التصنيفات » دراسات

الثورة المصرية وأثرها على مستقبل القضية الفلسطينية



خالد سعيد


   على الرغم من عدم اكتمال الثورة المصرية، وتعدد الحراك السياسي الثوري والإصلاحي الذي شهدته مصر، منذ الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، وتحول دفة الأمور إلى الشارع المصري، فإن الثورة المصرية قد تركت الأثر الايجابي الحقيقي على القضية الفلسطينية، والصراع العربي ـ الصهيوني على مجمله.

   فمن بين الدوافع الحقيقية للثورة المصرية، بعيد اتباع الرئيس المخلوع، حسني مبارك، لسياسة التوريث، واستشراء الفساد والمحسوبية، وسيادة مصطلح " تزاوج السلطة بالمال "ن في عهده، يأتي تنازل مبارك عن الدورين، العالمي والإقليمي، لمصر، لصالح قوى إقليمية أخرى، مثل الكيان الصهيوني، وتركيا، وإيران، كما أن مبارك لم يكن متواطئاً لصالح هذا الكيان فحسب، وإنما شريكاً له ضد المصالح الفلسطينية والعربية، حتى إنه ناصب العداء لكل الفصائل الفلسطينية، التي جعلت من المقاومة خيارها الوحيد.

   وبعد أن ساعد الرئيس المخلوع ـ وبشكل مباشر ـ في توطيد أركان الكيان الصهيوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتثبيت دعائمها، جاءت الثورة المصرية لتقلب للكيان الصهيوني مفاهيم ومصطلحات سياسية وعسكرية، رأساً على عقب، وتفرض بدورها وضعاً جديداً وصعباً على الصهاينة، بوجه عام، والإسرائيليين، بوجه خاص.

    فبعد أن كان الكيان الصهيوني يوجه مدافع رشاشاته نحو الشمال الفلسطيني المحتل ـ سوريا، وحزب الله، وإيران ـ أو الجنوب ـ قطاع غزة ـ طيلة العقود الثلاثة الماضية، بدأ يوجهها، وبشكل مباشر، نحو الجبهة الجنوبية لكيانه المزعوم، أي نحو مصر وحدها، التي نجح مبارك في تدجيَّنها طوال فترة حكمه، التي قاربت على الثلاثين عاماً؛ وبدأت تل أبيب تخشى من تداعيات الربيع العربي على مستقبلها، خاصة في ظل صعود الإسلام الحركي، في غالبية الدول العربية والإسلامية.

   لقد فرضت الثورة المصرية على الكيان الصهيوني وضعاً صعباً للغاية على المستوى الأمني، والسياسي، والعسكري، وشيئاً ما في المجال الاقتصادي، وبدأت تنهار نظرية الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة العربية، وذلك على  الرغم من عدم تغير شيء ملموس على أرض الواقع، حتى الآن، بيد أن قراءة الساسة الصهاينة، والعسكر من خلفهم، أوصلتهم إلى نتيجة مفادها أن إفرازات الربيع العربي ستكون وبالاً عليهم.

   وتحت وطأة تصاعد الاستيطان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وقضم المزيد منها، تباعًا، وتهويد مدينة القدس الشريف، وفي ظل الربيع العربي، والثورات الشعبية العربية، وضع الشعب المصري القضية الفلسطينية على رأس أولوياته، ملحقة أو مرادفة لوجوب قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

  فثمة مواقف وردود أفعال تركتها الثورة المصرية على مستقبل القضية الفلسطينية، وفرضت الأمر الواقع عليها، سواء بتغيير لغة الخطاب المصرية تجاه الكيان الصهيوني، أو بتوجه الرئيس الفلسطيني، محمود عباس أبو مازن " المنتهية ولايته في التاسع من يناير/كانون الثاني 2009 "، إلى الأمم المتحدة، في الثالث والعشرين من سبتمبر/ أيلول 2011، بطلب نيل الاعتراف بالقضية الفلسطينية، أو بوقف هدم جسر المغاربة، أو تعدد اللقاءات الفلسطينية ـ الفلسطينية، أو السماح بدخول أسلحة لقطاع غزة عبر شبه جزيرة سيناء، بشكل مباشر أو غير مباشر، أو على الأقل بزيادة الوعي المصري بالقضية الفلسطينية! ناهيك عن اتباع سياسة الحوار، والتخوف من إقامة خلافة إسلامية في المنطقة!

أولاً: تغيير لغة الخطاب المصرية
 بدا واضحاً أن لغة الخطاب المصرية قد تبدلت وتغيرت، تماماً، تجاه الكيان الصهيوني، فبعد أن تكالب النظام المصري السابق على نيل رضا هذا الكيان، تبدل الحال، وبدأت القاهرة في تغيير لغة الخطاب، سواء في إدانتها أو شجبها لإتباع هذا الكيان لسياسة استمرار بناء المستوطنات الصهيونية، وهو ما شدد عليه بوجه خاص، وزير الخارجية السابق، نبيل العربي، حينما تولى حقيبة الخارجية المصرية، لعدة أسابيع فقط، وقبيل توليه منصب الأمين العام للجامعة العربية، حيث تغيرت هذه اللغة، تماماً، مع الكيان الصهيوني، واندهشت تل أبيب من هذا التغير المفاجيء، وبدأت تكيل الاتهامات للوزير الجديد، وهي اللغة التي لم تعهدها من قبل! ( ويبدو أن هذا التغير كان سبباً في تغييره وتوجهه صوب الجامعة العربية !).

     نجحت مصر في منع الكيان الصهيوني من القيام بعملية عسكرية صهيونية ضد قطاع غزة، خاصة في أشهر الصيف الماضية، وإن لم يعترف هذا الكيان بتلك الخطوة، بشكل مباشر، لكن كان بوعيهم الداخلي مدى خطورة هذا العملية في حال الإقدام عليها، ولعل واقعة أو تمثيلية " حادثة إيلات " ( أم الرشراش المصرية المحتلة )، التي وقعت، في الخامس عشر من أغسطس/ آب 2011، حينما استشهد سبعة من الجنود والضباط المصريين، وأصيب غيرهم جراء اعتداء مروحيات صهيونية عليهم بالقرب من الحدود المصرية ـ الصهيونية، بعد أن ادعى الكيان الصهيوني قيام مجموعة مسلحة مجهولة بقتل خمسة وعشرين جندياً صهيونياً في إيلات، ولكن اتضح فيما بعد أن هذه الواقعة مجرد " تمثيلية " كان الغرض منها اختبار رد فعل المجلس العسكري المصري، ومن قبله الشارع المصري، وجاء الرد سريعاً باقتحام السفارة الصهيونية بالقاهرة، في التاسع من سبتمبر/ أيلول 2011، حينها لم تنبس تل أبيب ببنت شفة.  

ثانياً: توجه أبو مازن للأمم المتحدة
      في الوقت الذي اندلعت الثورات العربية لتحرر شعوبها من طغيان وفساد حكامها، وتتنسم رائحة الديمقراطية، وترتشف رحيق عبير الحريات، تذكر أبو مازن ـ في لحظة فارقة ومفاجأة ـ أن له حقوقًا لدى المجتمع الدولي، وله أرض مغتصبة من الكيان الصهيوني، بمساعدة قوى امبريالية واستعمارية، ترغب في استمرار الوضع على ما هو عليه، ساكنًا، وأدرك أبو مازن  ـ كنتيجة لتلك الثورات العربية ـ أن عليه واجبات قومية ووطنية لشعبه الفلسطيني المحتل، منذ عشرات السنين، فاتخذ قرارًا فرديًا بالتوجه للأمم المتحدة، دونما التمهل في خطورة تلك الخطورة، بما لها وما عليها، من مثالب وإيجابيات. ولم يستشر أيًًا من الفصائل أو القوى الوطنية الفلسطينية الأخرى! ولكن نتائج الثورات العربية قد دفعت أبو مازن إلى اتخاذ هذه الخطوة، بشكل كبير.

       منذ أن اتخذ الرئيس الفلسطيني، هذا القرار، والكيان الصهيوني يدور في فلك تلك الخطوة التاريخية، خاصة وأنها جاءت في أعقاب اندلاع الثورات العربية، وتبين حقيقة الشعوب العربية، المنتفضة والرافضة للظلم، والطغيان، والفساد، التي لم يتوقعها ذلك الكيان، والتي لم يحط من إيجابياتها وخطواتها الملموسة، ولم يدرك بعد مدى تأثيرها السلبي على كيانه الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فتارة يعلن الحرب ـ النفسية ـ على الشعب الفلسطيني وسلطته، بوجه عام، وتارة يصرح بأن المفاوضات هي الطريق الوحيد للاعتراف بالحقوق الفلسطينية، وإعلان الدولة الفلسطينية.

   لقد عبَّر عن خطورة هذا التوجه، وما سبقه من ثورات عربية، أطاحت ببعض القادة والزعماء والرؤساء العرب، قائد الجبهة الداخلية بالجيش الإسرائيلي الجنرال، آيال ايزنبرج، حينما قال : " إن الشرق الأوسط مقبل على انفجار شامل، ومؤهل لحرب جديدة " (1)؛ كما قام رئيس الوزراء الصهيوني، بنيامين نتانياهو، على الفور، بسلسلة زيارات مكوكية لعدد كبير من الدول، سيما في القارة الأوربية لحثها على عدم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بدأها نتانياهو بزيارة كل من رومانيا وبلغاريا، معًا، في الخامس والسادس من شهر يوليو/ تموز 2011، وتلتهما زيارة تاريخية لألمانيا، سبقتها زيارات مكوكية لأكثر من مسئول صهيوني آخر، على رأسهم رئيس الدولة الصهيوني، شيمون بيريز، الذي زار كوريا الجنوبية في شهر يونيو/ حزيران من العام نفسه، وأسبانيا بعدها بأيام، فضلاً عن زيارة وزير الخارجية أفيجدور ليبرمان، إلى دول أوربية أخرى. والملاحظ أن هذه الزيارات لم تتوقف عند حد كسب تأييد تلك الدول فحسب، وإنما لإتمام وعقد صفقات عسكرية واقتصادية، أيضًا!

       واكب الخطوات الصهيونية السابقة، الإعلان الإسرائيلي الدائم عن بناء المزيد من المستوطنات والوحدات السكنية الاستعمارية بالضفة الغربية ومدينة القدس الشريف، في تحدٍ واضح للمجتمع الدولي، ولقرارات الأمم المتحدة؛ ولشرعية الثورات العربية، وما تركته من تداعيات على هذا الكيان الصهيوني، وذلك رغم مفاجأة تعدد لقاءات أبو مازن مع وزير الحرب الصهيوني، إيهود باراك، خلال الأشهر الأولى من عام 2011، التي لم تحقق أهدافها في منع الفلسطينيين من التوجه إلى الأمم المتحدة، لكنها أسفرت عن توافق بشأن تواصل التنسيق الأمني بين الطرفين، الفلسطيني والصهيوني.

   ما يعني أن خطوة الرئيس الفلسطيني جاءت بعدما تيقن، تمامًا، أنه لا جدوى من تلك اللقاءات مع الطرف الصهيوني، خاصة حيال ما يدعيه ب" خيار السلام "، ذلك الخيار ( المستحيل ) الذي استبعده ليبرمان، حينما صرح بأنه من الممكن اعتبار السلطة الفلسطينية كيانًا معاديًا، وهي المكانة نفسها التي التصقت بقطاع غزة، حينما سيطرت حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) على مقاليد الأمور في القطاع، في عام 2007. فيما لم يكتف وزير الخارجية الصهيوني بذلك، وإنما أراد معاقبة الطرف الفلسطيني على توجهه للأمم المتحدة، مطالبًا رئيس وزراؤه بإلغاء كل الاتفاقيات التي وقعّت بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، رغم حرص الكيان الصهيوني على أطر التنسيق الأمني مع الطرف الفلسطيني!

       رأى كثير من الكُتاب والصحفيين الصهاينة أن توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة جاء  " بعد تخلي تل أبيب عن خيار السلام "، ويأس الفلسطينيين من التعنت والتصلف الإسرائيليين، ما زاد من عزلة الكيان الصهيوني، وتراجع مكانته الدولية، حتى باتت صورته في أسوأ حالاتها، واعتبر أحد الكتُاب الإسرائيليين أن مثل هذه الأجواء تشبه، إلى حد كبير، الأجواء التي سبقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، في عام 1987(2)، ما يعني أن نخبًا كثيرة وكبيرة في الكيان الصهيوني أدركت مدى خطورة الخطوة التي أقدم عليها الفلسطينيون، التي أعقبت الثورات العربية، لذلك طالب بعضهم بضرورة الإسراع في إجراء مفاوضات مع الطرف الفلسطيني، بهدف احتواء مثل تلك الخطوة(3)، خاصة وأنهم أدركوا تداعياتها الكارثية عليهم، وعلى مستقبل كيانهم الغاصب.

       بعيد هذه الخطوة الفلسطينية بقليل، انضمت زعيمة المعارضة الصهيونية، رئيسة " حزب كاديما "، تسيبي ليفني، إلى كتلة المعارضين لسياسة نتانياهو، محمَّلة رئيس الوزراء الإسرائيلي مسؤولية انسداد الأفق أمام إسرائيل تجاه الطرف الفلسطيني والمجتمع الدولي، وبدا واضحًا مع خروج بعض المظاهرات المؤيدة للتوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، وخروج كتابات ـ ليست بقليلة ـ مؤيدة لهذه الخطوة، أيضًا، أن ثمة تخبطًا وقلقًا ساد حكومة نتانياهو، آنذاك، التي هددت باتخاذ جملة من التدابير الخطيرة، من بينها إلغاء كافة الاتفاقات مع الطرف الفلسطيني، ووقف تحويل الأموال للسلطة الفلسطينية، وضم غور الأردن والكتل الاستيطانية الكبيرة الموجودة في الضفة الغربية إلى إسرائيل؛ ليمكن القول بأن حكومة نتانياهو قد بدا عليها الترنح والترهل، واعتقد أحد الصحفيين الصهاينة بأن أيامها في الحكم باتت معدودة! خاصة وأن غالبية وسائل الإعلام الصهيونية كانت مؤمنة بأنه من الممكن اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة (4)!
      اعتبر الكيان الصهيوني أن أبو مازن قد حقق ثلاثة نجاحات بتوجهه للأمم المتحدة، وطلبه انضمام فلسطين لها، وهي كالتالي (5):
1- الصمود أمام الضغوط الأمريكية، والصهيونية، والأوربية، والتصدي للتهديدات الخارجية، والتشديد على وجوب الاعتراف بدولة فلسطينية.
2- تحويل المفاوضات بين الجانبين، الفلسطيني والصهيوني، إلى مفاوضات مباشرة، بعد فشل عشرات الجولات من المباحثات، تأثراً بالثورات العربية.
3- تقوية موقف أبو مازن الداخلي، خاصة أمام شخصيات فتحاوية أخرى، مثل ناصر القدوة، وسلطان أبو العينين!
   رأت وسائل إعلامية صهيونية أن الفلسطينيين بإمكانهم الانضمام إلى بعض المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة، مثل المحكمة الجنائية الدولية، التي بإمكانها إدانة الجرائم الصهيونية بحق العرب والمسلمين، واعتقال مسئولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم حرب دولية، ويحق وقتها للفلسطينيين تقديمهم للمحاكمة؛ وهو ما دعا تلك الوسائل إلى توجيه الأنظار نحو وجوب الاهتمام بضرورة الدخول في مفاوضات ومباحثات سلام مع الفلسطينيين، بغية التغاضي عن خطوة أبو مازن، وانضمام فلسطين للأمم المتحدة، أو للقضاء على تلك الخطوة، من الأساس، محذَّرة من احتمال اندلاع مواجهات أو انتفاضة فلسطينية أخرى، لا يمكن لأحد التنبؤ بنتائجها وتداعياتها على مستقبل الكيان الصهيوني، خاصة وأن الشعب الفلسطيني قد تأثر بالثورات الشعبية العربية، والربيع العربي الذي يفوح من حولهم، فضلاً عن افتقاد الكيان الصهيوني أهم حليفين استراتيجيين في المرحلة الراهنة، وهما تركيا ونظام مبارك (6)! 


ثالثاً: وقف هدم جسر المغاربة
       جاء التخوف الصهيوني من الثورة المصرية ممثلاً في ترك الأثر الايجابي العميق على القضية الفلسطينية، وعلى المقدسات الإسلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد اعترف موقع إلكتروني صهيوني أن الثورة المصرية نجحت في الضغط على تل أبيب لوقف هدم جسر باب المغاربة. فقد اعترف الموقع " نيوز فيرست كلاس " صراحة، في السابع والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2011، بأن نتانياهو، أعلن تأجيل هدم جسر المغاربة نتيجة للأحداث المتسارعة في مصر، وخاصة في ميدان التحرير بقلب القاهرة، آنذاك، واستمرار تواجد المعتصمين والمحتجين المصريين بالميدان، وتخوف الكيان الصهيوني من أن تكون عملية الهدم سبباً في زيادة الكراهية المصرية لتل أبيب(7).

     قال المحلل السياسي للموقع إيتسيك وولف، إن مصادر سياسية مصرية رفيعة المستوى أخبرت تل أبيب أن هدم جسر المغاربة يعد عملاً جنونياً، من الممكن أن يثير مشاعر المسلمين في قلب ميدان التحرير، ما يدفعهم إلى اتخاذ خطوات تؤثر على علاقات الطرفين المصري والصهيوني، كما أن جماعة الإخوان المسلمين يمكنها اتخاذ خطوات تصعيدية ستترك أثرها على الشارع المصري، حيث من المحتمل أن تسَّخر جهودها لذلك، وتضغط لإرسال أعضائها، وكوادرها، ومناصريها إلى الحدود المصرية ـ الصهيونية، خاصة وأن المصريين قد أوشكوا، آنذاك، على دخولهم الانتخابات البرلمانية(8)!

رابعاً: تعدد اللقاءات الفلسطينية ـ الفلسطينية

      " لم تعد القاهرة اليوم كما كانت أيام مبارك، فقد أصبحت دولة إسلامية، وقريبة من فكر وأيديولوجية حماس " (9)، وردت هذه المقولة في صحيفة صهيونية، حينما التقى خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بالرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن، في القاهرة، في الثالث والعشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، للاتفاق على المصالحة الفلسطينية. وتعني الصحيفة أن أبو مازن لم يجد السند القوي من القاهرة، مثلما وجده من قبل، إبان حكم مبارك المخلوع! بمعنى أن الثورة المصرية قد جمّعت الفرقاء الفلسطينيين على مائدة حوار واحدة، بهدف إنهاء حالة الانقسام بين الأطراف الفلسطينية، هذا فضلاً عن لقاء المصالحة الذي وقّع، في الرابع من أبريل/ نيسان من العام نفسه، برعاية اللواء مراد موافي، رئيس جهاز المخابرات المصرية.
خامساً: التخوف من إقامة خلافة إسلامية في المنطقة
   بما أن الإخوان المسلمون بمصر هي الجماعة الأم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) بقطاع غزة، فإن مستشرقاً صهيونياً قد أعرب عن تخوفه من صعود الإخوان المسلمين على رأس الهرم السياسي في مصر، مثلما جرى مع حماس بقطاع غزة، بدعوى احتلالهم لمصر، ومحاولتهم إلغاء اتفاقية السلام، معتمدة على عاطفة المصريين وتدينهم، وتشكيلهما معاً لخلافة إسلامية في مصر والعالم العربي، فقد قال : " سبق وأن سيطرت حماس على المزاج الشعبي في غزة، قبل الانتخابات ( انتخابات المجلس التشريعي، 25/1/2006)، وهو ما يحدث للشعب المصري، وسيعملون على تكوين ائتلاف لإقامة الخلافة الإسلامية، أو للوصول إلى السلطة، على الأقل " (10).

    وترى تل أبيب أن ثمة حلفًا بدأ في التشكل، مؤخرًا، رغم تضارب المصالح بين كل طرف فيه، وهو الممثل في الحلف " الراديكالي "  ـ بحسب الرؤية الصهيونية ـ بانضمام تركيا لكل من سوريا ـ حتى اندلاع الثورة السورية ـ وإيران، وحركات المقاومة الإسلامية، خاصة حركة حماس، فضلاً عن تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، وهو ما أوضحه، بشكل خاص، الجنرال آيال آيزنبرج، قائد الجبهة الداخلية الصهيونية، حينما قال، في الخامس من سبتمبر/أيلول 2011 ، في جلسة خاصة جدًا، تسربت تصريحاته، والتي قال فيها: " إن إسرائيل ستواجه مشاكل كبيرة وخطيرة في المنطقة، وان الشرق الأوسط بأسره سيواجه مشاكل أمنية وعسكرية، فالثورات العربية المتلاحقة، والتدهور في العلاقات مع تركيا، من الممكن أن يجلب حروبًا شاملة في المنطقة ".
   يدعي الجنرال آيزنبرج أن التجمع الصهيوني وجد نفسه بين محيط متشدد، ومتطرف، وراديكالي من كل جانب، انضم إليه تركيا وإيران، مؤخرًا، وعلى الكيان الصهيوني الاستعداد لأية مواجهات عسكرية مع هذا المحور الراديكالي، فالربيع العربي ـ على حد زعمه ـ يمكن أن يتحول إلى خريف إسلامي راديكالي، ومنطقة الشرق الأوسط ستشهد استخدام أسلحة الدمار الشامل، معتقداً أن الحركات السياسية الإسلامية، وبشكل خاص، الإخوان المسلمون، يشكلون الضلع الأساسي في هذا التحالف الراديكالي، الذي يعتقد معه آيزنبرج إنه يشكل تهديداً للأمن القومي الصهيوني .
  وعلى الرغم من أن الكيان الصهيوني قد أجرى الاستعدادات لصعود الإسلاميين في مصر، والعالم العربي، وبالتالي في قطاع غزة، فإن التخوف الأكبر هو خشية تأثر الجانب الفلسطيني في الداخل بالثورات العربية، لذلك شدد هذا الكيان على ضرورة زيادة الاستعدادات الصهيونية لمواجهة خطر ما يسمونه ب" الفكر الجهادي "، وتوجه الطرف الفلسطيني إلى محاولة الثأر من هذا الكيان، على غرار ثورات الشعوب العربية، ومن ثم استعد هذا الكيان الغاصب إلى مثل هذا الخطوة (11). 
     فقد تسبب نجاح الكتلة الإسلامية في مصر في شعور الكيان الصهيوني بالقلق والخوف من مستقبله، وخاصة القيادات السياسية والعسكرية، حيث قرر الجيش الصهيوني الدفع بتعزيزات أمنية على الحدود مع مصر، تخوفاً من وقوع عمليات " إرهابية " (12)، فضلاً عن التعزيزات المماثلة على الحدود مع قطاع غزة.

   تزامنت هذه الخطوة مع نشر تقرير خطير في موقع الكتروني صهيوني، جاء فيه أن الإخوان المسلمين المصريين ساعدوا إخوانهم، الإخوان المسلمين الليبيين في دخول شاحنتين محملتين بالأسلحة، وأكثر من خمسين ليبي، إلى قطاع غزة عن طريق سيناء، كسائحين، حيث اشتركوا في عمليات الجهاد الإسلامي ضد مستعمرات غلاف غزة، في 29/10/2011 (13). وهو ما ثبت نفيه فيما بعد!
   تعتقد دوائر صنع القرار الصهيونية أن الأسلحة المتقدمة التي حصلت عليها الفصائل الفلسطينية، أنها قادمة من ليبيا ومن إيران، وأن بعض التيارات المصرية التي تفتحت بقوة، بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني 2011، تقود حملة توصيل هذه الأسلحة إلى قطاع غزة، فضلاً عن اعتقاد الصهاينة أنفسهم أن الفلسطينيين داخل القطاع تعلموا كيفية تصنيع وإنتاج الاسلحة من الإيرانيين والسوريين الذين كانوا يدخلون القطاع عبر الأنفاق.
  ويؤمن الصهاينة أن تجمعهم على الأراضي الفلسطينية المحتلة بات محاصراً من الثوار العرب، فالمصريون من الجنوب، وحزب الله المقاوم والذي لقن الجيش الصهيوني درساً لن ينساه، في الشمال، وكذا الثوار السوريون في الشمال، مع تمرد بعض التيارات الأردنية على التجمع الصهيوني، بل وعلى الملك عبد الله الثاني، العاهل الأردني نفسه، بالإضافة إلى أن حركة حماس والجهاد الإسلامي لديهما ما يكفيهما، الآن، من الأسلحة، لردع تل أبيب نفسها، حتى أن أكثر من صحيفة صهيونية خرجت مؤخراً بعناوين مدهشة، تفيد باحتمالية عدم تحليق الطائرات الصهيونية فوق قطاع غزة، نظراً لوجود مضادات الطائرات لدى المقاومة الفلسطينية في القطاع.
    الغريب في الأمر إنه بعد صمود المقاومة الفلسطينية، ومساندة المصريين كشعب، في البداية، لتيارات المقاومة، ورفضهم التطبيع مع الكيان الصهيوني، والتخوف الصهيوني من الثورة المصرية، يتمثل ـ على أقل تقدير، في مقولة الجنرال عاموس جلعاد: " على كل إسرائيلي البحث عن قبة حديدية خاصة به "، بما يعني على كل صهيوني البحث عمن يسانده ويساعده من الخطر القادم، الممثل في الثوار المصريين، أو الشعوب العربية القادمة الرافضة لوجود هذا الكيان في قلب العالمين، العربي والإسلامي.
      يؤكد هذا الرفض الكاتب الصهيوني " رون بن يشاي " في صحيفة يديعوت أحرونوت، حينما يقول كغيره من الكتاب والمحللين السياسيين الصهاينة: " مِن بين مَن استفادوا من سقوط مبارك ونظامه، حركة الإخوان المسلمين، التي صعد نجمها، سياسيًا، بعد الثورة، وبدأت تصول وتجول في الشارع المصري بحرية واطمئنان، عن ذي قبل، وللمرة الأولى في تاريخها، فضلاً عن استفادة حركتي الجهاد الإسلامي وحماس في تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، عبر شبه جزيرة سيناء " . حتى أن مقال " رون بن يشاي " جاء تحت عنوان " مبارك مخلوع، وفي غزة 10 آلاف قذيفة وصاروخ "، وهو ما يعني أن مبارك كان يحبس أنفاس الفلسطينيين لصالح الصهاينة، ما كان مصدر سعادة وفخر إسرائيليين!

  في الإطار نفسه، قال " بوعاز هعتسني " المحلل السياسي للموقع الصهيوني " واللا " : "
بسقوط مبارك سقطت إحدى قلاع الدول العربية المعتدلة في الشرق الأوسط، فعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي السابق، جيمي كارتر، أراد تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة ديمقراطية، فإن المنطقة سقطت في براثن التشدد والغلو، بعدما وقعت غزة بيد حماس، وبعدما نجحت القوات الأمريكية في القضاء على صدام حسين، احتسب هذا النجاح لصالح إيران، وأحسنت استغلاله، لكن سقط مبارك، وبسقوطه سقط حائط الصد الذي كان يواجه بكل قوة وحزم، التيار الإسلامي المتشدد في الشرق الأوسط، والمُحب لإسرائيل ".  

سادساً: اتباع سياسة الحوار

   لمواجهة المد الإسلامي السياسي، ولدرء تداعيات الثورات العربية على القضية الفلسطينية، قرر الكيان الصهيوني أن يتبع سياسة " الحوار والتفاوض " مع كافة الأطراف المعنية في الشرق الأوسط، وذلك تأثراً بسقوط مبارك، حيث قررت تل أبيب البحث عن بديل للرئيس المخلوع، عبر وجوب فتح حوار مع الإخوان المسلمين، ومع جهات، وتيارات، وقوى وشخصيات سياسية مصرية مختلفة" (14).

    أعرب الكيان الصهيوني عن قلقه العميق من النظام الذي سيخلف مبارك، إذ يخشى هذا الكيان من أن يكون نظاماً وطنياً يسهم بشكل أو بآخر في أعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية، ويعزز من فكر الجهاد لدى الفلسطينيين، بكافة مشاربهم وتياراتهم الفكرية والعقائدية، فضلاً عن أن كثير من المرشحين للرئاسة المصرية قد أعربوا عن عزمهم إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة، وهو ما أجبر سُدة الحكم في تل أبيب على التفكير ملياً في إعادة خيار المفاوضات مع الطرف الفلسطيني، خاصة وأن أبو مازن المهادن على رأس الهرم القيادي في الرئاسة الفلسطينية. فقد جرت كثير من المياه تحت النهر، وأجرت تل أبيب اتصالات مباشرة وعديدة مع رام الله، بهدف الإسراع في إحداث تغيير حقيقي في عملية السلام مع الفلسطينيين.

خاتمة

    ومن هنا، فإن ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، هي لحظة فارقة في تاريخ الصراع العربي ـ الصهيوني، لأنها عضدت وساندت القضية الفلسطينية، بشكل أو بآخر، وولّدت لدى الفلسطينيين جميعهم الشعور بضرورة التمرد والثورة والانتفاضة على الكيان الصهيوني الغاصب للأراضي الفلسطينية، وهو شعور ربما يقض مضاجع الإسرائيليين، ويثير حفيظتهم.


الهوامش
1- الجنرال آيزنبرج يكشف الحقيقة والتطور في المنطقة، ويهز سلسلة الأمن القومي، ديبكا، 6/9/2011.
2-يوني بن مناحم، في الطريق إلى انتفاضة ثالثة، يديعوت أحرونوت، 18/5/2011.
3- مقارنة خطاب عرفات بأبو مازن، والخطاب الأمني لنتانياهو، دعا الكابينيت لتجديد المفاوضات، ديبكا، 23/9/2011.
4-يتسحاق بن حورين، المواجهة تصل ذروتها: الفلسطينيون يصعَّدون الأمر، والجيش الإسرائيلي يستعد، يديعوت أحرونوت، 23/9/2011.
أنظر، أيضاً: - يؤاف زيتون، ناحال من التدريبات: نتحسب ألف مرة للمواجهات القادمة، يديعوت أحرونوت، 21/9/2011.
- أليئور ليفي، الفلسطينيون يخرجون للاحتفال: في النهاية سيكون لنا دولة، يديعوت أحرونوت، 21/9/2011.
5-نتانياهو وأبو مازن أبطلا مفعول الولايات المتحدة الأمريكية، وحددا الخطوط العريضة لحوراهما، ديبكا، 24/9/ 2011.
6- شلما باروم وشمعون شتاين، إسرائيل ومخاطرها الاستراتيجية، مباط، العدد 283، 23/9/2011.
7- ايتسيك وولف، تأجيل هدم جسر المغاربة بضغط مصري، إن أف سي، 27/11/2011.

8- المصدر نفسه.

9- آيال زيسار، النموذج الطيب في القاهرة، يسرائيل هايوم، 24/11/2011.

10- بني توكر، الإخوان المسلمون سيلغون اتفاق السلام تدريجياً، القناة السابعة الإسرائيلية، 4/12/2011.

11- بني توكر، مستشرق: الإخوان المسلمون في طريقهم الناجح في مصر، القناة السابعة الإسرائيلية، 24/11/2011.

12- ليلاخ شوفال وآخرون، جيش الدفاع يخشى من تدهور الأوضاع الأمنية على الحدود الجنوبية، يسرائيل هيوم، 4/12/2011.

13- أسلحة ليبية وصلت غزة من بينها صواريخ جراد، ديبكا، 11/11/2011.

14- يهوناثان داهوت ليفي، حلف مع الإسلاميين يقلل تكاليف الدفاع، إن إف سي، 1/12/2011.





2012-05-28 10:47:25 | 2524 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية