التصنيفات » دراسات

باراك أوباما والشرق الأوسط - ميزان السنوات الثلاث(*)


قلة من الرؤساء الأميركيين قد بدأوا السنوات الأولى من رئاستهم مع جدول أعمال شرق أوسطي بل وعالمي بهذا القدر من الطموح مثلما فعل باراك أوباما في مستهل العام 2009. ومن النظرة الأولى كانت ثمة مفاجأة لأن المواطنين الأميركيين الذين انتخبوه كانوا منشغلين بشكل حصري في الأزمة المالية والاقتصادية التي اجتاحت الدولة منذ العام 2008. مسائل السياسة الخارجية لم تقم بأي دور في الحملة الانتخابية، وأوباما نفسه لم يكن يملك رصيد معلومات وخبرة بالنسبة لكل ما يتعلق بالتدخل في السياسة الخارجية في سياق انشغاله القصير بالسياسة الداخلية الأميركية قبل أن يتقدم بترشيح نفسه للرئاسة. إلا أن الرئيس أوباما ورث عن الرئيس جورج دبليوبوش كماً هائلاً من القضايا الصعبة والقاسية التي لم يكن من الممكن تجاهلها: انخفاض مستوى الثقة لدى دول العالم بزعامة الولايات المتحدة، حالة من العداء الشديد لاميركا في مختلف أنحاء الشرق الأوسط بل وفي حقوق الحلفاء التقليديين لأميركا في أماكن أخرى، والتورد المستمر في حربين بريتين بالإضافة إلى حرب بلا حدود ضد الإرهاب. هذه الأمور جميعاً فرضت تحديات أمنية بل وألحقت الضرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة باحتمالات تحقيق نهوض اقتصادي عالمي ومحلي. في أعقاب ذلك انطلق أوباما فور تسلمه زمامه منصبه مع سلسلة من المبادرات تحت مظلة التدخل الذي كان يرمي إلى تحسين سمعة الولايات المتحدة وترميم شعبيتها المتهورة في العالم. التدخل شمل جبهة واسعة واستهدف مجموعة منوعة من الأهداف، لكنه وجه بشكل أساس إلى الجماهير في العالم الإسلامي من خلال التركيز على قضايا وشؤون الشرق الأوسط.
في اللحظة التي تدخل فيها الولايات المتحدة إلى مرحلة انتخابات جديدة للرئاسة (والكونجرس) يلاحظ وجود مؤشرات نهوض اقتصادي، مع إنها غير مستقرة، في حين بقي الوضع الاقتصادي بمثابة نقطة القلق الأساسية لاغلب مواطني الولايات المتحدة واغلب رجال السياسة الأميركيين. مع ذلك فإن بعض الجمهوريين الطموحين وظفوا جزءاً من وقتهم لتوجيه انتقادات لاداء أوباما في مجال السياسة الخارجية وخاصة الشرق الأوسط أما الناطقون باسم السلطة فقد دافعوا بالتأكيد عن السياسة التي انتهجها الرئيس، والمادة الخام لتفحص ميزان السنوات الثلاث من ولايته بدأت بالتبلور والوضوح.
بحسب المعايير المحددة من قبل مؤيدي الرئيس المثاليين منذ بداية مرحلة السنوات الثلاث من ولايته، أو بحسب معايير معارضيه الأعداء الغاضبين في نهاية هذه المرحلة، فإن أوباما قد فشل. فهو لم يؤسس ديمقراطية مثالية في العراق ولا في أفغانستان ولا في أي مكان آخر في المنطقة، وهو لم ينجح بالتوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين وهو لم ينزع سلاح إيران ولم يتوصل إلى فرض احترام الولايات المتحدة على العالم أو محبتها أو الخوف منها والخضوع لإرادتها. المثاليون، ليس فقط من ضمن صفوف الجمهوريين في سياق الحملة الانتخابية، من شأنهم إذن التنطح لأتهامه بالفشل الذريع. لكن بناء على معايير أكثر تواضعاً، اعتمدتها إدارت سابقة، وبناء على الواقعية المعتمدة في العالم، يمكن القول أن ميزانه هو ميزان ثنائي المعاني والتقديرات.
أوباما والربيع العربي.
الخلاصة التي تناسب نتيجة التوازن هي أن مقاربة أوباما قد حققت بعض الاهداف المتواضعة، ما خلا، بصورة ساخرة، مجالاً واحداً جرى التركيز عليه في بداية ولايته وكان بمثابة الخاتم لمرحلة سلفه في منصب الرئاسة، وهو مجال – الدمقرطة. وحتى في هذا المجال لم يتحقق الانجاز الحقيقي سوى في ما يخص الشرط المسبق للدمقرطة وهو إضعاف أو طرد الأنظمة الأوتوقراطية، لكن حتى هذا الانجاز لا يمكن نسبته إلى إدارة أوباما إلا بشكل محدود. ففي بداية العام 2012 برزت شواهد كثيرة على أن سقوط الطغاة الأوتوقراطيين قد سرعت بالفعل نشوء ثقافات ومنظومات سياسية ديمقراطية. والافتراض وراء ردة الفعل الإيجابية المتفائلة إزاء الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن والأنتفاضة ضد النظام في سوريا التي شملت بمصطلح "الربيع العربي" هو أن تطوراً كهذا سيحصل فعلاً. إلا أن التطورات منذ ذلك الين تدل على الاحتمال الأكثر حظاً وهو أن القوى الإسلامية هي الرابح الأكبر من الوضع المستجد. وحتى لو حصل الإسلاميون على تأييد أوسع من الذي حصل عليه القادة الديكتاتوريون، فإن النظام الجديد من شأنه في آخر المطاف ألا يكون أكثر ليبرالية من النظام السابق بل وأنه سوف يكون أقل حماية للاقليات والنساء. باختصار، في أعقاب بروز مظاهر الود الأولى للموجة التي لم يسبق لها مثيل من النشاط الشعبي ضد النظام، فإنه تصل في أعقاب هذه الموجة حالة من الخوف الآخذ بالتزايد من أن يتحول "الربيع العربي" إلى "شتاء اسلامي".
أوباما كقائد حرب: العراق وافغانستان
حقاً لقد فتحت نافذة، حتى وأن لم تكن متوقعها، على الدمقرطة. لكن لم يتم العثور على أي مؤشرات مماثلة تبشر بحصول تغيير ايجابي محتمل بالنسبة الأغلب مجالات اهتمام أوباما. ففي العراق تشكلت في الأرجح ظروف سمحت بالسحاب منتظم للقوات الأميركية. لقد حصلت فعلاً حوادث متكررة من العنف بين الطوائف في العراق، إلا أن الهجمات على قواعد الإئتلاف انحسرت كثيراً، كما وأن أداء الحكومة العراقية في السلطة قد دخل في حالة معينة من (  ) وإدارة الحكم الذاتي تقريباً تقوم بواجباتها في قطاع كردستان بصورة جيدة. هكذا نجح أوباما في تنفيذ التزاماته التي سبق لبوش في الواقع أن إلتزام بها (وأوباما وافق) وهي التوقف عن شن عمليات قتالية فعالة من قبل القوات الأميركية في العراق منذ شهر آب 2010 وسحب القوات نهائياً في آخر العام 2011. هذا الأمر حاز على رضى الناخبين الأميركيين الذين وافقوا على الانسحاب بأغلبية ثلاثة لواحد. إلا لأن هذا النجاح كان نتيجة لقرار من طرف واحد ولا يمكن تكراراه إذا كانت الخطوات اللازمة لتحقيقه مرتبطة بالتعاون من جانب آخرين. وهكذا لم يكن بمستطاع الولايات المتحدة ضمان التوصل إلى اتفاق حول تواجد مسمر ولا حول تقديم الاستشارات ولا التدريبات، والأخطر من هذا أنه بقيت هناك تحفظات جديدة إزاء قدرة العراق على إقامة نظام ديمقراطي مستقر وآمن أثر مغادرة الأميركيين. ثمة شكوك متزايد (  ) من حول امكانية بناء هوية وطنية عراقية شاملة أو اتفاق حول العديد من الموضوعات التي هي (  ) خلاف (مصل التقاسم المتفق عليه لعائدات النفط). توجد شكوك حول إرادة الحكومة العراقية مواصلة ممارسة سياسية لا تلحق الضرر بمصالح أميركية في أماكن أخرى في المنطقة على ضوء التقارب مع إيران والخضوع لنفوذها.
المؤشر على التوجه السياسي الاقليمي المستقبلي للعراق يمكن ملاحظة في الامتناع عن المشاركة في القرار لتجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية أو الانضمام إلى تطبيق العقوبات التي فرضت عليها.
حالة من عدم الوضوح هيمنت أيضاً على تطور الاحداث في افغانستان. وبالرغم من أن أوباما أيد العملية العسكرية في أفغانستان باعتبارها "حرب اللاخيار" (مقابل الحرب الاختيارية في العراق التي عارضها بشدة) فإن الحرب قد تطورت هناك في السنة الأولى من ولايته بالطريقة اليائسة نفسها، مع تكبد خسائر فادحة ومواجهة تحديات أكثر صعوبة من جانب الطالبان، وإحراز تقدم بطئ وغير مؤثر لجهة بناء قوات الأمن المحلية. في المقابل بادر أوباما إلى إعادة النظر من جديد في استراتيجيته، وفي النهاية اختار الحل نفسه الذي اختاره بوش في العراق وهو توسيع صلاحيات القوى المركزية السياسية وشراء الوقت حتى التسليم النهائي للمسؤولية إلى الحكومة الافغانية. هذه الاستراتيجية اثمرت عدة نتائج إيجابية: بناء الجيش الوطني الأفغاني وتأهيله قد حققا تقدماً سريعاً وحصون الطالبان انتقلت تدريجياً إلى سلطة الحكومة الائتلاف وفي عام 2011 انخفض عدد هجمات المتمردين بنسبة نحو 25%. هذه الأمور جميعاً أتاحت لاوباما البدء بسحب بعض القوات وتكرار التزامه بانهاء التدخل الحزبي في أفغانستان حتى عام 2014. إلا أنه، مثلما حصل في العراق، فإن الاستقرار الذي تحقق بواسطة التدخل المكثف لقوات المؤازرة الأمنية الدولية ISAF بقيادة الولايات المتحدة، هو استقرار محفوف بالشك بسبب العنف المنظم والمستمر من دون توقف، وبسبب الشكوك إزاء وفاة الحكومة الافغانية وقدرتها على الاستمرار في الوجود ما بعد انهاء المهام القالية لقوات المؤازرة الأمنية الدولية (وانتهاء ولاية الرئيس الأفعاني حميد قرضاي). من ناحية أخرى فإن جزءاً هاماً من التقدم قد أحرز ضمن العمليات التي استهدفت منع الطالبان من امتلاك ملاجئ خارج الحدود في باكستان ولاسيما بواسطة الهجمات بالطائرات من دون طيار. لكن بنتيجة الخسائر التي تكبدها المواطنون المدنيون بسبب هذه الهجمات (وأيضاً بسبب التهم الأميركية الموجهة إلى النفاق الافغاني لجهة التعامل مع طالبان) حصل تدهور شديد في العلاقات الأميركية الباكستانية. وبناء عليه أثيرت مخاوف من أن نقاط الضعف الأفغانية قد تستغل بعد العام 2014 من قبل باكستان من أجل الإلغاء السريع قدر الامكان لكل الانجازات التي ستبقى عندما ينتهي الوجود الأميركي في أفغانستان.
ايران نووية: خطوة إلى الوراء، خطوة ونصف إلى الأمام
إذا كان استعراض التطورات في موضوع الدمقرطة والإشكالات الحاصلة في كل من العراق وافغانستان، يؤيد ويدعم الاستنتاج بأن "الذين أدوا القسم لم يصلوا بعد إلى اتخاذ قرار" ضمن غير الممكن قول ذلك على بنود هامة أخرى مطروحة على جدول الأعمال الخاص بأوباما الخاص بالشرق الأوسط. أبرز هذه البنود، التي لها انعكاسات وتأثيرات على الأمن القومي الأميركي هو بند إيران. أوباما عاد وكرر الالتزام الذي خلفه له سلفه الرئيس بوش، وهو عدم السماح لإيران بامتلاك قدرة على صناعة سلاح فوري. إلا أن مقاربته الأولية كانت في التوصل إلى هذه الغاية بطرق متعددة. وقد قام أوباما بعدة محاولات ترضيه، وتصرف بطريقة محترمة مع الجمهورية الإسلامية، ووجه التبريكات للشعب الإيران بمناسبة السنة الجديدة بل وامتنع عن الأدلاء بأي تصريح يؤيد فيه الحركة الخضراء التي تشكلت من أجل الاحتجاج على عمليات الخداع التي حصلت في سياق إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد في منتصف العام 2009 وهي ظلت تشكل تحديات جدية للنظام. لكن عندما قوبلت "اليد المفتوحة" التي مدها أوباما في خطاب القسم الخاص به "بقبضة مغلقة" انتقل للسير على مسار عمل مختلف. فالولايات المتحدة بادرة إلى تنسيق عقوبات اقتصادية دولية ومن طرف واحد، وفرضت عقوبات اقسى من ذلك أيضاً. وأعلنت عن ضلوعها حتى في القيام بعدة خطوات تخريبية الكترونية من طريق الانترنيت طالت الأجهزة المستخدمة في المشروع النووي، بالإضافة إلى تصفية بعض العلماء الضالعين في المشروع النووي. مع ذلك لم يتمكن أوباما من تجنيد دعم دولي جارف يوصل إلى ما سمته وزيرة الخارجية كلينتون ذات مرة بأنه يؤدي على "الشلل" وذلك بالرغم من الجهود التي بذلت "لتوريط" لاعبين دوليين أساسيين مثل روسيا والصين وتركيا. وهو رفض حتى منتصف العام 2011 – ربما بسبب الانتقادات التي تزايدت من قبل بعض الجمهوريين الذين يخوضون معركة الترشح باسم حزبهم للوصول إلى الرئاسة – اتخاذ الإجراءات الاقتصادية الأكثر شدة التي دعا إليها آخرون (مثل وقف التعاطي مع البنك المركزي الإيراني) أو الإعلان عن وجود تهديد عسكري حقيقي، في حال فشل كل الإجراءات الأخرى. في اعقاب الأنشطة الآنفة الذكر واجه برنامج التسلح الإيراني عقبات وعثرات وأظهر الاقتصاد الإيراني ملامح مكابدة وإعياء حقيقية وجديدة (ارتفاع حاد في الأسعار وخفض قيمة العملة) والنظام بدأ يظهر مؤشرات واضحة من التوتر. مع ذلك لم تتوفر شواهد ملموسة تدل على أن المشروع النووي نفسه قد تم إلحاق الشلل به، ولا على بروز ملامح مؤكدة للتشويش الذي يحمل النظام على إعادة النظر بجدية في فكرة التخلي نهائياً عن هذا البرنامج.
المسار السياسي: الجبل ولد فأراً
جهود أوباما المبذولة لدفع مسيرة السلام الإسرائيلي الفلسطيني إلى الأمام لم تعط في آخر المطاف سوى ثمار قليلة، هذا إن أثمرت. التقدم على هذا المسار كان ربما العنصر الحقيقي الأهم في جدول أعماله الشرق أوسطي وبؤرة الإهتمام المركزية – وذلك على ما يبدو، بسبب الافتراض بأن مقاربة الولايات المتحدة لهذه المسألة تشكل الموضوع الأكثر إثارة القلق في علاقة الولايات المتحدة مع العالمين العربي والإسلامي وكذلك مع دول حليفة عديدة أيضاً في أوروبا، ولذلك شرع أوباما يشتغل في هذا الموضوع في اليوم الأول لرئاسته، كما وأنه مارس تدخلاً شخصياً، ولو من أجل دفع التهم التي وجهت لأسلافه بأنهم لم يعملوا سوى القليل القليل وفي وقت متأخر جداً. هذا التدخل شمل ممارسة الضغط على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لكي يتبنى مواقف لم تبتعد جوهرياً عن التفضيلات السياسية لادارات أميركية سابقة. إلا أن مطالب الإدارة الأميركية قدمت بطريقة أدت إلى إحداث احتكاك جدي بين أوباما ونتنياهو. مع ذلك قدمت تنازلات جديرة بالملاحظة من جانب نتنياهو بما في ذلك إعادة الموافقة، التي تركت اصداء إعلامية قوية في الجمهور، على المبدأ القائل إن النزاع سوف يحل على قاعدة "دولتين لشعبين" وتجميد لمدة عشرة أشهر في بناء المستوطنات. وبعد مرور تسعة أشهر على التجميد، تم "ارغام رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة محمود عباس على العودة إلى المفاوضات التي جمدت منذ نهاية العام 2008، إلا أنه بعد مرور أقل من شهر على اتصالات عقيمة وعديمة الهدف رفض عباس الاستمرار إلا إذا مدد نتنياهو فعلاً فترة التجميد ويقبل بشروط (  ) التي يقترحها الفلسطينيون وخاصة فيما يتعلق بالبعد الاقليمي. ربما لم تكن هذه الشروط مقبولة في كل حال في ائتلاف نتنياهو، واحتمالات تأييدها لم تتحسن في اعقاب عجز أوباما عن ضمان تنازلات لفظية من قبل عباس، وفي مقدمتها الإلتزام المتبادل بالصيغة الأساسية لدولتين لشعبين أو حتى خطوات بانية للثقة، ذات صفة متواضعة، من قبل دول عربية أخرى.
الولايات المتحدة واصلت ضغطها لاستئناف المفاوضات، أحياناً بنفسها وأحياناً أخرى بواسطة جهاز الرباعية الدولية. إلا أنه في منتصف العام 2011 فترة الحماس لتدخل أميركي متواصل ومكثف ضمن ما سمي مسار السلام "إذا صح القول". ليس من الواضع ما إذا كان ذلك نتيجة تقدير مدى التعقيد للأمور التي بدت في البداية بأنها بسيطة والتي على أثرها جاء احباط أوباما – بالرغم من تدخل العالم العربي والإسلامي والاستعداد للدخول في مواجهة مع إسرائيل – وذلك لأنه لم يكن قادراً أكثر من أسلافه للقيام بالتجسير فوق الفجوات في المواقف الإسرائيلية والفلسطينية وأيضاً بسبب الانشغال بالأحداث الدراماتيكية التي سميت باسم "الربيع العربي"، أو الإحساس بنوع من الحساسية المفرطة إزاء الاعتبارات السياسية الداخلية في وقت بدأت أميركا التقدم نحو الاستعداد لانتخابات العام 2012. وإذا كان التفسير هو السياسة الداخلية فقط، أو حتى بشكل أساسي، فمن المحتمل عندئذ أن يعاود أوباما، في حال إعادة انتخابه، بذل جهوده الحثيثة على هذه الجبهة عام 2013. وإذا كان التفسير هو الجمع بين كل هذه العوامل فإن سياسة الولايات المتحدة في المستقبل – سواء تحت رئاسة أوباما أو رئاسة رئيس جمهوري – من شأنها أن تكون أقل اندفاعاً وأقل انتاجاً للمبادرات. من الممكن بالتأكيد الزعم بأن تغيير السياسة انتهاج خط نشاط جديد من قبل أوباما منذ بداية سلطته كان بمثابة خطوة خاطئة لأن الفلسطينيين لم يتمكنوا من الظهور بمظهر من هم أكثر مرونة من الولايات المتحدة، وهكذا عملياً تشكل الجمود في المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. ولربما ليس هذا هو السبب الذي سرع الجمود. لقد كان هذا أمراً ورثه أوباما بسبب عدم قدرة الرئيس عباس ورئيس الحكومة أيهود أولمرت على الوصول إلى اتفاق في المفاوضات التي أجرياها، وبسبب تأجيل عباس إجراء المزيد من الاتصالات وذلك كردة فعل على عملية "الرصاص المسكوب" أواخر العام 2008. في كل الأحوال لا يمكننا أن نعرف ما إذا كانت إدارة أخرى أو مقاربة أخرى من قبل هذه الإدارة الأميركية، كان بوسعها أن تؤدي إلى إحداث تغيير حقيقي. كل ما يمكن قوله بثقة نوعاً ما هو أنه بعد مرور ثلاث سنوات من التطلع نحو اتفاق سلام إسرائيلي فلسطيني، أو على الأقل إلى شيء ما من شأنه أن يظهر وكأنه مسار سلام دائم، فلقد بقيت ثمة فجوة هائلة بين ما هو مرغوب فيه من قبل أوباما وبين الواقع القائم.
سياسة "الإلتزام" والرغبة في أن يكون محبوباً
بالرغم من كل شيء كان من الممكن توقع أن تعطي المحاولة نفسها نقاط قوة سياسية لاوباما من وجهة نظر عربية وإسلامية بالرغم من أن إدارة هذا قد أثار نقاط شك تجاهه في إسرائيل ولدى الداعمين لها في الولايات المتحدة، من اليهود وغير اليهود). غلا أنه حتى بالنسبة لهذه المسألة الأساسية بقيت هناك علامات استفهام. فنشاط الرئيس أوباما في الموضوع الإسرائيلي الفلسطيني كان جزءاً من جهد أوسع من "الالتزام" الذي كان يرمي إلى إعادة الاعتبار للولايات المتحدة وترميم سمعتها. وكان من بين عناصر هذا الإلتزام إعادة النظر من جديد في القاموس الدبلوماسي الأميركي مع تلافي التطرق إلى "الحرب ضد الإرهاب" أو حتى إلى مصطلح "إرهاب" نفسه والتخلي عن أي مصطلح ممكن أن يرمز إلى العلاقة الدينية مع العدو الموصف من جديد من جانب الولايات المتحدة- "التطرف العنيف" وهذا كله من أجل عدم المساس بالمشاعر الإسلامية. بدلاً من ذلك أكدت إدارة أوباما عن سابق تصميم على القيم والمصالح والتاريخ الإسلامي الأميركي المشترك. والناطق الأساسي بهذه اللغة الدبلوماسية الشعبية كان الرئيس نفسه، الذي نقل الرسالة شخصياً أثناء الزيارات ذات المكانة العليا لكل من عواصم بعض الدول الإسلامية ومن ضمنها أنقرة والرياض والقاهرة وجاكارتا.
السعي وراء الشعبية لم يكن بالضرورة مقصوداً بحد ذاته من قبل السياسة الخارجية الأميركية. والنظر إلى الولايات المتحدة بشكل إيجابي كان من شأنها بالتأكيد أن تفيد الدبلوماسيين الأميركيين لدى عملهم المشترك مع اندادهم في دول أخرى بشكل مريح أكثر. إلا أن الدافع الأساسي الحقيقي كان على ما يبدو توقع أن تؤدي الأجواء الطيبة إلى فد الحكومات الأجنبية إلى الاستجابة بطيبة خاطر أكثر لما تفضله الولايات المتحدة. والسؤال الذي لا جواب عليه حتى الآن هو إلى مدى يمكن "للقوة الناعمة" أن تترجم فعلاً إلى صيغ سياسية، لكن الحقيقة هي أنه في حين كانت مقاربة أوباما قد أدت فعلاً إلى إعادة تموضع الولايات المتحدة من جديد لدى العديد من الدول خارج الشرق الأوسط وخاصة في أوروبا (حيث كانت سمعة جورج دبليو بوش في الحضيض) فإنها قد فشلت بإيجاد انطباع طيب لدى من كانوا هم المستهدفين في الأساس.
وفيما يتعلق بالتداعيات الأمنية الفورية، فإن استقصاء المواقف في دول اسلامية قد أوضح بأن الأمل في أن تؤدي رئاسة أوباما إلى كبح التأييد الاجتماعي المعطى للعنف الجهادي إنما كان مجرد هراء. وبصورة عامة فإن مقاربة السياسة الأميركية للولايات المتحدة والشعب الأميركي وأوباما نفسه، تتأرجح ما بين عدم الإكتراث وحتى المواقف الكثر سلبية. واستقصاء الرأي السنوي لجامعة ميريلاند الذي نشر في شهر تشرين الأول/اكتوبر 2011 (والذي جرى في مصر والأردن ولبنان والمغرب واتحاد الإمارات العربية) قد (  ) بأن 26% من المستفتين لديهم موقف إيجابي جداً أو ايجابي بما فيه الكفاية إزاء الولايات المتحدة (مقابل 15% عام 2009). وكان لـ56% موقف غير إيجابي مطلقاً إزاء الولايات المتحدة (مقابل 84% عام 2009). إلا أن نسبة الآراء الإيجابية بشأن الرئيس أوباما قد انخفضت إلى 34% (من 39% عام 2009) وارتفعت نسبة الآراء السلبية حتى 43% (من 24% عام 2009). كما وأن 20% فقط بقوا على أمل كبير من سياسة أوباما الشرق أوسطية (مقابل 47% عام 2009). 52% كانوا فاقدي الأمل (مقابل 15% فقط عام 2009). والنتائج التي توصل إليها معهد بيو كانت أقل تشجيعاً. فضمن دراسة جرت عام 2011 في 22 دولة شرق أوسطية وفي جنوب آسيا، تبين وجود آراء غير إيجابية بشأن الولايات المتحدة على مستويات عالية: في مصر (79% مقابل 75% سجلت في السنة الماضية لإدارة بوش). في الأردن 84%، في تركيا 75%، في باكستان 75%. وما من شك في أنه يجب التعاطي مع دراسات واستقصاءات كهذه بشيء من الشك. فمشروع بيو أظهر أن 17% من المستفتين في مصر قد فضلوا بأن يقود "الأخوان المسلمون" الحكومة المقبلة في حين أن الجولة الأولى للانتخابات البرلمانية حصل "الأخوان" على أكثر من 40% من الأصوات، وبناء على دراسة أجرتها جامعة ميريلاند تبين أن نحو ثلث الناخبين سوف يؤيدون "حزباً اسلامياً" في حين أن "الأخوان" المسلمين وحزب النور السلفي الأكثر راديكالية قد كسب ضعف هذا التقدير تقريباً. لكن بالرغم من التحفظ إزاء مثل هذه الدراسات فإن أغلب الشواهد تميل إلى تأكيد الاستخلاصات بأن سياسة أوباما العربية قد فشلت مثلما فشلت محاولة إعادة تموضع الولايات المتحدة في أغلب العالمين العربي والإسلامي.
فيما يتعلق بالنظرة الخاصة إلى الولايات المتحدة يتبين بأن التفسير الأكثر معقولية لفشل أوباما، في الدول العربية على الأقل، إنما يكمن في خصوصية العلاقات القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة. وقد كشفت دراسة أجريت في جامعة ميريلاند عام 2011 أن 46% قد صوتوا على موضوع فلسطين/ إسرائيل باعتباره الموضوع الوحيد في السياسة الأميركية الذي أدى إلى خيبة املهم من سائر كل المواضيع الأخري مجتمعة (العراق، المواقف من الإسلام، افغانستان، حقوق الإنسان الدمقرطة والمساعدات الاقتصادية). أكثر من هذا أن 55% قد امتدحوا اتفاق السلام الإسرائيلي الفلسطيني و 42% اثنوا على وقف المساعدات لإسرائيل كخطوتين بارزتين بوسعهما أن تحسنا من مواقفهم ونظرتهم إلى الولايات المتحدة. هذا يعني أنه لا ينتظر من أي رئيس أميركي أن يفي بهذين المطلبين ذلك أن أي اتفاق سلام يطلب من الولايات المتحدة تحقيقه هو أبعد حتى مما توافق عليه الحكومات الغربية على الإطلاق وبالتأكيد أبعد مما توافق عليه إسرائيل. وقد اثبتت دراسة فيريلاند أن 37% من المجيبين قد ركزوا على "حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى بيوتهم" باعتباره المعضلة الأساسية في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وذلك أكثر من التركيز على قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة أو السيادة العربية على القدس الشرقية. وفي هذا الخصوص على الأقل تبرز السخرية من السعي وراء الشعبية ليس كهدف بحد ذاته بل كجزء من سياسة "القوة الناعمة": القدرة على تشجيع الآخرين على الموافقة على التفضيلات الآخرين. وهذه مفارقة لم يتمكن أوباما من حلها بأفضل مما حاول أسلافه حلها ولا بأفضل مما سيحاوله الذين سيأتون من بعده.
محدودية القوة الأميركية مع أوباما أو من دونه
أوباما بحد ذاته لم يبق ملتزماً من الناحية المبدئية بمقاربته الأساسية. كنقيض للتفرد الشديد الذي نسب بصورة جارفة، لكن مبسطة، إلى إدارة بوش (لاسيما أثناء الولاية الثانية) قد أضر بشكل كبير بسمعة أميركا في العالم. إلا أن الإدارة الأميركية ما لبثت أن استوعبت بسرعة أنه يجب أن يرفق بنسبة من البراغماتية ووسائل أخرى ومن ضمنها وسائل أخذت من رصيد ادارات أخرى لم تتهم قط بالسذاجة ولا بالتساهل. هكذا ابتكر أوباما فكرة الموجة Surge في أفغانستان ووسع نطاق استخدام الطائرات الصغيرة من دون طيار إلى ما وراء الحدود في باكستان، وصعد من مستوى الضغط على إيران ووافق على التصفيات الجسدية المحددة (وهذا يعني تطبيق عقوبة الإعدام الميداني من دون محاكمة بحق إرهابيين بارزين من ضمنهم أسامة بن لادن وأنور العوالقي وهو مواطن أميركي). وطبق خطة أمن داخلي موسعة ومحسنة أدت إلى إحباط عدة محاولات جدية من الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة. وكل واحد من هذه العناصر ليس من شأنه أن يدعم الزعم القائل بأن أي فشل في إحراز الأهداف الخارجية أو الأمنية إنما يعود إلى امتناع أوباما عن استخدام القوة.
تفسير ما حصل هو أن أوباما غير قادر على إبراز تقدم جدي في قضايا يهتم بها اهتماماً جوهرياً في الشرق الأوسط (وفي اماكن أخرى)، والأمر يعود بنسبة أقل إلى عدم الفهم الأساسي للعالم المرتكز على القوة الناعمة والعوامل الاجتماعية وإلى محدودية القوة الأميركية. الولايات المتحدة تمتلك قوة عسكرية لا يمكن لأي خصم أو عدو محتمل، أو مجموعة أعداء في الشرق الأوسط، منافستها. وهذه القوة هي كافية لالحاق الهزيمة بقوات عسكرية اقليمية وتدمير أنظمة معادية مثلما جعل في العراق وافغانستان بل وفي ليبيا. إلا أن استخدام القوة العسكرية يتوقف على وجود إرادة سياسية وهذه الإرادة تتوقف على المعطيات الشرعية التي توفرها اطراف ثالثة، وجزئياً – تتوقف على الاعتراف بأن القوة العسكرية لا تنتج الدمار وحسب وإنما البناء بكلفة معقولة. إن التجربة في العراق وافغانستان قد ضعضعت الثقة بقيام النوع الثاني من النتائج (البناء) ولذلك يوجد ثمة حماس ضئيل لخوض تجارب مماثلة ولهذا السبب لجأت الولايات المتحدة إلى "القيادة من الخلف" في ليبيا.
ما خلا القوة العسكرية التي بدأت تنكشف عن نقاط ضعف اثر الاحتياجات والضرورات الاقتصادية الضاغطة وهي في كل حال غير قابلة للتطبيق العملي في أغلب التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة، فإنه لا توجد وسائل كثيرة أخرى متوفرة في الخزانة الأميركية. التفاوض حول سلام إسرائيلي فلسطيني كان يمكن له أن يكون مداراً بصورة فعالة ومجدية من قبل الولايات المتحدة (أفضل مما بوسع أي لاعب دولي آخر أن يفعل ذلك) لو توفرت الإرادة الصلبة والسريعة لدى الطرفين من أجل الوصول إلى اتفاق سلام لكن ليست الحال كذلك. إن بناء الأمم يمكن أن يتلقى المساعدة (حتى عبر المساعدات العسكرية) فيما لو توفرت براعم من الهوية الوطنية الجامعة، لكن من المشكوك فيه أن تكون هذه هي الحال المتوفرة في العراق وافغانستان (أو اليمن أو ليبيا) بالرغم من ميل الناطقين الأميركيين إلى الخلط بين مصطلحي "أمة" و"دولة". الديمقرطة قابلة للتشجيع بواسطة مؤشرات واضحة على أن الولايات المتحدة لم تعد تدعم النظام القديم (حتى لو تم تفسير دعم القادة الأوتوقراطيين من قبل زعماء طغاة آخرين وكأن أميركا لم تعد ذاك الشريك الموثوق به)، وأيضاً من طريق الدعم التقني والمالي لبناء المؤسسات. مع ذلك فإن هذه الخطوات قد تكون لها تأثيرات ملموسة على المدى البعيد بشرط أن تتضمن الثقافة الاجتماعية – السياسية التي وراءها، استعداداً للقبول بأفكار التعددية والتسامح وسيادة الفرد، إلا أن الوضع ليس كذلك. في أحسن الأحوال يمكن ملاحظة ظهور براعم من هذا النوع من الثقافة مزروعة بشكل أساسي لدي شبان من الطبقة المتوسطة العلمانية. وهؤلاء كانوا هم أول من خرج إلى الشارع في تونس والقاهرة وقد جذبوا انتباه الجمهور في الغرب قبل أن تلقي قوى أخرى بظلها القائم عليهم، أي القوى الأكثر تجذراً في مجتمعاتها. إن براعم هذه الثقافة من شأنها أن تنمو وتتطور في اتجاه الديمقراطية الليبرالية، وفي حال حصول ذلك، فإن الأمر لن يحصل بفضل هندسة أميركية – يضعها جنود واقتصاديون وعمال اجتماعيون ومثقفون أو رؤساء – سواء كان الرئيس هو أو أوباما أو أي رئيس آخر يأتي من بعده.

2012-08-25 11:10:59 | 1897 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية