقت هذه الإضرابات إلى إدارة مركزية في كل السجون وأخرى محلية في السجن المضرب، لأن إدارة السجون كان لها ردة فعل مختلفة حسب المكان والزمان والموقف اللحظي لموقفها وسياستها، وتخلل هذه المعركة سقوط شهداء وإصابات من المعتقلين، وأيضاً دفعت إدارة السجون أثماناً مختلفة لتلك الخطوات، لكن في النهاية كانت هناك نتائج سلبية وأخرى إيجابية على الطرفين فكيف تطورت هذه الأحداث ابتداءً من عام 1967 وحتى عام 1985؟
 
أولاً: بدايات الإضرابات
   يمكن تعريف الإضراب عن الطعام بأنه امتناع المعتقل عن تناول كافة أصناف وأشكال المواد الغذائية الموجودة في متناول الأسرى باستثناء الماء وقليل من الملح، ويعود أقدم هذه الإضرابات بعد عام 1967 إلى قيام مجموعة من المعتقلين الفلسطينيين في سجن نابلس في 11/1968 بالإضراب عن الطعام لمدة ثلاثة أيام احتجاجاً على سياسة الضرب المنظم للمعتقلين عند خروجهم لأي مرفق، أو عند دخول الضابط للعد في الغرف، وكان ذلك في سجن نابلس بالذات، فقد كان يضم أخطر أنواع المقاتلين حسب التصنيف الإسرائيلي، خاصة أولئك الذين يلقى القبض عليهم متسللين عبر نهر الأردن، ومع بداية عام 1969 نفذ معتقلو سجن الرملة إضراباً عن الطعام استمر مدة تسعة أيام رداً على ضرب أحد ضباط الشرطة لأحد المعتقلين أمام زملائه، لكننا نستطيع أن نرى أن الإضرابات حتى ذلك الوقت كانت تتعلق بمجموعة معينة وردة فعل على سلوك معين وليس بنُسُق منظمة أو مخططة.
   بدأت فكرة تنظيم إضراب مفتوح عن الطعام وبشكل منظم في حزيران 1969 في سجن عسقلان، حيث استمر القادة يحرضون زملاءهم لمدة عام كامل، معتمدين على التجارب الفردية أو تجارب مجموعات صغيرة في سجون أخرى، وأنهم فعلاً استطاعوا الصمود لفترة عدة أيام، ولم يكن لدى المحرضين أو أصحاب الفكرة أي نتائج يتم إغراء المعتقلين بها، فقد كانت هذه النتائج تشير إلى الفشل المباشر في تحقيق أي تقدم في تعامل إدارة السجن، بل إن الإدارة استطاعت في ذلك العام إقناع المعتقلين الإداريين في بيت ليد فك إضرابهم في اليوم الخامس مهددة بأن ذلك سيؤثر على الإفراج عنهم، ويمكن إجمال أهم أسباب فشل هذه الإضرابات بالتالي:
لأن السجون كانت معزولة عن العالم الخارجي.
فشل الخطوات الأولى في الرملة وبيت ليد.
افتقار المعتقلين للكوادر التنظيمية ذات الخبرة النضالية الاعتقالية، بمعنى أنهم لم يكونوا يعرفون كيف تفكر إدارة السجون.
إمكانيات الشرطة الإسرائيلية الكبيرة عدداً وعدة.
العزل المستمر للنشطاء التنظيميين أو من يتحدث في السياسة بشكل عام.
   عاد المعتقلون للتفكير في وسائل أخرى للتعبير عن احتجاجهم أو طلبهم تحسين ظروف معيشتهم فبدأوا بالإضراب عن الامتيازات التي يتمتعون بها، والتي هي بنظرهم حقوق متدنية، كالخروج إلى الفسحة أو زيارة الأهالي أو الحلاقة، ولكن كان عدم الخروج إلى العمل هم مظاهر الإضرابات إعلامياً فهذا الأمر كان أسرع في الوصول إلى الصحافة والإعلام الإسرائيلي أكثر من أي أمر آخر، ويعزي ذلك لأن العمل كان مرتبطاً بمؤسسات إسرائيلية غير أمنية كمراكز وشركات يصعب على الشرطة إلزامها بسرية الأمر.
 
ثانياً: أسباب وأنواع الإضرابات
   عللت إسرائيل أسباب أي خطوة احتجاجية للمعتقلين بربط ذلك بالسياسة، فقد دأب منذ البداية مسئولو مصلحة السجون على اعتبار أن الإضراب عن الطعام يتم بمبادرة من قادة المنظمات العاملين داخل السجون وبالتنسيق مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والإيحاء للعالم بأن السجون أصبحت خلايا ومجموعات واسعة ويوجد بها مجالس قيادة ومحاكم، وكان مفوض خدمات السجون قد سبقه وكأنها سياسة منظمة في التوضيح للعالم بأن "المعتقلين الفلسطينيين يواصلون نضالهم ضد الدولة حتى داخل السجون، وأنهم عناصر خطيرة ويسعون دائماً للتمرد والهرب"، ويتضح أن ذلك يتم لعدة أغراض أهمها:
إيجاد مبرر لعدم السيطرة الإسرائيلية على ما يدور داخل السجون.
الحفاظ على المصالح الشخصية في البقاء في المنصب داخل مصلحة السجون.
الحصول على دعم رسمي بقمع هذه الإضرابات أو حوادث التمرد.
   إن المتتبع لمطالب الأسرى منذ بدايات الإضرابات وحتى عام 1985 يمكن أن يجمل أسباب هذه الإضرابات بمجموعة أسباب تطورت في صياغتها لكنها تدور حول:
تحسين المعاملة
تحسين الطعام
تحسين الخدمات الطبية والصحية
حرية العمل (أول سبب اختفى من قوائم المطالب)
توفير الكتب والصحف
تخفيف ظروف الازدحام
حسن معاملة الزوار
  ومن الممكن أن يكون عدم التزام الإدارة بما تعهدت به عند انتهاء إضراب معين أن يكون سبباً في فتح إضراب جديد، كما حصل في سجن عسقلان عندما عاد المعتقلون للإضراب المفتوح عن الطعام يوم 25/7/1977 لأن الإدارة لم تلتزم بالاتفاق الذي تم توقيعه قبل عدة أيام بشهادة اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولي، أما الأساليب والأهداف التي استهدفها المعتقلون في الإضرابات أو اعتبروها وسيلة هامة يمكن استغلالها في الإضراب فهي: زيارة الأهالي، الفسحة، الحلاقة، الحمام والنظافة، وجبات الأكل اليومية، الإضراب عن الطعام بشكل مفتوح.
   اختلف شكل الاحتجاج ضد سياسة مصلحة السجون من فترة إلى أخرى ومن مكان لأخر، وبعد عدة سنوات استطاع المعتقلون اكتشاف نوع من أنواع الاحتجاجات يكون أنجع لتحقيق ما يصبون إليه، وقد تعاملوا مع ذلك بمراحل الاحتجاجات ويمكن تقسيم الاحتجاجات حسب خطورتها وتطورها منذ العام 1967 بالتالي:
 
 
1- الاحتجاج السلبي:
    ويكون بتقديم الشكاوي، وبدأ هذا الأسلوب عقب إضراب سجن عسقلان عام 1970، أو عمل إضراب خفيف يتعلق بالإضراب عن الخروج لأحد المرافق لمرة واحدة، ويمكن أن يتم ذلك لغرض احتجاجي على حادث آني، أو أن يتم إرجاع وجبة واحدة، أو عدم الخروج للفسحة ليوم أو يومين كما كان يحصل في سجن نابلس، أو عدم الخروج لزيارة الأهل.
2- إضرابات طويلة:
    كعدم الخروج للساحة لفترة طويلة وهذا يعتبر تهديداً لإدارة السجون من الناحية الأمنية أو الصحية، والامتناع عن الحلاقة والحمام إلى أن ترى الإدارة مئات المعتقلين، وقد أصبحت لحاهم طويلة مما يسبب حرجاً إعلامياً لها، أو الامتناع عن زيارة الأهالي كما حصل عندما امتنع المعتقلون في سجن بيت ليد من الخروج للزيارة لمدة ثمانية أشهر.
3- الإضراب الاستراتيجي:
    وهو الإضراب المفتوح عن الطعام، ويتم بترتيب معين، واستعدادات جادة، وتكون إدارة السجون على علم به سلفاً برؤيتها لسلوك معين للمعتقلين ممكن أن تراه قبل بداية الإضراب بأسابيع إن لم يكن بأشهر، وقد خاض المعتقلون العديد من هذه الإضرابات أهمها:
إضراب سجن عسقلان 1970
إضراب سجن نفحة 1980
إضراب سجن جنيد 1984
4- الإضراب السياسي:
    رغم محاولة قيادة المعتقلين إنكار أن هناك إضراباً سياسياً هدفه المشاركة في مقارعة إسرائيل، والمبالغة الإسرائيلية في تصوير أي إضراب أنه سياسي، إلا أن المعتقلين يعللون مثل هذه الخطوات بأنها تعبير عن مشاعر وتصوير لمواقف، ولكن الاتصالات التي كانت تتم بين قادة المنظمات في الخارج ومسئولي التنظيمات داخل السجون تعطي تأكيداً على أن بعض الإضرابات كانت لمساندة المنظمات في الخارج أو مساندة النضال ضد إسرائيل بشكل عام وأهمها:
إضراب سجن بيت ليد عن الخروج للفسحة عام 1972 احتجاجاً على إطلاق النار على المعتقلين المصريين والسوريين في أحد المعتقلات.
إضراب المعتقلين الفلسطينيين في كل السجون الإسرائيلية عام 1975 ليوم واحد احتجاجاً على توقيع اتفاقية سيناء الثانية.
إضراب المعتقلين الفلسطينيين في كل السجون الإسرائيلية عام 1977 لمدة يوم واحد احتجاجاً على زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس.
إضراب المعتقلين الفلسطينيين في أغلب السجون الإسرائيلية عن الطعام لمدة ثلاثة أيام عام 1974 تضامناً وتأييداً لقرار الجامعة العربية اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني وكذلك خطاب الرئيس عرفات أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
 
ثالثاً: تطور مطالب المعتقلين
  اتسمت مطالب المعتقلين بمدى حاجتهم الماسة في الحياة داخل السجون، فقد كانوا يوضحون مطلبهم من وراء الإضراب، ويلاحظ أن كل أنواع الإضرابات كانت مطالبها مرتبطة بنوع الإضراب باستثناء الإضراب المفتوح عن الطعام، فمثلاً كان الإضراب عن زيارة الأهالي مرتبط إلى حد ما بتحسين ظروف الزيارة سواءً الخاصة بالسجن أو تلك المتعلقة بمعاملة الأهالي، وكذلك الإضراب عن الحلاقة والحمام كان يتعلق بتوفير شروط أفضل للحلاقة أو زيادة مواد التنظيف، أما الإضراب عن الطعام فقد ارتبط بجمع المطالب والخاصة بمختلف الظروف.
   بدأت مطالب المعتقلين بالمطالب الفردية المتعلقة بسجين واحد أو مجموعة من السجناء كأن يكونوا معزولين أو مرضى انتهاءً إلى قائمة المطالب التي تضم عشرات البنود  والتي تشمل كافة مجالات حياة السجين، ويمكن تقسيم مراحل تطور مطالب المعتقلين إلى أربع مراحل هي:
1- مطالب المرحلة الأولى 1967- 1969
    تعتبر مرحلة البدايات حيث اتسمت بطريقة عرضها وهي العرض الشفوي، ويتم توجيهها إلى الشرطي أو في أحسن الأحوال لضابط أمن السجن، وقد كانت تتعلق بالاحتجاج الفردي على حجز السجين أو عزله، أو احتجاجه على الضرب والمعاملة السيئة التي واجهها، ومن سمات هذه المرحلة أن إدارة السجن كانت تعطي الشرطي حرية التعامل مع السجين كما يراه مناسباً، فيكون الرد إما بالضرب الزائد أو حتى العقاب بتأخير وجبة أخرى عن السجين، ويعزى ذلك إلى أن حالات الإضراب لا تزال غير منظمة وأن الإدارة كانت تعرف أنها تتم  دون تحريض من تنظيمات أو ما شابه ذلك وعليه فلم تول لها أي أهمية.
    لم تكن نتائج هذه المرحلة تعطي نجاحاً ملموساً، بل إنها كانت تعود بالمساوئ أكثر على السجين، لكن المعتقلين الفلسطينيين يعتبرون أن الخطوة الجماعية كان لابد لها أن تنجم من مجموعة خطوات فردية تكون تجربة لما بعدها، ولما هو أكبر وأوسع منها، وتعود خلفية قيام السجين بالإضراب في هذه المرحلة إلى إرادته بالتعبير عن رفض لسلوك الشرطة تجاهه، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالضرب، فهذا يعتبر تطوراً ففي الأشهر الأولى أو في الأسابيع الأولى من التحقيق لم يكن أي معتقل يستطيع الاحتجاج على سلوك معين، وهو مقيد اليدين أو معصوب العينين.
2- مطالب المرحلة الثانية 1970- 1975
    اتسمت هذه المرحلة بطريقة توجيه المطالب التي كانت تسلم مكتوبة، إلى الضابط المناوب وفي مرحلة متقدمة من الإضراب يمكن أن يكون التعامل مع إدارة السجن مباشرة، لكن المطالبة كانت تعكس طبيعة الظروف التي يعيشها المعتقلون إن لم تكن تعكس صورة من المشاكل التي يعانون منها فقد كانت كلها تتمحور حول:
عدم تقييد الأيدي عند الخروج للفسحة.
عدم ضرب السجين عند خروجه إلى الحمام (في بعض السجون)
السماح بإدخال قلم وعدة أوراق لكل غرفة.
السماح للمعتقلين بالتحدث مع بعضهم أثناء الفسحة
تسلم السجين ثلاث بطانيات.
  تطورت مطالب المعتقلين عن المرحلة الأولى كون هذه المطالب أصبحت بشكل جماعي، وفي بعض السجون كانت مطالب غرفة بأكملها أو قسم أو غالبية السجن كما حصل في إضراب سجن عسقلان 5/7/1970، الذي تضمن مطالب إلغاء طأطأة الرأس والكلمات النابية وتحسين الغذاء والعلاج الصحي وإدخال القلم والدفتر للغرفة، ويبدو أن مصلحة السجون لم تكن مهيأة بعد لمواجهة إضرابات جماعية منظمة جزئياً، ولم تكن تعزو الأمر بعد لأسباب سياسية، لكن شدة عمليات الفدائيين كانت تحمي تجاهلهم للمعتقلين أمام الرأي العام الإسرائيلي باعتبار أن المعتقلين جزء ممن ينفذون العمليات الإرهابية (كما يراها الإسرائيليون).
   يلاحظ أن المعتقلين الفلسطينيين بدأوا يرفضون المبرر الأمني الإسرائيلي الذي يتخذ حجة لرفض أي مطلب، وهذا ما عبر عنه المعتقلون في إضراب سجن عسقلان عام 1972 عندما طالبوا إزالة الصاج عن النوافذ وتأدية صلاة الجمعة والعيدين جماعة، وفي عام 1973 طالب المعتقلون بحرية العمل ورفض الحلاقة على أيدي رجال الشرطة في سجن بئر السبع مما يدل على أن المطالب لم تكن تتشابه في نفس السجون من  نفس الفترة الزمنية وإن كانت ملامحها متشابهة إلى حدٍ ما.
3- مطالب المرحلة الثالثة 1976- 1979
   حقق المعتقلون الفلسطينيون الكثير من التحسن في عدة مجالات، وهذا نجده من خلال  خلو مطالب هذه المرحلة من بعض المطالب كحرية العمل والتحدث في الفسحة وتقييد الأيدي أو تعصيب الأعين عند خروج السجين، وأن زيادة عدد المعتقلين، وبقاء الإمكانيات الصحية البشرية والمادية دون تطور كان يعني تراجع الخدمات الطبية المقدمة للمعتقلين، مما أدى إلى وفاة السجين حسن حمد سواركة لسوء حالته الصحية، وقد أثر ذلك على مطالب المعتقلين أثناء إضراباتهم عن الطعام، وكان جزء كبير جداً من المطالب يدور حول الأوضاع الصحية، ففي إضراب سجن عسقلان 1976 اقتصرت المطالب على معاملة المعتقلين كأسرى حرب والإفراج عمن فقدوا البصر أو الأطراف وتحسين المعاملة الطبية بإجراء عمليات جراحية وتحسين الطعام بما يلبي حالة معقولة من صحة المعتقلين، وهذه المدة لم تستطع مصلحة السجون إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأن هذا الإضراب هو لغرض سياسي.
   بدأت ملامح التأييد والتضامن من قبل المعتقلين في كل السجون مع أي سجين يعلن إضراباً عن الطعام، فقد كان ينظر إلى هذا الأمر على أنه عمل بطولي، وقد أصبح الأمر منافسة بين المعتقلين مع نهاية هذه المرحلة، وهذا ما يجد تعبيراً له من خلال الإضرابات الجماعية في كل السجون وربما ارتقت لأغراض سياسية، فقد طالب معتقلو سجني عتليت وبئر السبع بنفس المطالب التي طالب بها معتقلو سجن عسقلان والإيضاح للإدارة بأن هذه الإضرابات هي تضامن مع معتقلي سجن عسقلان، كما تميزت هذه المرحلة بمشاركة السجينات الفلسطينيات في الإضرابات التضامنية مع السجون الأخرى مما يدل على أن التنظيمات الفلسطينية أصبحت تسيطر على أوضاع السجينات الفلسطينيات، بل أنهن وصلن إلى مرحلة ترتيب أوضاعهن التنظيمية، وما يدل على ذلك مشاركتهن في إضراب لمدة عشرة أيام بنفس الوقت الذي كان معتقلو بئر السبع والرملة يضربون على نفس الأسباب وهذا ما أكده مدير السجن في مذكراته حيث يذكر "أن السجينات كن يضربن هذا الإضراب تضامناً مع سجون أخرى وليس لمطالب خاصة بهن" .
4- مطالب المرحلة الرابعة 1980- 1985
    تميزت مطالب المعتقلين في إضرابات هذه المرحلة بالتقدم ورفع سقفها، وتضمن تطور مجالات الإعداد لهذه الإضرابات ونوعية المشاركين فيها، ولكننا نلاحظ أن نوعاً من الاستقرار ساد غالبية السجون، ولأن الإضرابات قد تركزت في ثلاثة سجون هي سجن عسقلان وسجنان آخران تم افتتاحهما في هذه المرحلة هما:
أولاً: سجن نفحة الذي تميز بسلب كل ما حققه المعتقلون في السجون قبل افتتاح هذا السجن، وعودة مصلحة السجون لممارسة نفس السلوك الذي مارسته مع بداية فتح السجون، لكن نوعية المعتقلين هيأتهم لأي خطوة نضالية كبيرة حيث أن جميعهم محكومون فوق عشر سنوات ومنهم من هو محكوم بمئات السنوات.
ثانياً: سجن جنيد الذي كان يتم التركيز فيه على مضايقة المعتقلين تحت الحجة الأمنية، فقد استخدم في حراسة السجن أحدث الأجهزة الإلكترونية من تصوير وتنصت وسماه المعتقلون باسم (المودرن).
   تميزت مطالب المعتقلين في سجن نفحة 1980 بتحسين الطعام الذي أصبح مهيناً في سجن عسقلان وبئر السبع، واستبدال الطباخين الجنائيين الذين تم التخلص منهم في سجون أخرى، لكن طبيعة هذا السجن جعلت المعتقلين يصنعون مطالب خاصة بهم كتوفير غرفة للأهل ساعة الزيارة لما لشمس الصحراء من قسوة، وكذلك  إدخال الراديو فمن الصعب معرفة أخبار الخارج في سجن يبعد عن أقرب مدينة إسرائيلية عشرات الكيلو مترات، لكن مصلحة السجون أصرت لأول مرة على امتلاكها الأدلة على أن الإضراب هو سياسي لمساندة منظمة التحرير الفلسطينية في العزلة التي تعيشها مع التقدم في تنفيذ بنود اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، ومن الممكن أن يكون الرأي العام الإسرائيلي قد تعامل مع رأي مصلحة السجون بشيء من الثقة لعدة عوامل أهمها أن السجن كان قد افتتح منذ أسابيع فقط، وعدم معرفة الصحافة الإسرائيلية بحقيقة أوصاف السجن بعد.
   أما إضراب سجن جنيد 1984 فقد تضمنت مطالب السجناء فيه قائمة طويلة تتضمن كافة مجالات حياة المعتقلين، ابتداءً من معاملة الأسرى مروراً بتوفير أشياء كثيرة داخل الغرف، وتوفير أغراض المواد الثقافية والغذاء إنهاءً بالمطالبة بإلغاء قوانين، وقد تميز هذا الإضراب بالإعداد الجيد له، وصياغة المطالب بترتيب، ويمكن القول أن المقصود ليس تحقيق كل هذه القائمة الطويلة من المطالب ولكنها وضعت للتنازل عن بعضها ولأغراض إدارة الإضراب.
   أما إضراب سجن عسقلان 1985 فقد كانت مطالبه تعبر عن تطور كبير وواسع في أداء المعتقلين الفلسطينيين، فقد تضمن المطالبة بإدخال أطباء عرب للسجن وقاعة خاصة للطعام وتوفير كراسي وطاولات في الغرف وتوفير ثلاجات للغرف والإفراج عن بعض المعتقلين، على أن التطور الهام في هذا الإضراب، الذي ميز قائمة مطالبه عن كل المطالب السابقة،هو المطالبة بتحسين ظروف سجن آخر وهو سجن الرملة، ويعزي ذلك إلى أن أوضاع معتقلي سجن الرملة في تلك المرحلة لم تكن تسمح لهم بالإضراب عن الطعام، ولكن هناك أعداد كبيرة من المعتقلين المرضى فيه، وكذلك السجينات في السجن المجاور له في (نفي ترتسا)، إن هذا التطور في صياغة المطالب انقلب رأساً على عقب بعد شهر أيار 1985 عقب تفريغ السجون من غالبية المعتقلين الفلسطينيين ذوي الخبرة النضالية، وذلك بصفقة تبادل الأسرى بين إسرائيل ومنظمة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
 
رابعاً: دور التنظيمات الفلسطينية في إدارة الإضرابات
   مر الشعب الفلسطيني بالكثير من التجارب النضالية التي كان الشعب صاحب المبادرة فيها، أو كرد فعل على حدث معين يثير المشاعر الوطنية له، وتقوم التنظيمات الفلسطينية بعد ذلك بترتيب الفعاليات الوطنية لهذا الشعب، كما حصل في انتفاضة الحجارة 1987 وكذا انتفاضة الأقصى، وقد سبق ذلك حالات كثيرة بنفس المنهج والطريقة، وكذا كان النضال في السجون ضد إدارتها ورفض المعتقلين لسلوكها وسياستها هو وليد اجتهادات فردية في أغلب صور الاحتجاجات وعلى رأسها الإضراب عن الطعام.
    اكتشف الفلسطينيون أن فشل محاولات الإضراب عن الطعام في الأشهر الأولى لفتح السجون كانت تعود لأسباب من أهمها عدم إدارة هذا العمل وتوجيهه بالطرق السليمة، وعليه فقد تطور أسلوب استخدامهم سلاح الإضراب عن الطعام مع تطور حال وواقع المعتقلين، وإذا كان دور التنظيمات في بعث الحياة الثقافية للمعتقلين من أهم صور مجتمعهم داخل السجون، فإن الإضراب عن الطعام هو من أهم الصور والوسائل التي بواسطتها سمع العالم وتفاعل مع قضية المعتقلين الفلسطينيين خاصة إدارة الإضرابات، فلا يعقل أن يسمع العالم عن إضراب أكثر من اثني عشر سجناً معاً وفي نفس الوقت وبنفس المطالب من دون أن تكون لهم قيادة مركزية تقف وراء تنظيمه.
     تطلب الإضراب المفتوح عن الطعام دراسة قيادة التنظيمات للواقع الأمني للسجن المراد إعلان الإضراب فيه وإذا كان ذلك سيسمح فيجب أن يمر الإضراب بعدة مراحل أهمها:
التعبئة الداخلية
    وقد سبق قيام مجموعة من المعتقلين الذين جاءوا  لسجن عسقلان عام 1969 من سجني نابلس وبيت ليد بتحريض المعتقلين على فكرة الإضراب ومكثوا مدة عام كامل لإعدادهم، لكن ذلك كان يأخذ وقتاً أقل كلما تطورت سلطة التنظيمات تجاه بقية المعتقلين، إن الإعداد الداخلي للمعتقلين كان يتم على أكثر من صعيد وأهمها قيام كل تنظيم بإعداد أبنائه مسبقاً، عبر توعيتهم ثقافياً.
    تطور إعداد المعتقلين لجبهتهم الداخلية للإضراب بالتفاوض بين الفصائل الفلسطينية حول هذا الأمر وتوقيع ما يسمى بالمشروع النضالي بينها وذلك قبل الابتداء ببقية الخطوات وتضمن هذا المشروع دور موجه الغرفة الذي سيكون مسئولاً عن كل المعتقلين أثناء الإضراب بغض النظر عن تنظيمهم وكذلك موجه القسم إلى أن تصل إلى الموجه النضالي للسجن.
   استطاع المعتقلون التغلب على قضية عزل المسئولين أو نقلهم إلى سجون أخرى، وذلك بتشكيل أطر تنظيمية أخرى تكون ظلاً وبديلاً لأي مسؤول يتم نقله، وقد كانت هذه الخطوة ناجعة حيث نرى أن إدارة السجون امتنعت بعد إضراب سجن نفحة عام 1980 عن نقل القيادات لأنها أدركت أن ذلك لن يجدي نفعاً بل العكس سيكون عاملاً تحريضياً على فتح إضراب أخر في سجن أخر، كما تتضمن المشاريع النضالية شروط إنهاء الإضراب، وكذلك الشعارات التي ستظهر في المادة الإعلامية، بمعنى أن المشروع النضالي يعتبر بمثابة دراسة كاملة عن الإضراب وكيفية التصرف في أي وقت وفي أي ظرف وكذلك دراسة الوسائل والأهداف.
   اهتمت التنظيمات الفلسطينية بإعداد المعتقلين ثقافياً ونضالياً وذلك بعدة وسائل أهمها إعطاء السجين وعلى مدار أسابيع إن لم يكن أشهر تفاصيل عن تاريخ العمل النضالي في السجون ووسائله وأهدافه وشهدائه، إضافة إلى تعريفه لماذا هذا الإضراب، وقد كانت الجبهة الشعبية توزع كراساً يضم كل مناسبة على جميع المعتقلين للاطلاع عليه ودراسته ومناقشته سلفاً، وطالما أن الحديث عن عمل نضالي ضد إدارة السجن، فلا أرى المادة التي يتم بها تعبئة المعتقلين تختلف من فصيل لأخر.
2- إعداد السجون الأخرى
    من المهم أن يقوم المعتقلون بإعداد السجون الأخرى للمشاركة في الإضراب في حدود أقلها إعلان خطوات تضامنية وأقصاها المشاركة الكاملة في الإضراب، لكن ظروف السجون لا تتشابه، ولو أنها تدار من قبل مصلحة السجون كإدارة واحدة، وعليه فلم تكن استعدادات المعتقلين في كل السجون تتشابه يوماً ما، وعليه فقد كان حرص التنظيمات على معرفة قدرات كل سجن لوضعها ضمن المشروع ومدى جدواه، فمثلا ًشاركت كل السجون في إضرابات تضامنية في نفس اليوم مع معتقلي سجن جنيد في يوم 24/9/1984 بينما استمر سجن عسقلان حتى يوم 27/9/1984، وبالتالي كان المعتقلون يدرسون أوضاع إدارة السجون التي تساهم كجهة مركزية في صياغة الأوضاع في كل السجون (ما عدا السجون التي يديرها الجيش وهي الفارعة وأنصار) فكان يهمهم السجل المهني لأي مدير لمصلحة السجون، وكيف كان رأيه في الإضرابات السابقة في الأماكن الأخرى؟ وكيف تدار سياسة التعامل؟ ويبدو أن المعتقلين لم يكونوا قلقين من تغيرات القيادات السياسية، باعتبار أن الإسرائيليين يخدمون الرأي المهني وعادة يتبنونه وعليه فإن رأي وزير الشرطة سيكون من رأي مدير مصلحة السجون.
   قفز المعتقلون عن هذا الأمر بتسخيره إيجابياً عندما استطاعوا ممارسة الضغط الدولي على إسرائيل بقضيتهم، وبالتالي تأثرت القيادة السياسية، التي سرعان ما كانت تطلب إنهاء الأزمة، وهذا ما وجد تعبيراً له من خلال قدوم وزير الشرطة (حاييم بارليف) بنفسه إلى سجن جنيد لمفاوضة المعتقلين.
   كان مجرد استمرار المعتقلين بالإضراب عن الطعام في سجن نفحة عام 1980 كفيل بتحقيق انجاز للمعتقلين تمثل باعتراف إدارة السجون بلجنة المعتقلين والتفاوض معهم لأول مرة منذ العام 1967، وقد أثار الموضوع انتباه الرأي العام الإسرائيلي لكن كان سهلاً على إدارة السجون تبرير ذلك أن المفوض العام لمصلحة السجون اجتمع معهم بصفتهم معتقلين عاديين، بينما اللجنة كانت تستغل هذا الأمر في رفع معنويات السجناء المضربين.
3- إعداد الساحة الفلسطينية
   أدرك المعتقلون أن الساحة الفلسطينية هي أهم الساحات على الإطلاق التي ستخدم إضراباتهم، وعليه يمكن ربط هذا بالظرف الفلسطيني الأمني السياسي المعقد دائماً، فقد كانوا يطمحون أن يأتي الأهالي ويقومون باشتباكات مع الجيش عند السجون أو أمام مقرات الصليب الأحمر، فهذا سيثير الرأي العام الإسرائيلي والدولي، ومن هنا كان يتم مراسلة كل فعاليات الساحة الفلسطينية خاصة التنظيمات وأجنحتها الجماهيرية كحركة الشبيبة التابعة لحركة فتح، أو لجان العمل التطوعي التابعة للجبهة الشعبية وكذلك إعداد لجان المحامين والمؤسسات الوطنية الأخرى، بل إن لجان المرأة للعمل الاجتماعي بكافة توجهاتها كانت تنظم إضرابات منظمة عن الطعام وموازية لتلك الجارية في السجون، وقد كان المعتقلون على اتصال دائم بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي تملك الإمكانيات لإبراز القضية دولياً، ولم تكن الخلافات السياسية تؤثر على دور المنظمة في المجال الإعلامي لخدمة المعتقلين.
4- الساحة الدولية
   كانت التنظيمات الفلسطينية تدرك أهمية التحرك على صعيد المؤسسات والشخصيات الدولية، وبرغم أن هذا الأمر كان يوكل لقيادة المنظمة إلا أن المعتقلين كانوا يراسلون هذه المؤسسات والشخصيات برسائل منهم مباشرة، وكانوا يركزون على مراسلة الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك الرئيس الأمريكي، وأمين عام جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة دول عدم الانحياز.
   نظم المعتقلون الفلسطينيون طريقة البدء بتنفيذ الإضرابات عن الطعام، فقد كانوا يتعاملون على أن البداية يجب أن تكون من حيث انتهى آخر اتفاق مع الإدارة في نفس السجن، أو ربما في سجون أخرى، وهذا ما يفهم من لهجة رسائلهم للإدارة عندما يبدءونها بالتذكير بهذه الاتفاقيات وعدم تنفيذها لها، ولم يختلف المعتقلون كثيراً في كيفية إصدار القرارات الخاصة بالإضرابات فقد كان القرار في اللجنة النضالية التي تضم كافة الفصائل يتخذ دائماً بالتراضي وليس بالأغلبية، لأنهم يدركون عواقب غير ذلك، فقد ينهار إضراب سجن كامل بمجرد توقف أحد الفصائل عن الإضراب.
   لقد كانت التنظيمات تحدد ساعة الصفر في ابتداء الإضراب بناءً على دراسة لكافة الظروف والعوامل التي ذكرناها سابقاً، وهم يعرفون أنها لن تتكامل، لكن حسب أولويات الساعات والظروف، وكانوا يحرصون على ملائمة الزمن في ظروف الحالة العربية والدولية قدر الإمكان.
 
خامساً: ردة فعل مصلحة السجون
   اعتبر المعتقلون الفلسطينيون أن تغيير سياسة مصلحة السجون هي الهدف الأول للإضرابات، وقد تأثر المعتقلون بالكثير من التغيرات في هذه السياسة خاصة عندما يتم تبديل المسئولين في هذه الإدارة، وقد استخدمت أساليب ووسائل عديدة لإفشال وتعطيل الإضرابات التي يقوم بها المعتقلون، ففي العامين الأول والثاني لافتتاح السجون كانت تأخذ أي فرد أو مجموعة تضرب عن الطعام وتعاملها أقسى معاملة، ففي سجن الرملة ألقى أفراد الشرطة البطانيات على رؤوس المضربين ومن ثم ضربهم بالسياط والهراوات حتى يبدأ السجين بالأكل، وفي نفس الوقت كان يخرج مدير السجن لينفي صحة ذلك، ويدعي أن إدارة السجن تتعامل مع نفسها على أنها تدير مركز إصلاح ، فقد كان مسئولو السجون الإسرائيلية يعرفون مدى معرفة ومقدرة المعتقلين القانونية المتواضعة، وفي عام 1972 انهال مدير سجن عسقلان (شستر فيلد) ضرباً على السجين عمر شلبي حتى الموت، وهذا ما أطال في إضراب السجن، فقد كان الرأي العام في إسرائيل مهيئاً لاستيعاب أي أخبار عن ردع لرجال المقاومة الذين لا يظهر اسمهم على وسائل الإعلام الإسرائيلية في تلك الفترة إلا وارتبط بعملية قتل الرياضيين الإسرائيليين في ميونخ أو مهاجمة فندق على ساحل هرتسيليا.
   استغلت إسرائيل التوجه الإعلامي نحو حرب أكتوبر 1973 وتعاملت مع إضراب سجن بئر السبع بقطع الماء الساخن، ومصادرة ثلثي البطانيات، وكل الملابس الداخلية، وإغلاق المذياع، وهي تعرف أن ذلك سيحقق ضيقاً نفسياً للمضربين، وتدل كلمات المعتقلين ووسائلهم على أن التوجه الإعلامي تجاه حرب أكتوبر كان السبب الأول في فشل هذا الإضراب.
   تطورت قيادة مصلحة السجون في تعاملها مع المضربين عن الطعام ففي عام 1977 وفي غمرة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية سمحت مصلحة السجون لقوات كبيرة من الجيش بإطلاق النار على غرف المعتقلين وإطلاق الكلاب تجاههم في سجن بئر السبع، مع العلم أن هذا الإضراب كان تضامنياً مع سجن عسقلان، والإدارة تعرف ذلك، ولم يكن إضراباً مطلبياً، لكن من الواضح أن هذا التصرف كان للحفاظ على هيبة إدارة السجن الجديدة، حيث كان مدير السجن يعمل سابقاً ضابطاً في الجيش وبالتالي لم يتورع في الاعتراف بعد يومين "أن الجنود تجاوزوا صلاحياتهم قليلاً، وأن الضابط الذي أصاب المعتقلين قد تم إحالته للقضاء وتبين فيما بعد أنه حكم عليه بالتوبيخ".
   مارست إدارة السجون بأسلوب نقل المعتقلين من مكان الإضراب لكنها كانت تخشى من عواقب ذلك، وعليه ففي فترة الثمانينات كانت تعزل من يقود الإضرابات إلى سجن الرملة حيث عزلت ستا وعشرين سجيناً من سجن نفحة إلى سجن الرملة أثناء الإضراب الأول عام 1980، بل وفي نفس اليوم منعت أي سجين من التجوال في ساحات السجن أو حتى قراءة الكتب(3)، ويعزي ذلك إلى أن أوضاع المعتقلين في سجن الرملة لم تكن تهيئهم لديها لخوض أي إضراب وبالتالي فليس هناك خطر من المنقولين على هذا السجن.
   أدرك قادة مصلحة السجون أن الإعلام الذي يستخدمه المعتقلون في جلب تعاطف الرأي العام معهم يجب أن تستغله مصلحة السجون، وعليه فقد صرح د.مردخاي فرتهايمر مفوض عام السجون عام 1984 بأنه " دعا مندوب الصليب الأحمر لزيارة السجن، وأن هذا الأخير لم يحتج على ظروف السجن"، بل وادعى أن لديه مواداً أمنية تثبت أن الإضراب جارٍ بتحريض من لجنة التوجيه الوطني الموالية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويذكر أن أغلب المؤسسات الإسرائيلية قد شنت عام1984 حملة على القيادات الفلسطينية المحلية وتحرض عليهم،مما أدى فعلاً إلى إصابة ثلاثة منهم على أيدي المستوطنين.
    كما مارس أفراد الشرطة مع معتقلي سجن جنيد أثناء إضرابهم عام 1984 سياسة الضرب التي مارستها مصلحة السجون في كل مراحل الاعتقال، وقد قاموا بتفتيش المعتقلين وتقيدهم من أيديهم ومن أرجلهم وربطهم معاً، ويمكن إجمال الوسائل والأساليب التي استخدمتها إسرائيل أثناء إضراب المعتقلين الفلسطينيين عن الطعام فيما يأتي:
استغلال الإعلام وعزل المسئولين وقطع الصحف والمذياع وتوزيع بيانات كاذبة، وموافقة مدير السجن بعد اليوم العاشر على تحقيق المطالب إذا أوقف المعتقلون إضرابهم وشواء الجنود للحم بجانب غرف المعتقلين، ومنع المحامين من دخول السجن وحجب الماء والملح والحليب عن المعتقلين إضافة إلى الإهمال في الإشراف الطبي.
   أما عن دور الطاقم الطبي الإسرائيلي فمن المعروف أن إسرائيل وقعت العديد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية والتي تضمنت في نصوصها مهام الفرق الطبية العسكرية، ومنها إعلان طوكيو 1975 والذي صادقت عليه الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1982، والتي تفيد بعدم جواز تدخل الطبيب في تنفيذ أي عقوبة، وأن ذلك يمثل مخالفة لآداب مهنة الطب، حتى أن الطبيب الذي يشهد على عزل السجين هي مخالفة، وبرغم إدعاء إسرائيل المتكرر أنها تثقف جنودها على ذلك، لكن واقع السجون المغلق يتيح للجنود عمل ما يرونه مناسباً، حتى عام 1985 وبرغم عشرات حوادث الوفيات داخل السجون والتي يؤكد الفلسطينيون أنها ناتجة عن تعذيب وإهمال طبي أو إضراب عن الطعام، فلم تعترف إسرائيل بمسئوليتها عن أحد هذه الوفيات ولم تحاكم أي شرطي بهذه التهمة، فكيف كانت معاملة فريقها الطبي للمضربين عن الطعام؟
   شهدت السنوات الأولى من افتتاح السجون استخدام الشرطة لأساليب قاسية في معاملة المعتقلين فقد كان السجناء في سجن عسقلان يرون الممرض الذي يدعى (يودا) وهو يضرب المعتقلين بالسياط إذا رفضوا الأكل وحدهم، بل يدخل السوط في فم السجين، ويبدو أن تذمر المعتقلين منه وخوف الإدارة عليه من انتقام المعتقلين أدى إلى نقله لسجن الرملة، وهناك كان يتم رؤيته مع ممرض أخر يدعى (فيلمتن) يحملون هراوات، وهما اللذان ظلا يضعان الأنبوب في القصبة الهوائية للسجناء ومنهم علي الجعفري، راسم حلاوة، وإسحاق المراغي، والمفروض وضعه في المريء، وقد استشهد اثنان منهم أثناء ذلك واستشهد الثالث بعد أشهر متأثراً بهذا الحادث وبعد شهرين من انتهاء هذا الحادث تم تسمية الممرض فيلمتن مديراً لكل سجن الرملة، وسجل المعتقلون على الممرض الأول يودا  بتر ساق أحد المعتقلين من شدة الضرب عليها منه.
    تأثر المعتقلون الفلسطينيون كثيراً بقضية وضع الأنبوب لإطعام السجين المضرب عن الطعام بالقوة وكان يتم ذلك بتقييد أيدي وأرجل السجين بالكرسي، ويتم سكب السائل داخل فمه أو من أنفه، وكان هذا الأسلوب  سبباً في إصابة العشرات من المعتقلين بالقرحة المعدية والتهاب المريء.
    كانت إدارة السجون تعتبر الفحص الطبي أولى محاولات إفشال الإضرابات فقد كان الممرض يجلس وبجانبه ضابط الأمن ويقومون بممارسات عديدة أهمها:
ممارسة الإحباط الشديد للسجين المضرب
عرض التعامل مع الإدارة
الإيحاء للسجين بسوء وضعه الصحي
التمييز بين السجناء في إعطائهم السوائل
   ففي سجن بئر السبع لم يقبل الممرض إعطاء عشرة من قيادات المعتقلين الغذاء الاصطناعي واقتصر على  الماء فقط، وعليه تم نقل سبعة منهم للمستشفيات بعد إصابتهم بالضعف وجفاف الشرايين.
سادساً: نتائج الإضرابات
   فشلت الغالبية العظمى من الإضرابات التي كان يقوم بها بعض المعتقلين بشكل فردي أو مجموعة في تحقيق مطالبهم في السنوات الأولى لافتتاح السجون، وحتى الإضرابات الأولى التي نظمتها بعض قيادات التنظيمات والتي شملت بعض الغرف أو الأقسام في بعض السجون، ولم تكن تحقق المطالب، وهذا ما شهده سجنا بيت ليد والرملة، لكن هذا الأسلوب كان يعبر عن استطاعة السجين التعبير عن رفضه لظروف حياته داخل السجن، وأن ذلك كان يقلق الإدارة، وهذا ما يجد تعبيراً عنه من خلال نقل الإدارة للعديد من المعتقلين ممن قادوا إضرابات صغيرة وبمجموعات صغيرة إلى سجون أخرى، برغم أن الإضراب لم يحقق أي نتائج للمعتقلين.
لقد كانت نتائج الإضرابات محكومة بعدة عوامل أهمها:
مقدرة الإدارة على عزل المضربين عن العالم الخارجي.
عدد ونوعية الكوادر الموجودة في السجن.
طريقة ونمط إعداد التنظيمات للمعتقلين للإضراب.
عزل الإدارة للنشيطين.
تأثير نشاط الأهالي والمؤسسات تجاه المضربين.
طبيعة الأوضاع السياسية في إسرائيل (نظام الحكم)
   يعتبر إضراب سجن عسقلان 1970 أول تجربة منظمة من حيث الإعداد وعدد المشاركين وتعاطي الأهالي والمؤسسات معها، لكن إسرائيل سخرت كل إمكانياتها السياسية والعسكرية والأمنية لإفشال هذا الإضراب وعليه فقد اختلفت النظرة إلى نتائج هذا الإضراب، فيما يقول الإسرائيليون أنهم أفشلوا إضراباً سياسياً ولم يحقق فيه المعتقلون أي شيء، كان المعتقلون الفلسطينيون يختلفون في النظر إليه فالبعض ينظر إليه على أن أول إضراب يستمر مدة 6أيام بهذا التنظيم، ورغم التنقلات فقد تحقق الكثير من إدخال المواد الثقافية، وتوسيع غرفة الزيارة، ويرى بعضهم الآخر أن هذا الإضراب حقق فوائد عديدة أهمها أنه أول محاولة منظمة، لترسيخ الوحدة الوطنية بين المعتقلين، وعرفوا جيداً أنه لا إضراب بغير ثمن وأن استشهاد عبد القادر أبو الفحم شكل حافزاً تاريخياً لكل الإضرابات فيما بعد في كل السجون، لكن من الملاحظ أن هذه الفوائد الأخيرة كلها تأتي ضمن النسق المعنوي، وليس أي شيء على الأرض خاصة أن المطالب كانت كلها من النوع المادي، ولم يكن غرض الإضراب تحقيق الوحدة الوطنية أو معرفة كيف سيكون ثمنه.
   تطورت نتائج الإضرابات فيما بعد، فعندما خاض المعتقلون عام 1977 إضراباً مفتوحاً عن الطعام استمر مدة 44 يوماً حققوا فيه نتائج أيضاً يمكن وصفها بأنها تنظيمية كتضامن كل السجون معهم وأنهم لم يوقفوا الإضراب إلا بعد الاستجابة للكثير من مطالبهم، ولو أن تنفيذها كان جزئياً، ولم تلتزم الإدارة بكل المطالب، وكذلك يمكن القول أن حدة الإضراب كانت تسبب قلقاً كبيراً للإدارة، وهذا معناه أن المعتقلين يستطيعون في إضرابات قادمة إطالة الإضراب إلى مدة أطول.
   تعتبر نتائج إضراب سجن نفحة عام 1980 بمثابة أول إضراب تتضح نتائجه بهذا الشكل، فيمكن فهم ذلك من خلال مجموعة المطالب الكثيرة التي استجابت لها إدارة السجون، وتحقق غالبيتها على الأرض بمتابعة المعتقلين، وهم رافعوا سلاح الإضراب في أي وقت تتلكأ إدارة السجن عن تنفيذها، فقد أصبح الوضع في هذا السجن بعد عدة أشهر من افتتاحه شبيهاً بالوضع في السجون الأخرى، ويمكن القول أن نجاح هذا الإضراب وتحقيقه هذه النتائج كان لعدة عوامل أهمها:
نوعية المعتقلين المضربين (أحكام عالية وقيادات من كل السجون)
تضامن كل السجون في إحداث قلق للإدارة أثناء إضراب نفحة
نشاط الأهالي والمؤسسات
رفض الرأي العام الإسرائيلي لظروف سجن نفحة
طبيعة الظروف القاسية في هذا السجن
  تطورت نتائج الإضرابات بنمو وتطور عوامل النجاح التي ذكرناها سابقاً، ففي إضراب سجن جنيد عام 1984 وبرغم الأعداد الكبيرة للمعتقلين في السجن، فقد استطاع المعتقلون تسجيل نتائج هي أفضل من كل سابقاتها على الإطلاق، والجديد فيه أن الكثير مما حققوه تم تطبيقه على بعض السجون الأخرى، ففي هذا الإضراب دخل الراديو، وخف الازدحام وزادت ساعات الفسحة ومساحة المنطقة التي بها هذه الفسحة، ودخل التلفزيون، لكن ما سبب هذا النجاح، قد كانت هناك عوامل منطقية ساهمت في تحقيق هذه النتائج، فقد كانت الدقة في التخطيط له وإطالة مدة التعبئة النضالية، وشحن المعتقلين من قبل كل التنظيمات التي كانت موحدة برغم أن عام 1984 كان عاماً ليس إيجابياً على صعيد الوحدة الوطنية لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، بل إن المنظمة أسمته عام القرار الوطني الفلسطيني المستقل، وهذا ما عبر عنه تخلف أغلب فصائل المنظمة عن حضور الدورة17 للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في عمان في نوفمبر/ 1984، لكن رغم كل ذلك كان المعتقلون في منأى عن هذه الخلافات، وحتى الفصائل في الخارج ساهمت جميعاً في تقديم الدعم المعنوي والإعلامي للمعتقلين، وقد تسابق نشطاء الفصائل أثناء عقدهم لمؤتمراتهم التنظيمية في نفس اليوم في جامعة بيرزيت لإيضاح موقفهم من عقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني17 تسابقوا  إلى تقديم الدعم والتأييد وأغلب مادة المتحدثين كانت تأييداً للمضربين في سجن جنيد.
   كان تأثير سجن جنيد في إضرابه إيجابياً على بقية السجون ففي بداية عام 1985، وبمجرد إعلان أي سجن لإضراب عن الطعام كان يتم الاستجابة لمطالبهم في حدود تلك المطالب التي تم انجازها في سجن جنيد، وقد تشجعت إدارة مصلحة السجون لذلك، لأن الذي وقع الاتفاق مع المعتقلين في سجن جنيد كان وزير الشرطة (حاييم بارليف) بنفسه أي أنه لن يكون هناك تأثير سلبي على مصلحة السجون إذا استجابت لمطالب المعتقلين سواءً من القيادة السياسية أو من الرأي العام الإسرائيلي.
   لكن يلاحظ بعد إضراب سجن جنيد نظرت إدارة السجن وإدارة مصلحة السجون لهذا السجن نظرة خاصة، إذ كلما كان يقع أي خلاف، ولأقل الأسباب كانت الشرطة تستخدم القوة ضد المعتقلين، ففي كانون ثاني من عام 1985 أي بعد شهرين على انتهاء الإضراب تعرض معتقلو سجن جنيد إلى هجوم من قواتٍ من الجيش وشرطة مصلحة السجون أطلقت خلاله القنابل المسيلة للدموع وأدى إلى إصابة 35سجيناً.


 

2011-10-17 13:21:56 | 2439 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية