التصنيفات » دراسات

استراتيجية تطبيقية: تحديات استعمال القوة في شرق اوسط متغير*



بقلم: رون تيره

يختلف المحيط الاستراتيجي في منتصف 2012 اختلافا جوهريا عن ذاك الذي كان موجودا قبل ذلك ببضع سنوات، وقد تحتاج اسرائيل في هذا المحيط الى استعمال قوة عسكرية تختلف خصائصها عما كان في الماضي – في الغاية منها وضروراتها والمماسة العسكرية – السياسية اللازمة. وهدف هذه المقالة بحث بعض الخصائص المتميزة لاستعمال القوة في هذا المحيط الجديد.
ان أحد الموضوعات المركزية التي تقتضي تفكيرا مختلفا هو حقيقة انه في المنظومة الاستراتيجية المتعددة الأطراف التي أخذت تتشكل، قد يكون لاستعمال قوة عسكرية على عدو ما آثار سياسية واستراتيجية مهمة بالنسبة لأطراف ثالثة – بعضها عدو وبعضها حليف وبعضها "متردد". معلوم ان هذا العامل القسري كان موجودا في الماضي ايضا لكن وزنه اليوم يزداد، فقد أخذ عدد الأطراف الثالثة ذات الصلة يزداد؛ وأصبح نظام العلاقات بين اللاعبات أشد تعقيدا وبعضها أقل توقعا؛ والتأثيرات السياسية والاستراتيجية في أطراف ثالثة أصبحت احيانا تقديرا أهم من تقدير النتيجة المباشرة التي تنبع من استعمال القوة على العدو.
ويصح ذلك فيما يتعلق بنوعين من التحديات الموجودة اليوم. سيتناول الجزء الاول من المقالة تحديات استعمال القوة في سياق القضية الامنية الأشد حرجا اليوم – أعني البرنامج الذري الايراني:
1- ان هجوما محتملا على ايران هو اجراء يرمي الى التأثير في سياسة اللاعبات ذات الصلة، لا في قدرة ايران الذرية – المادية فقط. ولهذا فان البحث المحصور في قضية المدة المطلوبة لايران لاصلاح أضرار الهجوم يشهد على عدم فهم للغاية وللحراك الاستراتيجي. من المؤكد ان مجال التباحث يمكن ان يُحصر في سؤال هل يكون تأثير الهجوم في سياسة اللاعبات ذات الصلة مجديا.
2- ان هدف الهجوم هو بقدر كبير التأثير في سياسة الحليفة، الولايات المتحدة، لا في سياسة العدو فقط. ويجب ان تكون هذه الحقيقة تقديرا رئيسا يؤثر في صوغ الخطة العملياتية.
3- بازاء ذلك، قد تكون المعركة السرية للمنظمات الاستخبارية على البرنامج الذري مُضرة بدل ان تكون نافعة. وحتى لو كان للمعركة السرية تأثير في الحال نافع فيما يتعلق بقدرات ايران الذرية – المادية، فان تأثيرها في الصعيد السياسي – الاستراتيجي سلبي على الخصوص، وسنفصل اسباب ذلك بتوسع في هذه المقالة.
وسيتناول الجزء الثاني من المقالة التحديات المتعلقة باستعمال القوة في سائر جبهات الاحتكاك الرئيسة لاسرائيل ومنها غزة ولبنان:
1- ان عدم الاستقرار الداخلي في مصر والاردن والتطورات الداخلية في تركيا تجعل هذه الدول تتأرجح بمعنيين. الاول ان السياسة التي تتشكل في مصر وتركيا هي على الحد فهما يُشك في أنهما حليفتان أو عدوان محتملتان. والمعنى الثاني ان التطورات الداخلية في مصر والاردن تتأثر تأثرا سيئا نتاج استعمال اسرائيل للقوة العسكرية في ميادين غزة أو لبنان.
2- ان عملية عسكرية واسعة في غزة أو لبنان أو في ميدان محاذي آخر قد تجبي من اسرائيل ثمنا سياسيا واستراتيجيا من علاقاتها بالدول المترددة. ويُفهم من تعزز الصلات بين الميادين ان الثمن الذي ستدفعه اسرائيل من علاقاتها بمصر والاردن وتركيا قد يصبح تقديرا يغلب تقدير النتيجة العسكرية المباشرة مع العدو. وحتى لو قدّر متخذو القرارات في هذه الدول السنية أنهم قد يربحون من مواجهة اسرائيل العسكرية لجهة شيعية كحزب الله، فلن يزال يوجد اشكال من جانب الشارع العربي – السني الذي زاد وزنه، ومن جانب التورط المحتمل نتاج المس بدولة لبنان وحكومتها.
3- يعمل أعداء اسرائيل في العقود الاخيرة على الحد من حرية عملها وفاعليتها العسكرية بسبل شتى منها استعمال منظمات في داخل دول، والطمس على الحد بين المدني والعسكري وبين الحرب والتهدئة. وقد تنبع المرحلة التالية في الحد من حرية عمل اسرائيل العسكري من استغلال أعداء اسرائيل للدول المترددة: في الصعيد السياسي أو بانشاء عمليات عدائية من داخل ارضها أو بقرب ما تملكه.

الجزء الاول – التحدي الذري الايراني
حكمة الهجوم على ايران
أخذ يثور في الاشهر الاخيرة في النقاش العام زعم ان الهجوم على ايران لن يكون ناجعا لأنه سيسبب ضررا محدودا يمكن اصلاحه بالبرنامج الذري. وحصر العناية هذا في النتيجة المادية للهجوم يضيع هدفه الحقيقي وطبيعته السياسية. ان الهدف الرئيس لاستعمال القوة هو التأثير في السياسة لا إحداث ضرر مادي ما فقط كما يقول كلاوز فيتش.
ان هدف سياسة ايران هو احراز سلاح ذري. وهدف اسرائيل السياسي هو تغيير سياسة ايران. وايران مصممة على احراز قدرة ذرية ولهذا فكل مس بقدراتها الذرية – محدود أو واسع، عسكري أو سري – سيؤخر فقط تحقيق سياسة ايران مدة اعادة البناء المطلوبة. ومن هنا يجب على اسرائيل لتحقيق سياستها ان تؤثر في سياسة ايران لا في قدرتها الذرية فقط (التي يمكن اعادة بنائها). فربما يمنحنا المس بالقدرات الذرية فترة محدودة لكن نشك في ان يكون قادرا في حد ذاته على تغيير سياسة. ولا تستطيع اسرائيل ان تؤثر بنفسها وبصورة مباشرة في سياسة ايران لكن الولايات المتحدة تستطيع ذلك.
تعرض ايران نفسها على أنها قوة اقليمية بل عالمية، لكن هذا العرض يغطي على نقاط ضعف عميقة في البنية التحتية والاقتصاد والجيش. ان واحدا من كل سبعة ايرانيين لا يعرف القراءة والكتابة، والانتاج القومي يساوي انتاج الارجنتين، واشتُري جزء من الوسائل القتالية التي تملكها على الأقل في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وتلقت ايران ضربات بالغة وكادت تضحي بجيل في ثماني سنوات قتالها لجيش رئيس العراق صدام حسين – وهو الجيش الذي هزمته الولايات المتحدة في بضعة ايام. ويمكن ان نفترض ان يُهزم جيش ايران في كل مواجهة عسكرية مباشرة مع جيش غربي متقدم.
فلماذا لا تنجح الولايات المتحدة اذا في فرض ارادتها السياسية على ايران؟ ان ما يعمل في مصلحة ايران هو عدم التناسب في الجدية والاجتهاد اللذين في معاملتها هي والولايات المتحدة للبرنامج الذري. فايران ترى انه هدف ذو أهمية عليا، وهي مستعدة للمخاطرة الكبيرة ولدفع تكاليف مرتفعة لتحقيقه أو أنها على الأقل تعرض نفسها بأنها كذلك، وان ايران لتنجح في ردع أعدائها وجعل نفسها في موقع المستعدة لكل مواجهة عسكرية – وإن كان يمكن ان نفترض انها غير معنية بسبب ضعفها العميق بمواجهة عسكرية مباشرة مع الغرب، ونشك في ان تصمد لها.
لا تبدو الولايات المتحدة ذات تصميم كايران. فهي توازن بين عدد كبير من التقديرات منها ارتفاع سعر النفط ومس محتمل بالاقتصاد، والانتخابات في تشرين الثاني 2012؛ والحاجة الى حلف دولي. وهي الى ذلك ما تزال تلعق جراح العراق وافغانستان، وتحجم عن المخاطرة ودفع الأثمان. وهناك عامل آخر يعمل في غير مصلحة الولايات المتحدة وهو أنها تُرى في السنين الاخيرة غير مصممة ومحجمة عن التزامات استراتيجية بسبب طريقة مواجهتها لعدد من التحديات الاقليمية (في العراق والبحرين ولبنان وغيرها). لكن اذا نشأت ظروف تولي فيها الولايات المتحدة وايران الشأن الذري نفس الأهمية ونفس الاستعجال فيمكن ان نفترض ان تكون يد القوة العظمى الوحيدة هي العليا.
ان ايران معنية بكسب وقت لتدفع ببرنامجها الذري الى الأمام. وتريد الولايات المتحدة التهرب من اتخاذ قرارات صعبة تكاليفها وأخطارها عالية أو ان تؤجل على الأقل النقطة التي ستضطر فيها الى اتخاذ قرارات كهذه، ولهذا فانها تُمكّن الزمن من المرور من غير توصل الى لحظة الامتحان لاستعدادها لتحقيق سياستها المعلنة.
ان اسرائيل ايضا تحجم في هذه المرحلة عن الأثمان التي ستدفعها الى خادمات ايران والى المجتمع الدولي اذا عملت وحدها على مواجهة البرنامج الذري، ولهذا فانها لا تتعجل في هذه الاثناء مجيء لحظة الحقيقة. والى ذلك فان عددا من الخطوات التي تستعملها الولايات المتحدة – تتابع زيارات المسؤولين الكبار لاسرائيل، واللقاءات مع ايران والعقوبات وتحريك القوات في الخليج – لا ترمي الى التأثير في ايران بل الى ان تُمكّن من ان تدع اسرائيل الزمن يمضي. وهكذا تنشأ نقطة التوازن الأساسية للمنظومة السياسية – الاستراتيجية: فالأطراف الثلاثة تُمكّن الزمن من ان يمضي.
لكن يوجد خطر ان تكون ايران وادارة اوباما تتقاسمان نقطة توازن استراتيجية اخرى. ان نقطة التوازن الاولى هي انه قد يكون لايران والولايات المتحدة مصلحة مشتركة في احداث شعور بأن التهديد الذري ليس فوريا وانه لم يُستنفد بعد الحوار الدبلوماسي الذي هو سبب بالنسبة اليهما لمد الوقت. والنقطة الثانية انه قد تكون لايران والولايات المتحدة مصلحة مشتركة في احداث وَهْم عدم الجدوى من عملية عسكرية بسبب كون البرنامج الذري فضلة وبسبب رد ايران المتوقع. والنقطة الثالثة وهي الأهم – انه يوجد خطر ان تنشأ مصلحة مشتركة بين ايران والولايات المتحدة في القفز الكمي من مرحلة "يوجد زمن آخر للدبلوماسية" الى مرحلة "أصبحت العملية العسكرية متأخرة جدا"، من غير مرور بمرحلة تغير فيها عملية عسكرية فقط سياسة ايران.
ان نقاط التوازن هذه غير محتملة بالنسبة لاسرائيل ويجب عليها ان تتعجل احداث لحظة الحقيقة الاستراتيجية التي تضع فيها جميع الأطراف على المائدة أوراق لعبها التي لا يوجد لها سواها. والمعطى الجديد الذي قد يُخل بنقاط التوازن هو استعداد اسرائيل لأن تدفع فورا الأثمان وتخاطر المخاطرة المطلوبة من اجل تحقيق سياستها. ان وضعا جديدا كهذا يفترض ان يفرض تغييرا للمعطيات وحسابات التكاليف والأخطار عند رأسي المثلث الآخرين. لهذا لن يكون هدف عمل عسكري اسرائيلي احراز مس ما بممتلكات البرنامج الذري بل مقاومة نقاط التوازن السياسية – الاستراتيجية القائمة واحداث واقع سياسي – استراتيجي مختلف تقف فيه رغبة ايران في احراز سلاح ذري في امتحان لحظة الحقيقة في وقت يصبح فيه الأطراف الثلاثة ملزمين بالامتحان فورا وبقدر متساوٍ.
قد لا يكون حيويا من اجل التأثير في الاعتبارات السياسية للأطراف ان يوجه الاجراء العسكري الاسرائيلي على البرنامج الذري وقد يوجه على أهداف نوعية اخرى في ايران. فليس الانجاز المطلوب هو اصابة هذا العدد أو ذاك من آلات الطرد المركزي، بل الاستمرار زمنا ما في عمل عسكري على ايران الى ان يتم احراز الهدف. ويُطلب الى الجيش الاسرائيلي ان يحافظ على قوته في اثناء الهجمات كي تستطيع اسرائيل ان تنقل بصورة صادقة الرسالة السياسية التي تقول انها لن تُسلم ببساطة لنقاط التوازن القديمة وانها تستطيع الدوام على استراتيجية عسكرية ملائمة زمنا طويلا بقدر الحاجة، وعلى ذلك، وفي هذه الحالة المعينة، فان مبدأ حفظ القوة المهاجمة وتأمينها أهم من تركيب أهداف الهجوم. ان الهجوم على أهداف ما والذي يعني ضعفا كبيرا للقوة المهاجمة سيضر بالقدرة على الدوام زمنا طويلا على الاستراتيجية العسكرية المطلوبة، وبهذا قد تتضرر قدرة القوة العسكرية على دعم السياسة وتحقيقها. فيجب ان يكون مبنى القوى والنظرية التنفيذية موجهين في الأساس الى تطوير طول نفس عملياتي.

المعركة السرية – ضرر أكبر من الفائدة
على حسب أنباء منشورة مختلفة في وسائل الاعلام، تُدير المنظمات الاستخبارية الغربية معركة سرية للتشويش على برنامج ايران الذري. وبحسب هذه الأنباء المنشورة تشتمل تلك المعركة على اصابة اشخاص وتخريب معدات وهجمات سايبر. لكن، وبحسب الحكمة الاستراتيجية التي عُرضت آنفا، قد يكون ضرر هذه المعركة السرية أكبر من نفعها. أي أننا اذا قبلنا التعليل الذي يرى أننا نريد تحريك نقاط التوازن السياسية – الاستراتيجية في مثلث ايران – الولايات المتحدة – اسرائيل وتغيير توجه اللاعبات لاطالة الوقت والمخاطرة والتكاليف، فهذا هو المعيار الذي ينبغي بحسبه الفحص عن فاعلية المعركة السرية. ان المعركة السرية هي سبيل تقل فيها المخاطرة نسبيا؛ وفيها غموض يتعلق بالمسؤولية عن العمليات وبسؤال هل أحداث ما هي نتيجة عملية موجهة أم أنها حدثت بسبب عطل أو حادثة؛ ويمكن انكار العمليات بذلك؛ وان الكلفة التي يدفعها مستخدم المعركة السرية أقل اذا ما قيست بالبديل العسكري الظاهر (القصد بالطبع الى التكاليف والأخطار من جهة الدولة المرسلة لا الوحدة المنفذة التي قد تكون مخاطرتها مرتفعة بيقين). ولهذا فان المعركة السرية هي وبقدر كبير ملاذ من يحجم عن المخاطرة.
ان الرسالة الأساسية التي ينقلها لاعب يختار المعركة السرية – حينما تكون نهج عمله الرئيس – هي انه يخشى مواجهة عسكرية ظاهرة ومباشرة مع التكاليف والأخطار التي تصاحبها، وهكذا ينشأ حراك استراتيجي سلبي ينبع من غرابة نظر الطرفين العدوين للمخاطرة. ان ايران تعرض نفسها للخارج على أنها لاعبة صارمة تحب المخاطرة. وتختار اسرائيل والولايات المتحدة الوسائل التي تحدد المخاطرة كالمعركة السرية والسايبر والعقوبات والتفاوض الدبلوماسي، ولهذا تُريان لاعبتين تحجمان عن المخاطرة وتريدان الحد من التعرض للثمن الذي ستدفعانه.
حينما يتم تصوير ايران بأنها مصممة ومستعدة للمخاطرة، تنكص اسرائيل والولايات المتحدة من غير ان يُطلب الى أحد الأطراف الكشف عن أوراق لعبه. ويحدد الفائز في كل جولة بحقيقة عدم استعداد الولايات المتحدة واسرائيل للمقارنة بين مقدار المقامرة لا بقوة أوراق اللعب. وفي الحقيقة فان ايران غير معنية بمواجهة عسكرية مباشرة، ويبدو أنها ستُهزم في وضع تكشف فيه الأطراف الثلاثة عن أوراق لعبها كلها وتضعها على المائدة. لكنه يمكن ايران في الحراك الذي نشأ ان تتبنى استراتيجية تقوم على الايحاء بالقوة برغم أنها غير معززة بقدرات حقيقية، وعلى افتراض ان الولايات المتحدة واسرائيل ستكونان أول منكمشتين.
ان الشاذ الذي يمكن ان نستدل به على القاعدة هو الحالات النادرة التي أوحت عدوات ايران فيها بالتصميم واستلت أوراق لعبها وأظهرت الصدق في استعدادها للمخاطرة، وآنذاك نكصت ايران. ومن الامثلة على ذلك انكماش ايران في كانون الثاني 2012 بعد ان هددت باغلاق مضيق هرمز اذا أعادت الولايات المتحدة سفنها الى الخليج.
كلما تقدمت المعركة السرية ووقعت أحداث غامضة اخرى، تبين بالتدريج ان سلوك الولايات المتحدة واسرائيل متسق محدود في مخاطرته. وهذا السلوك المتسق يُسهل على ايران صوغ استراتيجيتها. فلاعب البوكر الذي يعرف سقف مقامرة خصمه يستطيع دائما ان يدفعه الى الانكماش برفع المقامرة فوق سقف مقامرة خصمه. وتحت غطاء هذه الديناميكية تم تجاوز كل الخطوط الحمراء تقريبا التي حددتها اسرائيل والغرب في السنين الاخيرة، واستُعملت المنشآت الذرية وتم تخصيب اليورانيوم بكميات كبيرة في حين ان القوة الحقيقية للأطراف لم تُمتحن في امتحان الحقيقة قط.
وعلى ذلك فان المعركة السرية، في امتحان النتيجة لا تنجح في تحريك نقاط التوازن في مثلث ايران – الولايات المتحدة – اسرائيل، ولا تغير ايران سياستها برغم الاضرار المادية. وكل ضرر سري بالبرنامج الذري (اذا وقع حقا) يوجب على ايران ان تصلح اضرار الاصابة أو ان تكيف نفسها وتنفذ مداورة تكتيكية ما لكنها تعود آخر الامر الى طريقها الاستراتيجي ومطامحها الذرية.
والى ذلك فان المعركة السرية تبث في المستوى السياسي في اسرائيل والولايات المتحدة شعورا مسكنا يقول "نحن نفعل شيئا ما"، وبذلك تُسوغ في ظاهر الامر تأجيل لحظة الحقيقة وحقيقة أننا لا نُسوف. ولهذا السبب ايضا تحافظ المعركة السرية على نقطة التوازن الأساسية القائمة بدل ان تتحداها.
ولهذا لا تستطيع اسرائيل من اجل تحقيق أهدافها ان تستمر في العمل باسلوب أحد مبادئه الأساسية هو الحرص على ادارة مخاطرات منخفضة موزونة. يجب على اسرائيل ان تؤدي بالأطراف الثلاثة الى نقطة تكون حواصل مقامرتها فيها غير محدودة تقريبا ولا تنكمش أية لاعبة فيها بل يجب على الجميع الكشف عن أوراق لعبهم. وتستطيع اسرائيل احراز ذلك اذا بادرت الى رفع مستوى المخاطرة في اللعبة ودامت على ذلك زمنا طويلا. ان الثمن والمخاطرة هما بطاقة دخول اللعبة الاستراتيجية؛ والاستعداد لدفع الثمن والمخاطرة هو الاستراتيجية لضعضعة نقاط التوازن القائمة، والدوام الطويل على ظروف مخاطرة ودفع ثمن هو فكرة المعركة.
ان المعركة السرية اذا ليست هي الطريق الى تأدية اللعبة الى لحظة الحقيقة بل هي نهج يتعلم العدو منه انه لا يجب ان يخشى من اجراءات شديدة المخاطرة تتعدى مدى الأثمان التي قد أخذها في حسابه. وعلى ذلك يستطيع العدو برغم الاضرار المادي – التكتيكي بممتلكاته، الاستمرار في التقدم نحو أهدافه في المستويين السياسي والاستراتيجي.

مهاجمة استراتيجية العدو
ان توسيع مدى النقاش والفحص عن الحاجة الى مهاجمة استراتيجية ايران يكشفان عن تقديرات اخرى تؤيد الهجوم العسكري وتعارض المعركة السرية. ان الاستراتيجية الناجحة هي التي تضع أمام العدو معضلات، حينما تكون كل طريقة يختارها العدو تمنحنا تفوقا. وعلى ذلك فان هجوم اسرائيل العسكري سيضع أمام ايران عددا من المعضلات الاستراتيجية:
• هل يجب على ايران ان ترد ردا واسعا ايضا على مصالح امريكية أم عليها ان تحدد ردها ليكون على اسرائيل وان تحاول ألا تُشرك الولايات المتحدة.
• هل يجب على ايران ان تستمر في الالتزام بالاستراتيجية الحالية والناجعة وهي توسيع القدرات والبقاء عند الحد الذري، أم يجب عليها ان تنطلق الى الأمام الى تطوير سلاح ذري.
فيما يتعلق بالمعضلة الاولى: اذا ردت ايران على مصالح حيوية للولايات المتحدة ايضا (بعملية في مضيق هرمز مثلا) فستُقرب بيديها لحظة الحقيقة للعبة الاستراتيجية؛ وفي المقابل اذا حددت ايران ردها ليكون على اسرائيل في الأساس وحصرت عنايتها في استعمال حزب الله فسيكون لاسرائيل الميزة بأن يكون هدف جولة المواجهة العسكرية القادمة مع حزب الله، الاستراتيجي مناسبا. يجب على اسرائيل ان تفترض أنها ستحارب حزب الله مرة اخرى إن عاجلا أو آجلا، ويُفضل ان تكون الجولة التالية بسبب برنامج ايران الذري لا بسبب ظروف ليست فيها فائدة لاسرائيل كازمة لبنانية داخلية، أو حساب خطأ أو واقعة كالحادثة الحدودية التي أفضت الى حرب لبنان الثانية.
نقول بالمناسبة ان هجوم اسرائيل على ايران سيضع معضلات شديدة أمام حزب الله ايضا لأن المنظمة ستضطر الى ان تبت أمرها هل تعمل مثل ذراع لايران وتورط لبنان في حرب كثيرة الاضرار بسبب شأن لا يتصل بمصالح لبنان القومية. وعلى كل حال سيكشف رد ايران عن حدود قوتها، ولايران اليوم قدرة ردع أكبر من ان تحاول تحقيق تهديداتها.
وفيما يتعلق بالمعضلة الثانية – اذا انطلقت ايران ردا على الهجوم الى الأمام لتطوير سلاح ذري فانها ستساعد مرة اخرى على تحقيق استراتيجية اسرائيل وهي السعي الى لحظة الحقيقة. واذا استمرت ايران في الالتزام بالاستراتيجية الحالية وهي توسيع البنى التحتية والبقاء على الحد الذري، مع قدرات أقل نتيجة الهجوم، فستقوي زعم اسرائيل على الولايات المتحدة الذي يقول انه يمكن حتى الآن اعادة عجلة البرنامج الذري الى الوراء بوسائل عنيفة.
وعلى ذلك فان الهجوم العسكري الظاهر فقط – لا المعركة السرية – يشكل ايضا هجوما على استراتيجية ايران.

الجزء الثاني – استعمال القوة في حلبات الاحتكاك الرئيسة
الدول المتذبذبة
كانت ثلاث دول رئيسة – تركيا ومصر والاردن – شريكات لاسرائيل وأسهمت اسهاما كبيرا في حرية عملها الاستراتيجي. وتحدث في هذه الدول الثلاث تحولات مهمة، وبسبب أهميتها الكبيرة لاسرائيل فهناك حاجة الى البحث فيها قبل البحث في شأن أعداء اسرائيل.
كان الجيش التركي (الذي كان على الأقل علمانيا) كان اللاعب الرئيس في سياسة تركيا، وقد كان يرى اسرائيل طوال سنين كثيرة شريكة في مواجهة القومية العربية، وروسيا / الاتحاد السوفييتي، وسوريا والعراق وايران ومحاربة المنظمات التي ليست دولا. وقد تم التعبير عن هذا التوجه بتنسيق عسكري واستخباري وثيق وبخاصة منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين. وأعطى الدعم السياسي من قوة اقليمية مسلمة لاسرائيل حرية عمل ناجعة.
لكن في انتخابات 2002 نضج تحول في السياسة التركية، وبدأ مسار تنحية تدريجية للجيش عن مراكز القوة في الدولة مع جعله أقل علمانية. فقد أحدث رجب طيب اردوغان، رئيس وزراء تركيا، تغييرا في سياسة تركيا نحو الولايات المتحدة واوروبا واسرائيل. وأظهرت حرب لبنان الثانية نُذر احتكاك بين اسرائيل وتركيا، وأعطت عملية "الرصاص المصبوب" اردوغان فرصة المبادرة الى ازمة، وأفضت القافلة البحرية الى غزة التي نظمتها منظمة "آي.اتش.اتش" التركية الى مقاطعة عميقة. وهناك نقطة احتكاك اخرى لا تحظى باهتمام كامل وهي حقول الغاز في شرق البحر المتوسط. فقد تم تقسيم حقول الغاز هذه باتفاق بين اسرائيل وقبرص اليونانية التي لا تعترف تركيا بها. ولا تعترف تركيا ولبنان باتفاق تقسيم حقول الغاز.
ليست تركيا عدو اسرائيل ولا ينبغي معاملتها كذلك. لكن لسياسة تركيا المتشكلة عدة آثار. الاول وفي هذه المرحلة ان تركيا لم تعد شريكة اسرائيل في توازن قوى اقليمي، بالعكس، فهي تطمح الى تضييق خطوات اسرائيل وتطلب احداث ازمات معها. والثاني ان تركيا تعمق دخولها السياسي والدبلوماسي الى العالم العربي وتريد ان تجعل نفسها راعية اقليمية. والثالث ان تركيا تزيد في وجودها المادي في الساحة ويشمل ذلك وجود أملاك عسكرية. وتزيد هذه التطورات في احتمال الاحتكاك بين الدولتين، وتصبح جزءا من جملة التقديرات السياسية والاستراتيجية والعملياتية لاسرائيل.
يصعب ان نُقدر في أي ظروف قد يتدهور الاحتكاك بين تركيا واسرائيل وكم يمكن ان يكون بعيد المدى. وعلى اسرائيل ان تطمح الى منع تدهور مع دولة عضو في حلف شمال الاطلسي. لكن توجد ظروف قد تزيد في خطر التدهور. فاذا خرج الجيش الاسرائيلي لمعركة واسعة في غزة أو لبنان أو في ساحة محاذية اخرى فقد تحاول تركيا تحقيق سعيها الى زعامة اقليمية بواسطة دعم حليفات عربيات. وقد يتم تضييق حرية عمل اسرائيل بوسائل سياسية لكن ينبغي ألا نُخرج من جملة الاحتمال وجودا ماديا ما في الساحة. فقد تتعجل تركيا مثلا تقديم مساعدة انسانية الى حلبة القتال وقد يُحرس نقل المساعدة عسكريا. وان حصارا جويا أو بحريا اذا ضُرب قد يصبح نقطة احتكاك بين اسرائيل وتركيا، وينبغي ان نزن جيدا هل تزيد تعقيدات الحصار على مزاياه أم لا. ان وجود تركيا المادي في الساحة في حد ذاته قد يحدث معضلات عملياتية غير بسيطة.
ان مصر هي الدولة العربية الأهم، وكان الجيش المصري الى اتفاق السلام معها هو التحدي الرئيس في كل واحدة من حروب اسرائيل. في العقود الاولى بعد اتفاق السلام بين الدولتين كان يوجد واقع استراتيجي ثنائي. فمن جهة تمتعت اسرائيل بحرية عمل محسنة عالمة ان الحدود مع مصر هي حدود سلام. وحتى في ازمات كحرب لبنان الاولى والانتفاضة الاولى، كانت اسرائيل متحررة من خشية فتح جبهة اخرى في الجنوب. ومن الجهة الاخرى فان مصر في ذلك الوقت بقيت عدوا سياسيا وعملت على مواجهة اسرائيل في موضوعات مختلفة مثل ميثاق منع نشر السلاح الذري، ومحاولات حرف الهجرة من الاتحاد السوفييتي الى الولايات المتحدة، وفي القضايا السياسية الاقليمية وفي نوادٍ دبلوماسية دولية بالطبع. وبحسب مفاهيم مصر فانها عملت "على اعادة اسرائيل الى حجمها الطبيعي".
تحولت مصر في العقد الاول من القرن الواحد والعشرين في الحقيقة بالتدريج لتصبح شريكة اسرائيل الاستراتيجية في مواجهة ايران وفروعها في العالم العربي. وحل محل خط الاحتكاك الاسرائيلي – العربي خط احتكاك اسرائيل والسنيين مع الشيعة (وصنائعهم وفريق منهم من السنيين). ووسع هذا التحول في سياسة مصر حرية اسرائيل وعززها من جهة استراتيجية. وتم التعبير عن ذلك تعبيرا واضحا بالتأييد المتبادل الاقليمي والدولي الذي منحته مصر لاسرائيل في حرب لبنان الثانية وعملية "الرصاص المصبوب".
في شباط 2011 حدث تحول آخر – الى اسوأ هذه المرة – حينما نُحي رئيس مصر حسني مبارك، وسارت مصر في طريق يقوي الحركات الاسلامية على حساب المؤسسة العسكرية القديمة، وبقي سؤال الى أين تتجه مصر مفتوحا، ومن المؤكد انه ينبغي ألا تُعامَل مصر معاملة العدو. ومع ذلك فان للتطورات الداخلية في مصر عدة تأثيرات. الاول انه كلما قويت منزلة الحركات الاسلامية تضعضعت مكانة مصر باعتبارها حليفة قوية لاسرائيل في مواجهة أعداء مشتركين، ولا يجوز ان نفترض ان تدعم مصر في المستقبل عمليات عسكرية لاسرائيل كما فعلت في السنين الاخيرة. والثاني ان خروج اسرائيل في عملية عسكرية واسعة (في غزة مثلا) قد يكون عاملا مبلورا في السياسة المصرية الداخلية يقوي التيارات المعارضة للسلام مع اسرائيل.
ينبغي ان نذكر ان لحماس علاقات تاريخية وشخصية عميقة بالاخوان المسلمين في مصر وهما حركتان شقيقتان بقدر كبير. وفي الحقيقة انه بسبب تنحية مبارك والازمة في العلاقة بين حماس وايران بشأن تأييد رئيس سوريا بشار الاسد يلوح توجه تعمل حماس بحسبه على اضعاف صلتها بايران واستبدال صلة بالاخوان المسلمين المصريين بها. وقد يحل محل المنظومة التي كانت تقف اسرائيل ومبارك فيها في مواجهة ايران وحماس محور تقوم فيه حماس والاخوان المسلمون المصريون في مواجهة اسرائيل. وينبغي ان نتذكر كذلك ان منزلة الشارع المصري تختلف عما كانت في الماضي وانه حتى لو سلّم متخذو القرارات في مصر بخطوات عسكرية ما لاسرائيل، فان الرأي العام المصري قد يعارضها. وهذه المجريات تُحدث صلة مباشرة بين استعمال اسرائيل للقوة العسكرية - ولا سيما في مواجهة حماس- وبين الحراك المصري الداخلي وعلاقة اسرائيل بمصر، وهذا الشيء يحد بالطبع من حرية عمل اسرائيل.
توجد بين اسرائيل والأسرة المالكة الاردنية منذ سنين علاقات تكافل. فالأسرة الهاشمية تعاني ضعفا عميقا لأنها تسيطر على أكثرية فلسطينية. هذا الى ان الاردن يقع على مفترق طرق بين قوى أقوى منه هي سوريا ومصر والعراق. وبازاء هذا الضعف منحت اسرائيل العائلة الهاشمية مظلة حماية بأن قالت ان تهديد الأسرة المالكة الاردنية لا تقبله اسرائيل. وقد امتُحن ذلك امتحانا ناجحا بضع مرات ولا سيما في 1970. وفي وجه قطعة النقد الثاني، وجدت اسرائيل في الأسرة الهاشمية شريكة في صعيدين مهمين الاول ان المملكة الهاشمية أصبحت في واقع الامر منطقة خالية من القوى المعادية ومُنع على نحو عام الاستعمال المعادي لارضها وحدودها الطويلة مع اسرائيل. ان عمق اسرائيل الاستراتيجي يمتد بمعان ما الى شرقي الاردن. والصعيد الثاني هو انه نشأت شراكة اسرائيلية هاشمية محدودة متعلقة بالسياق في الحقيقة لاحتواء المطامح القومية للفلسطينيين وحرفها الى مسارات تقلل تهديد اسرائيل والمملكة الهاشمية.
كان الاردن في الحقيقة أضعف من ان يغلق ارضه اغلاقا محكما في وجه عمليات ارهابية وقوات مُرسلة موجهة على اسرائيل، بل اضطر بسبب ضعفه الى الاشتراك في أحلاف عربية على اسرائيل. لكنه وفى بنصيبه من الصفقة التكافلية في أكثر الاوقات وأكثر الموضوعات. ويستحق الذكر الانذار الذي قدمه الحسين ملك الاردن لاسرائيل من نية العرب بدء حرب يوم الغفران. ولم يكن اتفاق السلام الذي وقع بين اسرائيل والاردن في سنة 1994 سوى اعلان رمزي بواقع استراتيجي كان موجودا أصلا مدة عقود.
ان البيت الهاشمي يواجه اليوم تهديدات معقدة تأتي من عدة اتجاهات ومستقبله غامض. التهديد الاول هو الغليان الداخلي في الاردن الذي بلغ الى مرحلة أصبحت تُسمع فيها علنا اصوات تتحدى شرعية الملك. والتهديد الثاني هو القبائل البدوية التي كانت الدعامة الرئيسة للأسرة المالكة وأخذت تشارك في الغليان الموجه على الملك. والتهديد الثالث هو ان انسحاب الولايات المتحدة من العراق أخلى مكانا لتأثير ايران في الجزيرة الفراتية، ووصلت ايران الى باب الاردن الخلفي. وقد تكون المسألة مسألة وقت فقط حتى تبدأ ايران التدخل في الاردن. والتهديد الرابع هو ان البيت الهاشمي فقد الدعم الذي كان مبارك يمنحه له، ويُشك في ان يدعمه الاخوان المسلمون في مصر في مواجهة غليان اسلامي. والتهديد الخامس هو انه اذا انحلت سوريا أو تغيرت فلا يمكن ان نعلم ماذا سيكون تأثير ذلك في الاردن.
لتحديات الأسرة المالكة الاردنية ونقاط ضعفها التي أخذت تقوى معنيان رئيسان فيما يتعلق باستعمال اسرائيل للقوة العسكرية. الاول – وضع تقوم فيه اسرائيل بعملية عسكرية واسعة في ميدان ما في حين يتولى سفير اسرائيل العمل في عمان وينظر الملك فيما يجري من غير ان يفعل شيئا، وقد يصبح هذا تحديا داخليا اردنيا غير سهل على الأسرة الهاشمية. وسيكون التحدي أكثر تعقيدا من تحدي عملية "السور الواقي" أو عملية "الرصاص المصبوب". والمعنى الثاني انه اذا سقطت الأسرة المالكة الهاشمية لسبب ما فستخسر اسرائيل ذخرا مهما أسهم اسهاما كبيرا في أمنها وقوتها الاستراتيجيين. ان أطول حدود اسرائيل قد تغير طبيعتها ومن هنا أخذت حرية عمل اسرائيل تضيق فيما يتعلق ايضا بالمملكة الهاشمية.

معركة عسكرية واسعة مع وجود الدول المتذبذبة
ان احتمال الربح الاستراتيجي – السياسي من معركة واسعة في واحد من ميادين المواجهة العسكرية الرئيسة محدود وأمثلة ذلك جنوب لبنان وغزة.
ان منظومة صواريخ حزب الله تتمتع بأفضلية عظيمة فهي منتشرة في عمق لم يسبق له مثيل، وهي بحسب أنباء منشورة في وسائل الاعلام مُذوبة بين السكان المدنيين في نحو من 160 منطقة مدنية. ان الانتصار على حزب الله بمعنى سلبه قدرته على العمل على مواجهة اسرائيل بسلاح مائل المسار، ليس عمليا في زمان وكلفة معقولين. والى ذلك فانه سيصعب على أية معركة عسكرية ان تحل المشكلات الأساسية السياسية للبنان، أعني كونها منظومة طائفية من غير اتساق دولة؛ وادارة مركزية ضعيفة يصعب عليها ان تُغلب سلطتها على ارضها. يمكن المس بحزب الله والاضرار به والتأثير زمنا ما في سلوكه لكن يصعب ان نتخيل معركة عسكرية ينشأ على أثرها واقع سياسي أساسي مختلف في لبنان يكون أفضل بالنسبة لاسرائيل. وتستطيع اسرائيل اذا اتجهت الى صوغ معركة في لبنان ان تحاول الاختيار بين معركة واسعة يدفع فيها الطرفان أثمانا باهظة وبين معركة محدودة تكون أثمانها بالنسبة للطرفين محدودة، لكن تكون النتيجة السياسية القصوى مشابهة كما يبدو للوضع القائم ومحدودة على كل حال.
بخلاف حزب الله يمكن ان تُسلب حماس قدرة العمل الصاروخي على اسرائيل، لكن ذلك مقرون بالسيطرة على قطاع غزة وتطهيره. واذا احتل الجيش الاسرائيلي القطاع فستنشأ مشكلة ماذا نفعل بغزة فيما يلي ذلك. وأهم من ذلك انه يصعب حل مشكلات غزة الأساسية بمعركة عسكرية لأنه يوجد اجتماع مزدحم لسكان فلسطينيين يعانون من قلة التطور البشري والمدني والاقتصادي، وهم ذوو ثقافة متطرفة وكل ذلك في مجاورة جغرافية لقلب اسرائيل. قد يكون الانجاز العسكري المحتمل في غزة أفضل من ذاك المتوقع في لبنان، لكن يصعب في هذا الشأن ايضا ان نرسم "وضع نهاية" سياسيا يجسد واقعا مستقرا متصلا أفضل لاسرائيل.
ينبغي ان يُفحص عن الانجازات السياسية – الاستراتيجية المتواضعة التي يمكن احرازها في معركة عسكرية واسعة في غزة أو في لبنان بحسب احتمال التورط في العلاقات السياسية – الاستراتيجية بالدول المتذبذبة (تركيا ومصر والاردن). فلو ان الانجاز المتوقع من مواجهة العدو يكون مهما فلربما كان من الجيد ان ندفع ثمن تدهور العلاقات بالدول المتذبذبة. لكن يجب علينا ان نفحص جيدا هل هناك داع للمخاطرة بضعضعة العلاقات بالدول المتذبذبة التي ربما نسبب لها زعزعات داخلية من اجل ان نحرز انجازا محدودا عابرا فقط في مواجهة العدو.
ان تغير العالم العربي يُقدم ايضا سياقا جديدا لتحدي الضرر المحيطي، أي الاضرار العرضي بالمدنيين. لم تعد هذه قضية اعلامية أو قانونية أو قضية مقرونة بعلاقات اسرائيل بمنظمات دولية. فازدياد وزن الرأي العام في تقديرات متخذي القرارات العرب يعني احتمال ضغوط فاعلة عليهم حينما يقع ضرر محيطي. وفي الواقع المتشكل يوجد معنى ايضا لشرعية ما من قبل الشارع العربي، وهذا سقف أعلى بكثير يصعب على استعمال اسرائيل للقوة العسكرية ان يثبت له اذا كان ذلك ممكنا أصلا.
ان احدى المشكلات المركزية هي بالطبع ان اسرائيل ليست العامل الوحيد الذي يقرر هل يُجري مواجهة عنيفة أم يمتنع عنها، فأعداؤها يتخذون قرارات في هذا الشأن ايضا. وكلما تضاءلت حرية عمل اسرائيل اتسعت حرية عمل أعدائها في ظاهر الامر على الأقل. ان تقدير حرية عمل حزب الله في المحيط المتغير سؤال معقد لأنه مشتق من موقف ايران وتقديراتها ومن التطورات الداخلية في سوريا ومن العلاقات بين الطوائف في لبنان ومن عمل المحكمة الدولية في شأن مقتل الحريري وغير ذلك. ومع ذلك فان تشابك هذه المصالح المعقدة لحزب الله قد يُحدث عنده في ظروف ما باعثا على تصعيد متعمد مع اسرائيل.
ليس تحليل حرية عمل حماس ايضا سهلا، فالمنظمة تواجه عوامل قسرية مختلفة، وينبغي ان نأخذ في حسابنا بتقدير اتجاهات عمل حماس المحتملة تغير الواقع وفيه زيادة وزن الحركات الاسلامية في مصر، وضعف محور القدس – القاهرة والازمة في العلاقة بين ايران وحماس، وتضعضع الحكم المصري في سيناء. ان لحماس أو لتيارات فيها على الأقل صلات الآن مع طهران والقاهرة وأنقرة. وللتقارب الذي يزداد بين الاخوان المسلمين المصريين وحماس جانبان: فمن جهة فان العوامل القسرية التي تضغط على القيادة المصرية قد تكون عاملا يكبح حماس (وهذه هي وجهة الاحداث في الاشهر الاخيرة). وان قوة مزايا الدولة لحماس في غزة تشكل عامل كبح. ومن جهة اخرى فان التقارب بين حماس ومصر قد يُحدث عند حماس شعورا باتساع حرية العمل على مواجهة اسرائيل. وقد تطلب حماس في مرحلة ما ان تتحدى ما بقي من علاقة بين اسرائيل ومصر بجر اسرائيل الى عملية عسكرية واسعة في غزة. وبعكس سلوكها في الاشهر الاخيرة قد تستعمل منظومتها الصاروخية في نطاق وخصائص لا تترك لحكومة اسرائيل مناصا تقريبا سوى الخروج في عملية واسعة في القطاع. وفي هذه الحال ينبغي ان نفهم الشرك السياسي الذي تبثه حماس وان نجهد في الامتناع عنه قدر المستطاع.
ان ادراك ان الثمرات السياسية الاستراتيجية الممكنة لعملية في غزة أو في لبنان قد تكون ضئيلة وان الكلفة واحتمال التعقد للعلاقات بالدول المتذبذبة قد تفضي بالمخطِّط العسكري الاسرائيلي الى عدة استنتاجات. الاول انه ينبغي في الظروف القائمة اليوم الامتناع قدر المستطاع عن خروج لمعارك واسعة قد يحدث فيها ضرر محيطي كبير، حينما تقع حادثة عنيفة أو يتم تقدير مخطوء. وينبغي الطموح الى استعمال القوة بصورة تُمكّن من خروج سريع من دائرة العنف وتمنع تصعيدا غير مرغوب فيه. والاستنتاج الثاني – في حالة اختار العدو التصعيد على عمد وقد تكون معركة واسعة محتومة، فانه ينبغي توسيع النظرة والفحص عن التأثير السياسي الاستراتيجي للخطة العسكرية في المنطقة كلها وفي ضمن ذلك الرأي العام في الدول المتذبذبة.
هذه بالضبط هي الظروف التي كان يجب على الجيش الاسرائيلي فيها ان يفحص عن خطط لحالة دفاعية. والمشكلة انه في ازاء نموذج حرب حزب الله وحماس الحالي يُحتاج الى توضيح سؤال ما هو جوهر الوضع الدفاعي في هذا السياق. فحينما يهاجم العدو بنيران مائلة المسار من عمق ارضه عمق ارض اسرائيل في حين يكون موجودا في حالة دفاع بري (وهذا تصور يسمى دفاعا هجوميا) لا يكون واضحا أي مضمون عملياتي خاص يمكن ان يُصب بحالة دفاع الجيش الاسرائيلي. وهناك حاجة في ظاهر الامر للتأثير في منظومة نيران العدو الى بلوغها بالنيران أو بالمداورة العسكرية، لكن هذه المنظومات موجودة في داخل ارض العدو بصورة عميقة وبين سكان مدنيين. ولذلك ينبغي ان نفحص أهذه هي طريقة الاستخدام الممكنة الوحيدة للقوة في حالات الدفاع الاستراتيجي وفي حالات الهجوم الاستراتيجي (اذا أمكن أصلا التفريق بينهما في هذه الظروف)، أو انه توجد سبل أكثر فاعلية لاستعمال القوة.
يجب على المخطِّط العسكري ان يبحث عن سبل عمل تحد من حرية عمل العدو الاستراتيجي على استمرار القتال وان يقنعه بانهاء دائرة العنف الحالية حتى من غير ان يُهزم العدو. وينبغي ان نفحص هل يمكن العمل في مجالات وخصائص تُمكّن من تقليل الاحتكاك مع سكان العدو والامتناع عن استيلاء دائم على الارض والحفاظ على شرعية استعمال القوة. وينبغي بسبب تنامي العلاقات بين الميادين ان نفحص ايضا هل من الصحيح ان نلتزم بميدان معركة ما أم انه أهم من ذلك ان نحافظ على قدرة انتقال سريع بين الميادين، ويجب على المخطِّط العسكري ان يضيف الى جملة تقديراته مشروعية استعمال النيران والمداورة العسكرية في نظر الرأي العام في مصر والاردن وتركيا. واحراز المشروعية غير محدود بمدة القتال وينبغي العمل من اجل ذلك بصورة مكثفة قبل استعمال القوة وبعده ايضا.
في حرب الايام الستة تواجهت الأطراف المتعادية في صراع تناسبي في ملعب سهل، وكانت يد اسرائيل هي العليا، ومنذ 1967 أصبحت الصراعات العنيفة التي تواجه اسرائيل تتميز بسعي أعدائها الى الحد من قدرتها على تحقيق طاقتها العسكرية الكامنة. وتم ذلك بسبل شتى منها: استعمال منظمات ليست دولا؛ واختفاء المحاربين بين المدنيين؛ وطمس الحد بين المدني والعسكري؛ وطمس الحدود بين الحرب والتهدئة؛ وانشاء اوضاع مرحلية تُستنزف اسرائيل فيها لكنها لا تخرج لمعارك واسعة. وقد تكون المرحلة التالية للحد من حرية عمل اسرائيل العسكرية باستغلال أعداء اسرائيل للدول المتذبذبة في مستويين. تشتمل تقديرات اسرائيل في المستوى السياسي الاستراتيجي على علاقاتها بالدول المتذبذبة ولهذا فستكف من جماح نفسها أكثر مما في الماضي. وفي المستوى التكتيكي والمادي يستطيع أعداء اسرائيل ان يحاولوا ان يُنشئوا لأنفسهم درجات حرية جديدة بواسطة استعمال الدول المتذبذبة في داخل ارضهم وقرب أملاكهم ومنها العسكرية.

الخلاصة: من ميدان معركة معزولة الى ميدان حرب كثيرة اللاعبين
عملت في العقود الاخيرة قوى جذب قوية جذبت اللاعبين المختلفين الى كتل استراتيجية قوية وطمست على الفروق بينها. وعملت قوى الجذب هذه مثلا في الصراع بين الكتلتين في الحرب الباردة وصارت تعمل منذ سنة 1991 بين المعسكر الموالي لامريكا والمعسكر المضاد لها. لكن على أثر ضعف الهيمنة الامريكية وتغييرات اخرى وقعت في الميدان ضعفت قوى الجذب وزادت حدة فروق المصالح بين اللاعبين المختلفين وأصبح تشابك الصلات بين اللاعبين أكثر تعقيدا.
وعلى ذلك فانه في الواقع المتشكل حل محل التقسيم الثنائي الواضح بين العدو والحليف جملة سلوك مرحلي. وتُحدث هذه الظاهرة تعقدا في استعمال القوة وتقدير تأثيرها بلاعبين ليسوا عدوا من جهة ولا يُنسقون معنا من جهة اخرى لكنهم يعملون في ميدان الحرب وهم ذوو صلة بالحراك الاستراتيجي. وهذه الظاهرة تقتضي استعدادا عسكريا سياسيا أقوى مما كان في الماضي.
هذا الوضع يتصل بالتحدي الذري الايراني، وقد أصبح التأثير الأهم لاستعمال القوة لا في العدو بل في الحليفة – الولايات المتحدة، ويتصل ذلك في نفس الوقت بميادين المواجهة العسكرية المحاذية. فمنذ ثمانينيات القرن العشرين تعودت اسرائيل على القيام بحروب ذات ميدان معركة واحد معزول، وكانت الازمات التي جربتها ذات طرفين ويبدو ان هذا الواقع لم يعد موجودا، وأصبحنا نواجه نسيجا مركبا من العلاقات فينشأ بعضها ويتشكل نتاج القتال فقط.


 

2012-12-06 11:31:20 | 1988 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية