التصنيفات » ندوات

تداعيات العدوان الأميركي على القضية الفلسطينية مركز باحث للدراسات – بيروت 25/4/2003


ملاحظات على ورقة عمل أعدّها إبراهيم أبو الهيجا

محمد معتوق

الأستاذ أديب قعوار

الأستاذ محمد حسين

الأستاذ نافذ أبو حسنة

د.عبد الله بهيج


محمد معتوق


 1-  تعتمد الورقة على نقطتين أساسيتين أو فرضيتين هما أولاً فشل الولايات المتحدة في رسم عراق جديد يتفق مع خططه للهيمنة، وثانياً عدم توافر الظروف الفلسطينية والصهيونية والأميركية لإنجاح خطة "خارطة الطريق" بين الجانبين الفلسطيني و"الإسرائيلي".

لكن الورقة لا تقدّم تصوّراً لعلاقة وثيقة بين الشأنين العراقي والفلسطيني، بمعنى أنها تنظر إليهما على أنهما حالتان منعزلتان ليس الواحدة عن الأخرى، بل عن المحيط القومي والعربي والإسلامي.

لذلك نفتقد الحديث عن مدى استراتيجي للمقاومة الفلسطينية في الداخل. إذا استمرت أو نمت هذه المقاومة فلن يكون ذلك بمعزل عن الدعم الشامي والدعم الإيراني. وكذا الحال بالنسبة للعراق المقاوم، فما لم يتوافر لديه الدعم من دمشق وطهران، فلن يكتب له الصمود والانتصار.

إننا لا نستبعد الفشل الأميركي في العراق، ولكننا نتطلّع إلى استثماره على الجبهة الفلسطينية، ولا يكون ذلك بعزل النظر إلى المقاومة ومستقبلها عن التنازلات التي يمكن أن تحققها دمشق وطهران من واشنطن. لا يمكن النظر إلى فلسطين بلا بعدها القومي والعربي والإسلامي. إن جميع تجارب التحرّر أكّدت أن لا بدّ من "هانوي"، بما في ذلك تجربة المقاومة الفلسطينية في الداخل.

حتى الآن لم تقدّم دمشق خطتها البديلة للحل سوى العودة إلى مدريد، وبكلام آخر وحدة الموقف التفاوضي العربي على أرضية معادلة الأرض مقابل السلام والقرارات الدولية. وإذا تمكنت دمشق في نهاية المطاف من إرغام "إسرائيل"على العودة إلى مدريد، فقد يؤسّس ذلك لترابط المسارات ويحمي الأطراف المفاوضة من الاستفراد بها وإجبارها على تقديم مزيد من التنازلات.


2- يجدر بنا أن نتوقف ملياً أمام مغزى الاحتلال الأميركي للعراق ومعنى مجيء 300 ألف جندي أميركي إلى المنطقة في فترة ما بعد إنهاء الأعمال الحربية في العراق. فكما ذكر الزملاء من قبل، لم يعد جائزاً النظر إلى ما حدث بلغة الحرب الباردة أو بلغة ما قبل الغزو الأميركي للعراق، وأعني إن هناك حاجة إلى لغة جديدة ومفردات جديدة.

إن دخول الولايات المتحدة عسكرياً بهذا الحجم إلى المنطقة لا يمكن أن يحسب على أنه خضوع للضغط الصهيوني ومضيّ في الخطة الصهيونية للقضاء على كل ممانعة من أجل تحقيق حلم "إسرائيل الكبرى". هذا الكلام أسقطه الغزو.

لا نشك في أن أميركا جاءت إلى المنطقة لإنقاذ "إسرائيل" من ورطتها الوجودية. فعلى الرغم من التضحيات الكبيرة التي تقدّمها المقاومة الفلسطينية حالياً، فإن أثرها النفسي يفوق كثيراً نتائجها العسكرية. إن "إسرائيل" هي صاحبة نظرية الحرب الإستباقية، وقد مارست هذه الحرب عام 67 وبضربها المفاعل النووي العراقي عام 81. وتبنّت أميركا هذه النظرية الآن. مع الانتفاضة الفلسطينية في الداخل ألغيت هذه النظرية التي لا تصحّ إلا في التعامل مع الجيوش والدول، كما خسرت "إسرائيل" سلاح التفوّق العسكري التكنولوجي في مواجهة العمليات الانتحارية، وهذان عنصران مهمان في استراتيجيتها "الدفاعية". ولم يعد "العدو" على الحدود في مصر والشام أو وراءها في العراق، بل في الداخل في القدس وتل أبيب ويافا وغيرها. هذه أزمة "إسرائيل" الوجودية التي أظهرت عدم قابليتها للبقاء في هذه القرن. ولذا كان التدخل الأميركي عوناً لـ "إسرائيل".

إن أميركا تريد أن تضمن تمرير تسوية في المنطقة من شروطها بقاء "إسرائيل" آمنة. ولكن هل تبقى "إسرائيل" نووية؟ هل تبقى توسّعية؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي التعامل معها. قد لا تكون خطط أميركا جاهزة، ولكن خطط "إسرائيل" معروفة، وهي تفتيت المنطقة إلى دويلات، ففي ذلك ضمانتها الوحيدة الأكيدة للوجود والتفوق (غير العسكري). فهل تتطابق خطط أميركا مع الخطط الصهيونية؟ هل كان المجيء بكل هذه الجحافل الأميركية من أجل لا شيء؟ لا نظن أننا يمكن أن نبالغ في تقدير مدى شمولية الخطة الأميركية المرجوّة من وراء ذلك. ولكن كما ذكر الكاتب فإن كل شيء يتوقّف على مدى نجاح المرحلة الأولى من الخطة: العراق. النجاح المثالي هو بالطبع المجيء بحكومة عراقية موالية لواشنطن ومتعاونة مع "إسرائيل"، وتحظى بتأييد شعبي وهو أمر مستبعد. وهذا ما يصل إليه الكاتب ويعلّله مشكوراً.


3- إعادة رسم خريطة المنطقة لا يقتصر على العراق، وإن يكن ما سيجري في العراق بعد صدّام حسين جزءاً أساسياً من تلك الخطة. ما سيجري في لقاء الرئيس الأسد والوزير الأميركي كولن باول في نهاية الأسبوع المقبل مهم جدّاً. وكذلك ما ذكر عن اتصالات أميركية - إيرانية على مستوى غير عالٍ. هناك أيضاً تحرّك أردني، والأردن يجد نفسه معنيّاً بمستقبل العراق، وربما تجد العائلة الهاشمية فرصتها التاريخية الوحيدة للبقاء، في هذه العلاقة مع العراق. وهناك تركيا أيضاً. كل هذه الأطراف داخلة في خريطة المنطقة التي يريد الأميركيون تغييرها.

ماذا ستكون أداة واشنطن الرئيسية في خطتها؟ نرجّح القواعد العسكرية الأميركية التي ستزرع بها المنطقة. ولا أوافق الكاتب على استبعاد القواعد تماماً بحجة أن التجربة الإيرانية أثبتت عقم هذه الأداة. وأستبعد لجوء الولايات المتحدة إلى الأحلاف. واستغرب كيف يرفض الكاتب القواعد على خلفية أنها من مخلّفات الماضي ويقبل الأحلاف وهي من مخلّفات الماضي وأثبتت هي أيضاً فشلها. الفارق بين الأحلاف والقواعد بنظري هو الدور العسكري الأميركي. داخل الحلف لا يكون الموقف الأميركي إلا موقفاً لحليف قد لا يتبناه الحلف، أما في القواعد فالحرية للعمل العسكري الأميركي تامة. هذا ما يريده الأميركيون: الحرية التامة لجيوشهم في الحركة. وإذا كان الكاتب يستبعد القواعد لأنها أداة استعمارية والاستعمار ولىّ. فينبغي مراجعة هذا الموقف في ضوء ما يجري في العراق. أميركا تحتل العراق الآن وتستعمره. لقد سمعنا عن خطة أميركية لإقامة أربع قواعد في العراق، ونتوقع أن تقوم قواعد أميركية في فلسطين وربما في مرتفعات الجولان السورية في إطار الحل النهائي.

4- وأخيراً، إذا كانت أميركا تريد إعادة رسم الخريطة فلن يكون ذلك على الورق، بل على الأرض. ولن يكون ذلك صدقة، أو عمل "جنتلمان". بل ستنشأ حالة تكون فيها أميركا طرفاً من الأطراف المحلية، أقلّه بحجة أنها تملك كل ما يلزم لتمرير أي خطة وتملك ضمان إنجاحها.

لن أتعرّض لما سيكون عليه موقف الأطراف القومية والعربية. بل أسأل ماذا سيكون عليه موقف "إسرائيل" وحالها.

عندي أن الفشل الأكبر الذي يمكن أن تواجهه واشنطن هو مع "إسرائيل". فإذا لم تستطع أن تقنعها بأن في الوجود الأميركي العسكري في المنطقة ضمانة كافية لأمنها على المديين المتوسط والبعيد، فستفشل الخطة كلّها. وإذا أقنعتها، فسيستتبع ذلك تخلّي "إسرائيل" عن تفوّقها العسكري كضمانة لأمنها ووجودها وكذلك التخلّي عن كل الخطط التي أملت ذلك التوجّه. وأميل إلى توقّع أن تمضي "إسرائيل" بالقبول بالخطة، فهي ليست إلا خادماً للسيّد الأميركي. وعندما يحضر السيّد لا يعود للخادم قولة. عندما لم تكن أميركا تقيم فعلياً في المنطقة كما حالها الآن كان قادة "إسرائيل" يتذرّعون بالممانعة الداخلية (من اليمين المتطرّف) وممانعة الأنظمة العربية "اللاديموقراطية التي تخشى شعوبها"، و"الإرهاب" الفلسطيني. كل هذه الذرائع سقطت الآن.

قد تبدو هذه صورة وردية. الحقيقة إنني أرى أن هناك فرصة متاحة (كما كانت الفرصتان اللتان أتيحتا مع الحربين العالميتين وأضعناهما) إذا أحسنت الأطراف القومية ومن يقف في صفّها من استغلالها، كان ذلك عظيماً. ولكن الانتصارات الهيّنة لا تحدث في عصرنا، وإذا حدثت فإنها لا تترك آثاراً باقية.

 الى الأعلى

الأستاذ أديب قعوار


لا شك أن القضية الفلسطينية وكفاحها في سبيل عودة  وتحرير الشعب والأرض كانت وبدون استثناء، الأكثر تأثراً وتضرراً من أي جزء آخر من أجزاء الوطن العربي بتداعيات العدوان الأمريكي/ البريطاني/ الصهيوني على العراق. وذلك لعوامل عدة أهمها أن  عدونا استيطاني إحلالي  ويتمركز في قلب الأرض الفلسطينية مكان شعبها العربي، ومدعم بقوى خارجية كبرى.

أتى العدوان على العراق تحت راية تحريره من النظام الديكتاتوري الذي كان يسيطر عليه، واستبداله بنظام ديمقراطي يأتي على أسنة الحراب والصواريخ والقنابل الذكية، وبتحريض صهيوني سافر من داخل الولايات المتحدة ذاتها ومن الكيان الصهيوني اليميني في فلسطين المحتلة.

أكبر المستفيدين من هذا العدوان، وبدون شك هي الدولة الصهيونية، إذ أن العراق وإن كان يرزح تحت نظام ديكتاتوري، كان "الفزاعة" التي حسب لها العدو كل حساب، نظراً للطاقات وإمكانيات القوة العسكرية والاقتصادية التي يتمتع بها العراق أرضاً وشعباً. ومن ناحية أخرى الدعم المعنوي والمادي الذي كان العراق يقدمه للانتفاضة وعائلات الشهداء، بعد أن توقفت المعونات التي كانت بعض الدول العربية تقدمها للشعب الفلسطيني وقياداته المناضلة وذلك رضوخاً للضغط الأمريكي مدعوماً باللوبي الصهيوني/ "الإسرائيلي".

بذهاب هذه "الفزاعة" من الأمن العربي ونظراً لضعف الإدارة "الحكومة"الفلسطينية واستعداد من يرمون إلى الحلول مكانها لضرب الانتفاضة وتجريدها من سلاحها، الشيء الوحيد إلى جانب الصمود الشعبي وتصميمه على النضال والشهادة في سبيل البقاء في أرضه، هي السلاح المتبقي له للصمود.

كان من تداعيات العدوان على العراق رضوخ الرئاسة الفلسطينية للتهديد الأمريكي الصهيوني والتدخلات (المساعي الحميدة) لبعض حكام العرب ممن نالوا إلى حد ما الرضى و البركة الأمريكية/الصهيونية بمن فيهم مصر، والمغرب، الأردن، اليمن، وغيرها. تنازلت الرئاسة الفلسطينية الرسمية عن شروطها للموافقة على "الحكومة الفلسطينية" برئاسة أبو مازن/دحلان. هنا مع العلم بأن اعتراض الرئاسة الفلسطينية الرسمية كان على وضع القوى الأمنية المسلحة التابعة لوزارة الداخلية بيد محمد دحلان على أساس تعينه وزير للداخلية وكونه مستعد لضرب المقاومة الفلسطينية المسلحة أي الانتفاضة.

وأتى الحل بقدرة قادر بأن يتسلم رئيس الوزراء "المعين"  وهو الذي يعارض بشدة عسكرة الانتفاضة وتسليحها، وزارة الداخلية مجردة من السلطة الأمنية، أي أنها أصبحت وزارة بلديات لا غير وبدون شرطة بلدية. وعلى هذا الأساس عين الدحلان وزيراً للأمن، أي أن بيده القوة الرسمية المسلحة الوحيدة، ليتصرف بها وفق الهوى و الأوامر الأمريكية الصهيونية.

حوصرت الرئاسة الفلسطينية في بناء المقاطعة ضمن ركام ملحقاته، ولأن ظروفاً دولية كانت تمنع دكها على رؤوس شاغليها. ومع هذا بقيت تتمتع بالكثير من الدعم الدولي وبعض الدعم الشعبي. رضخت هذه الرئاسة للإملائات والضغوط الأمريكية/ الصهيونية التي أعطاها العدوان على العراق مزيداً من السطوة والجبروت والهيمنة، ومزيداً من خنوع أكثر الحكام العرب لها خوفاً على كراسيهم الرآسية التي أصبحت عروشاً تتوارث. و هنا ما يزيد العرب ضعفاً على ضعف. حالياً الرئاسة الفلسطينية ومجلسها الوطني، هي الحكومة العربية الوحيدة التي وصلت إلى الحكم بواسطة انتخابات ديمقراطية فعلية وتحت إشراف دولي وعلى هذا الأساس نالت تقديره. ولكننا نختلف مع هذه الحكومة والرئاسة ولا نقر تصرفاتها من ناحية وطنية وأسلوب الحكم فيها الذي يقارب التفرد بالقرار. هذا التصرف وسّع المجال أمام الولايات المتحدة والعدو الصهيوني وخصوصاً بعد العدوان على العراق "المصداقية"(!!!) لإثارة موضوع الفساد بالحكم، بالنسبة للرئاسة الفلسطينية وطلب تغيير النظام المنتخب، كما قلنا، ديمقراطياً.

وعلى هذا الأساس، وبالرغم من ثقتنا الكلية بشعبنا في الأراضي المحتلة، وكفاحه المستميت في الدفاع عن حقه في بقائه في أرضه ودحر الحلف الأمريكي/ الصهيوني، إلا أننا نرى أمامنا بعد هذا العدوان نفقاً طويلاً نمر عبره.

"باعتراف الولايات المتحدة كان العدوان على العراق بهدف إلى حفظ الأمن الإسرائيلي".

الأستاذ خالد عايد

 الحقيقة أنني لم أحضر إلا الملاحظات السريعة، لقد كنت متصوراً أن الزميل الذي أعد الورقة سيكون موجوداً أو... أن يكون هناك تقديماً للورقة ولا تقرأ، طبعاً، لأن الورقة مفترض أن تكون قد قرأت  من قبل الجميع، يعني أن يكون مقدم الورقة أو من ينوب عنه، أن يقدم لمحة رئيسية فيها، وما كان بذهني مناقشة ما سيقدمه مقدم الورقة من أفكار، باعتبارها الأفكار الرئيسية، ومن ناحية أخرى لا أعرف كم سيكون هناك ظلماً لمقدم الورقة، عندما تناقش الورقة بغيابه.

لأنه أحياناً تكون فكرة ما غير واضحة، أو قد يكون فهمها بأكثر من طريقة، وبالتالي تصبح المناقشة كما فهمت بهذه الطريقة أو تلك، بينما وجوده قد يزيل أي لبس ممكن،

أما وقد درست قبل ذلك كنت قد سجلت

هناك نقطتان كنت أود النقاش بهما مع معد الورقة، بعد أن أثني على الجهد الذي بذله معد الورقة على الإحاطة بالموضوع، ولو كان موجوداً سأتحدث أنه كون هذه الورقة أحاطت بالموضوع من أكثر من جانب وزاوية، وعالج الأبعاد المختلفة للموضوع، الذي هو تداعيات العدوان على القضية الفلسطينية، من هنا، على سبيل المثال، التفريعات التي عالجتها الورقة سواء من حيث توازن العلاقات الدولية، أو العربية والشعبية أو الأمريكية أو الوضع الفلسطيني أو الوضع الراهن، فيها نوع من الإحاطة والشمول تسجل بهذه الورقة.

الملاحظة الرئيسية التي فكرت فيها بعد أن قرأت الورقة: الورقة مكتوبة بلغة نحن اعتدنا عليها، ولكن طريقة الكتابة والتحليل، سائدة في أدبياتنا السياسية والفكرية إلى حد كبير، يمكن بوعي أولاً أو بلا وعي، نحن نحتكم باستمرار، لأن اللغة ليست مجرد وعاء فارغ، اللغة شيء يضم أفكار ومفاهيم، طبعاً يبدو هذا النقاش نظري، ولكن سأقول الآن ماذا أعني بالضبط فيما يتعلق بهذه الورقة وفيما يتعلق بطريقة نقاشنا للقضايا، لنأخذ فكرة ميزان القوى أو مسألة القطبية العالمية، أو النظام العالمي، توازن العلاقات الدولية، في الحديث عن توازن العلاقات الدولية والنظام العالمي تتحدث الورقة عن  تداعيات سلبية ( تداعيات السيناريو الأسود)، هي بمعظمها سلبية، ومع ذلك فالورقة ب++ وتقول: أنه يمكن أن يكون هناك سيناريو آخر، وهذا شيء سليم مئة بالمئة، وأنا طبعاً أشاطر معد الورقة تفاؤله الذي انتهى به الورقة تحت عنوان: (ثقة بالمستقبل).

وأنا أشاطره ثقته بالمستقبل وتفاؤله به. ولكن أريد الوقوف عند هذه المسألة، مسألة توازن العلاقات الدولية: كلاسيكياً اعتدنا أنه يوجد معسكران، معسكر شرقي اشتراكي ومعسكر غربي رأسمالي، ومع انهيار هذه المنظومة الدولية تماماً، إلا أن أحياناً احتمال وجود قاعدة ... وهي استعادة هذه المنظومة الدولية القديمة أو نتمنى استعادتها على أرض الواقع شيء في أرض الواقع يشير إلى مثل هذه الكلمة، وأحياناً يخطر لعض أمنياتنا أو نبالغ في رؤية بعض الظواهر، نتحدث عن نظام عالمي ثنائي القطبية بالعودة، تمثل طبعاً القوة المهيمنة الآن، أميركا أحد الأقطاب، ولكن مع وجود قطب آخر أحياناً قد تكون أوروبا أو اليابان أو الصين أو روسيا أو مجتمعات أخرى...إلخ، بالطريقة الكلاسيكية بالتفكير هذا، أول ما يبدو إلى الذهن أن إمكانية استعادة توازن في العلاقات الدولية وفي النظام الدولي... من هذا النوع تقريباً يعني. ولكننا حتى الآن لم نستطع  القول أنه ممكن أن يكون هناك فعلاً أن ينشأ النظام ثنائية القطبية بالعالم ولكن بطريقة مختلفة، نبش قطبين يتمثلان في دول، أرى مثلاً: نظام ثنائي القطبية آخذ في التشكل، نرى الولايات المتحدة تمثل قمة القطب الأول ومعها حلفاؤها...إلخ.

القطب الثاني ليس بالضرورة قطباً رسمياً حكومياً دولياً، بل قطب شعبي، وأبرز تجليات هذا القطب بدأت تأخذ الطابع الأممي لعالمي، منذ التحرك الشديد في سياسية 1999، هناك حركة شعبية علمية آخذة في النشوء، ولها تجلياتها المختلفة في معاداتها للعولمة ولبرامج صندوق النقد الدولي وللسياسات الاقتصادية للولايات المتحدة وغيرها ومؤخراً في معاداتها للحرب والعدوان على العراق/ كما شهدنا في الحركة التي تحرك فيها الملايين، أعتقد أن رؤية هذا البرعم الآخذ في التشكل الآن، مسألة مهمة يجب أن تدخل في التحليل خاصة عندما يتعلق الأمر بسن سيناريوهات مستقبلية، ونفس الشيء ينطبق على مسألة الشارع العربي. الشارع العربي أعتقد أنه ظلم، وخاصة أنه كان يقارن بالملايين التي خرجت في الغرب ولكن مع ذلك كان هناك تحرك، أعتقد أنه لم تعط الاهتمام الكافي من التغطية الإعلامية، تحركات من البحر إلى المغرب، في بعض التحركات لم نسمع عنها على الإطلاق إلا إذا صدف أن كنا على صلة شخصية في هذه المسألة، كما حصل في..., بالنسبة لي أنا لم أقرأ ولم أسمع على الجزيرة ولا بالسفير على سبيل المثال أي شيء من هذا القبيل، ما حدث في القاهرة كان شيء نوعي، لا أقصد المظاهرة التي نظمها النظام المصري، إنما التحرك المهم الذي كان في ميدان التحرير وحاولوا مراراً وتكراراً وبقوا طوال النهار حتى الساعة 12ليلاً محاولين الزحف باتجاه السفارة الأميركية...إلخ.

أعتقد أنه حصلت تحركات بالرغم من ظروف القهر التي وصلت إلى حد القتل في أكثر من بلد عربي، من البحرين إلى اليمن...إلخ.

الاعتقالات التي طالت حتى أعضاء في مجلس النواب...إلخ.

كل هذه المسائل، التحرك، الشارع العربي تحرك بشكل يجب أن نأخذه بعين الاعتبار كقوة عندما نتحدث عن موازين القوة, ولكن ( ليس مع التسليم بهذا الشارع) كما هو، مع محاولة تطوير هذا الشارع من شارع يتحرك بردة فعل إلى حركة شعبية منظمة، لها أهدافها، ووسائلها التي تنسجم مع هذه الأهداف، والتي يمكن في حينه أن تصبح قوة في أي ميزان قوى إقليمي يرغب في التحدث في مسار القضية الفلسطينية أو العراق أو غيره، وأيضاً نأخذ بعين الاعتبار الحركة العالمية الشعبية الناشئة المعادية للإمبريالية الأميركية بشكل أساسي, والعولمة، والعدوان على العراق، والتي أيضاً قدمت أشكالاً مختلفة من الدعم للانتفاضة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية، ومسألة الدروع البشرية التي وصلت لحد تقديم شهداء بغزة, هذا جزء من تجليات هذه الحركة العالمية التي أتحدث عنها.



 الى الأعلى

الأستاذ محمد حسين


 أنا مع الذين ذكروا...الورقة بكل تفاصيلها على العراق إلا أن الورقة تحتاج إلى بعض التجربة والظاهر أنها كتبت في أوائل العدوان، بعض التفاصيل التي تكشفت في الأيام الأخيرة تحتاج تزويدها هذه التفاصيل، ومنها:

 ما يتعلق بالمكتسبات الصهيونية من الحرب على العراق إذا صح التعبير، والتي بدأت تطرح كعناوين، هل هذه المكتسبات يمكن أن تتحقق أو لا يمكن؟ إذا ممكن مثلاً: كيف يتم ذلك، وإذا لا كيف يمكن منعها من ذلك، وأيضاً يمكن أن نستعرض كل المكتسبات التي لم تطل عليها الورقة منها مثلاً موضوع النفط بالنسبة للكيان الصهيوني، وهذا موضوع مهم  وفي أكثر من فرع، باعتبار أن النفط مسألة مهمة جداً للكيان الصهيوني وأعتقد أن الكيان يبحث عن مخرج وحلول لأزمته النفطية منذ زمن، ولعلها (الأزمة) جزء أساس من عملية كامب ديفيد، والحصول على النفط بأسعار مخفضة (نفط سيناء) وهذا يعني كإحصاء بأن الكيان الصهيوني  يحتاج إلى مئتين  وخمسين ألف برميل نفط يومياً بقيمة 6.5 مليون...؟ 80% من روسيا والباقي من مصر وبعض الدول الأخرى، وهو يحتاج إلى تخفيض هذه المسألة وفرصة العراق، هي فرصة نادرة للكيان الصهيوني حتى يحل مسألة النفط ولذلك يبدو أن الإمساك بمنابع النفط ليس فقط لمصلحة أميركية بريطانية وإنما أيضاً لمصلحة "إسرائيل" ويبدو أن هذا الأمر كما أصبح معروفاً من ضمن المشاركة أو من ضمن عمليات الضغط الصهيوني على القرار الأميركي الداعي و المحرض على العدوان على العراق، طبعاً بالإضافة للفرع الثاني من عملية النفط ,أيضا أعلن عنه في مسألة إعادة العمل بخط أنابيب النفط من كركوك إلى حيفا الذي بني عام 1934 وأوقف في ما بعدو طبعاً بمكن أن يطمح الجانب الصهيوني لأكثر من هذا الخط، يطمح إلى أن يكون محطة التصدير النفطي عبر ميناء سيناء حيفا إلى أوروبا – نفط العراق- والإبقاء على الأنابيب الأخرى التي تأتي إلى لبنان أو سوريا مقفلة .

طبعاً أحبب هنا ذكر التفاصيل حتى نطل على بعض التفاصيل كمثل أو كنموذج، لأن هذا النوع من الأوراق أو الدراسات التي يجب أن تقدم، يجب أن تحيط ببعض التفاصيل لإغناء أو إثارة النقاش حول جميع الخبراء و المختصين والعاملين والذين لم تصل إليهم الورقة من أصاحب القرار يجب توضيح كثير من الأمور التي على أساسها يجب أن يؤخذ القرار، طبعاً بالإضافة إلى هذه التفاصيل نحن نعرف أن هناك فوائد أخرى يمكن أن يجنيها الكيان الصهيوني من احتلال العراق، ممكن يعني في نوع من الاستعراض البسيط، على المستوى السياسي، يبدو أن هناك تحفزاً "إسرائيلياً لمحاولة إحياء حلف يشبه حلف بغداد، إذا ما استتب الأمر كواحد من الاحتمالات المفتوحة في العراق والتي تتقاطع مع المصلحة الصهيونية أن ينشأ حلف مؤلف من تركيا والكيان الصهيوني والنظام العراقي الجديد التي تسعى أميركا لإقامته في العراق على أن يكون مثل هذا الحلف الذي يشكل نقطة قوة في المنطقة كمحور تعتمد عليه أميركا إذا ما قررت الانسحاب من المنطقة في ضبط المنطقة على المستوى الأمني والسياسي. ويبدو أن الكلام عن الانسحاب الأمريكي من العراق بدأ مبكراً ولو أنه ليس هناك الآن من إشارات على أن هذا الانسحاب قد يتحقق باكراً، إنما بالدوائر الأمريكية سواء بدوائر الدراسات أو دوائر القرار السياسي بدأ الكلام عن الإنسحابات.

المسألة الثانية، نحن نعرف أن الكيان الصهيوني يمر بأزمة اقتصادية ومنها مثلاً ما بتعلق بتصريف المنتوجات الإلكترونية والكهربائية وبعض المنتوجات العسكرية والأسواق بالمنطقة مغلقة عليه، وممكن أن يكون سوق العراق إذا استتب الأمن طبعاً للأميركيين أحد الأسواق الكبرى المفتوحة نتيجة وجود قوة شرائية ما بالمستقبل وحاجة هذا البلد إلى هذه المنتوجات، وهي غير متوفرة في المحيط العربي، أو ليس هناك منافس لها.

المسألة الأخرى التي يمكن أن يستفيد منها الكيان الصهيوني هو سقوط القوة العراقية التي كانت هاجساً بغض النظر عن وجودها على خط التماس أو في حال المواجهة معها أو...، كانت القوة العراقية بالنسبة له هاجساً أمنياً كبيراً وكانت الصناعات العسكرية الصهيونية تسعى باستمرار لمواكبة التطور العسكري في العراق وكان هناك رصد لكثير من الإمكانيات العسكرية كميزانية عسكرية تزيد بسبب ملاحقة أو منافسة أو تفوق على القوة العسكرية في العراق بالضبط.

سقوط هذه القوة، سواء بسقوط النظام أو بضبطها بنظام آخر قد يكون حسب ما يحكى- نظاماً مصالحاً مع الكيان الصهيوني،وهذا يعني أن يخفف أو يقلل الكثير من الهاجس الأمني، والعسكري الصهيوني ومن ميزانية الدفاع عناه، وبالتالي تخفيض ميزانية الحرب يذهب إلى مواقع أخرى وبالتالي ممكن أن يساهم في حل المشكلة الاقتصادية الصهيونية،

ومسألة أخرى مسألة الماء، معروفة الأزمة التي يمر فيها  الكيان الصهيوني، ومنذ زمن وهناك كلام عن حل مشكلة المياه بالنسبة للكيان الصهيوني عبر الفرات، وكانت مشاكل مع النظام العراقي حول هذا الأمر وأيضاً مع سوريا، و ما زالت الآن ربما يكون هناك نوع من استغلال هذا القرار إذا صح التعبير السياسي، أو استغلال وجود نظام موال لأمريكا في العراق من أجل وضع مشاريع لحل مشكلة المياه للكيان الصهيوني.

المسألة الأخيرة وهي تتعلق بالقضية الفلسطينية، وبالتحديد مسألة اللاجئين. وإن يكن حتى الآن لم تطرح بشكل جدي و واضح ولو أنها كانت تطرح قبيل الحرب الأميركية على العراق، وهناك معلومات تقول أنه كان هناك لقاء في الأردن ما بين وفد صهيوني برئاسة ابن شارون و وفد عراقي، وطرح العراق موافقته على كل ما كان – علناً- يرفضه بالنسبة للقضية الفلسطينية وبالتحديد مسألة قبوله بتوطين ثمانمئة ألف فلسطيني لاجئ  في منطقة الموصل والاعتراف بالكيان الصهيوني وإلغاء ما يسمى بالجبهة الشرقية، وبالتالي حملت هذه الاتفاقات عبر وفد "إسرائيلي" إلى الإدارة الأميركية، ووقتها طبعاً بوش رفض واعتبر أي كلام يجري عن هذه الاتفاقية فيما بعد، أي بعد إتمام الخطة الأمنية في العراق، ويبدو أن هذا الأمر سيكون حديثاً مؤجلاً إلى بعد إقامة نظام عراقي موال للأمريكيين، على كل حال، ما نقصد الوصول إليه بعد هذا الاستعراض- طبعاً بالإضافة على كل ما أحاطت به هذه الورقة-  إلى مسألة مهمة جداً أن هذه التداعيات السلبية –إذا صح التعبير- التي عرضتها الورقة والتي كنا نتحدث عنها، يبدو أن محورها الأساسي كيف سيكون مستقبل العراق، فإذا كان هناك نظام، أو إذا نجحت أميركا بإقامة نظام مرتبط بها، وهذا يعني أن كل التداعيات السلبية مؤمل أو محتمل أن تطبق، وبالتالي هذا يشكل واقعاً خطيراً، على مستوى المنطقة. وإذا لم تتمكن أمريكا من إقامة هذا النظام، فهذا يعني أن هذه التداعيات قد يكون خطرها أقل بكثير مما متوقع، وهنا تدخل على هذا الحديث مسألة جديدة وهي أنه بعد الحرب وهذا الثقل الأمريكي بالعراق، هل تقبل أمريكا بأن تخرج بدون أن يكون النظام كما أرادوه وبدون مكتسبات! بهذه السهولة؟!

فالجمهور أو الشعب العراقي أوضح بأكثر من مناسبة موقفه من هذا الأمر، فإذا كان هناك حكماً عسكرياً مباشراً فهذا مرفوض والشعب العراقي سيعمل على رفض هذا النظام ربما بأساليب قد تصل إلى حد المقاومة، المسلحة، حتى إذا كانت هناك إدارة وسيطة، انتقالية ليس عسكرية مباشرة، وفيها مشاركة مكثفة من قبل العراقيين قد يوجد نوعاً من التفاوت بين الصفوف العراقية وبالتالي قد يؤخر أو يطيل في عمر الوجود الأمريكي في العراق ويؤخر موضوع المقاومة المسلحة لهذا المشروع. وإذا قرر الأمريكيون أخيراً حسم الأمر بالصلات التي كما هو واضح في العراق، وفرض النظام كما يريدونه فأنا أعتقد أن العراق قد يعيش بمرحلة تجاذب حاد يسرع في نشوء مقاومة مسلحة في العراق أو في أي مكان عربي آخر مجاور لفلسطين وهو نوع من الدعم، ولعل الدعم الوحيد المتبقي للانتفاضة الفلسطينية داخل فلسطين التي بدأت تشعر بأن العزل أصبح مفروضاً عليها أكثر، وهناك سعي أمريكي وصهيوني لفرض هذا الأمر وتعزيزه والورقة مؤكدة على هذا الموضوع.



 الى الأعلى


الأستاذ نافذ أبو حسنة


إن الورقة تسعى نحو دورها من الشمول، لكن أثير تساؤلاً إلى حدٍ ما أن الورقة تحدثت عن جملة رؤى فلسطينية، لم نر لا رأي السلطة ولا رأي المقاومة الفلسطينية، والمفترض أن يكون لها رأيها  فيما حدث وهي المعنية في الورقة، ولكن كانت غائبة بشكل كامل، وأعتقد أن هذا  عائد لغياب... القضية الفلسطينية منذ فترة طويلة، ليس هناك أجندة وطنية  فلسطينية واضحة، لا من قوى المقاومة كما جرى التعبير، ولا من السلطة تجاه التطورات الكبرى، هناك نوع من العمل السياسي اليومي يشبه العمل ...، حدث موقف مثلاً يتخذ له رأي أو بياناً أو تصريح ولكن ليست هناك رؤية واضحة، مع أني كنت أتوقع أن المقصود أن نخلص إلى رؤية تتحدث عن طبيعة الأجندة  الفلسطينية في المرحلة القادمة، طبعاً ضمن الأجندة العربية.

النقطة الثانية: لفت نظري في الورقة... مقاومة شعبية جنوبية، الحقيقة هذا الأمر لا أدري كيف ننزلق إليه وبسرعة، فجأة وكأن لأول مرة نشعر أن الإعلام اكتشف أن هذه الأمة فيها شيعة وسنة...إلخ. أصبح وكأن هذا الأمر يخص فئة معينة من هذا الشعب، وهناك تركيز تشعر خلاله أحياناً وكأن يراد منه أن يولد إشكالاً، يعني عندما تقوم التظاهرة لتقول:" إن الناس متمسكين بالعراق نسمع أن الحديث يدور عن طوائف عندما تقول أن الناس متمسكون بالعروبة أو بالإسلام وأي قضية كذلك تكون عن طوائف، وكأن هذه الطائفة أو تلك معنية بتقديم المستقبل، وأن الصراع- كما يقول- ما بين الموصل وأميركا أو بين بغداد وأميركا أو بين النجف وأميركا، الموضوع ليس بهد الصورة وأعتقد أنه يجب تخليص اللغة من هذا الاستخدام، لدينا كثير من التقارير تدل عن المقاومة بدون استخدام مذهبي أو طائفي معين به أن من سيقاوم هو فلان أو فلان.

فأرجو أن ينتبه الباحث إلى هذا الأمر ويزيل مثل هذا التعبير من الورقة عندما يتم تجهيزها لأنه مصطلح إعلامي، وهناك نوع من التصميم الواضح للتركيز عليه لغايات معروفة ولا داعي للتطويل في هذا الأمر، على سبيل المثال: قبل فترة قال التركمان: كركوك مدينة تركمانية، الأكراد مدينة كردية، العرب مدينة عربية، ولم يقل أحد بأنها مدينة عراقية، وكأن  المطلوب إنهاء صفة الهوية الوطنية من العراق وإحلال هويات فرعية محلها. وهذا بالتالي يسهل مشروع النقطة الثانية التي تتحدث فيها... وعن ماله علاقة بتغيير النظم، وعلينا أن نلتفت أكثر بمشروع التفكيك، لا يعني تفكيك الدول القطرية القائمة أكثر من الاستماع إلى موضوع تغيير النظم، ربما هو عنوان أو شعار ولكن القصد الأكبر هو التفكيك، التغيير ينسجم أكثر مع حالة السلطة الفلسطينية، رغم أن ياسر عرفات منتخب بغض النظر عن الصيغة، وانتخب أيضاً برعاية كارتر، الذي أتى به ليحل محل عرفات وهو الأدنى ترتيباً من حيث القبول الشعبي، والمجموعة التي معه هي أقل قبولاً من الناس،  ولكن شرط أن يتقدم الفلسطينيون بإصلاحات يكون فيها المرفضون هم المشرفون على الإصلاح وهذا يدل على أن العقل الأمريكي يتصرف  مع كل منطقة وفق مقتضيات معينة، ولكن العنوان الأساسي لهذا التعامل ربما هو التفكيك وهذا الشيء كان يشير له منذ وقت طويل عندما جرى الحديث عن (32) قومية ومذهب، وإثنية بالمنطقة العربية هي بحاجة إلى تحرير من الاحتلال الإسلامي العربي، وبالتالي ربما تكون الإشارة أو الالتفات إلى الانتباه من عملية التفكيك مسألة حاضرة في أذهاننا وربما هذا التفكك لا يأخذ حدود الاثنيات والمذاهب ففي العراق بأخذ حدود العشائر والعائلات وخلافه.

النقطة الثالثة تتعلق بموضوع الفلسطينيين كشعب: الورقة خلت من الإشارة إلى هذا الموضوع، لاحظنا هذه الحملة، أريد أن أربطها بالمصالحة الشعبية العربية، هناك تعبير عن المثقفين والإعلاميين ربما نشرة في الشارع العربي والتعبير من... دعوا العراقيين، دعونا... لقد عانينا كثيراً، لا صلة لنا بما يحدث، ولو كانت المسألة عن رغبة، يعني فليذهب العراقيون حيث يشاءون  وليذهب اللبنانيون حيث يشاءون  والسوريون والفلسطينيون... إلخ، ولكن المشكلة أن أحداً في هذه المنطقة لا يستطيع أن يذهب لوحده بأي اتجاه...

هذه المنطقة كل ما يحدث في أي قطر منها أو منطقة منها مرتبط بالضرورة في مكان آخر، أعتقد أن هذا التعبير دعوا العراقيين وأنفسهم، مللنا هذا الحديث لا نريد قومية، ولا نريد إسلامية، ولا نريد عراقياً ولا نريد عروبة... نريد أن نعيش، هذا الموضوع: الشيء السهل..

ولكن هذا الانعزال في ظروف العراق الراهنة ربما تحدث أشكالاً كثيرة ونحن صرنا نشعر بنوع من الخجل.

مثلاً، ترى مقبرة، أرقام، يقيمها نظام الطاغية إلى هذا الحد، الحقيقة، أنا واحد من الناس لم أكن أتصور أن هذا النظام بشع إلى هذه الدرجة وهذا الحد، إلا عندما رأيت مقبرة الأرقام وحدثت صديقاً لي, إنه في فلسطين مقبرة واحدة، فيها أرقام  لأربعين شهيداً، كان أحد الأشخاص من الناصرة رحمه الله أسمه أحمد حميد الله، أقام حياته كلها منذ عام 1970، على 2002، حيث توفي على هذا القضية ورفع قضايا هائلة جداً ومطالبات والى المحاكم العسكرية والإدارة المدنية ووزارة الحرب وإلخ، أقام حياته على هذا الموضوع وهو يتساءل: كيف يدفن إنسان بمكان ويحمل؟ دون أن تكون له++؟ ثم نكتشف أن النظام دفن عشرات الآلاف  بالأرقام، هذه كارثة حقيقية، أو هو شكل من أشكال الخجل في التدخل بالشأن العراقي، يعني نحن الآن يقال لنا: لا تتدخلوا دعوا العراقيين، تشعر أن ذاك الإنسان أو الشخص قد ظلم إلى حد أنك تخجل أن تتحدث نيابة عنه، أنا لا أريد أن أتحدث نيابة عنهم، ولكنة أنبه أن لي الحق في الحديث عما يجري في العراق، إذا أن  هذا ما يجري تنفيذ++ في العراق.

إن هذه النقطة... أحد زعماء المعارضة العراقية يزعم أن سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني يشكلون عمدة النظام في العراق، وهذا ادعاء كاذب، لأنه لا يوجد هذا الرقم في العراق، بالعراق معروفون الذين هجروا بـ"48" بشاحنات الجيش العراقي وهم محدودو العدد ولم يكن العراق يشكل عامل جذب للفلسطينيين، وبالتالي الآن تسليط الضوء على أن الفلسطينيين كانوا عماد النظام، وهم الذين جاءوا متطوعين للدفاع عن النظام...إلخ، وهذا بدأ يشمل أخيراً اللبنانيين والسوريين، يراد منه شكل من أشكال الاختراق الشعبي، ناهيك عن الشائعات أو الحقائق التي عاد بها المتطوعون العرب من العراق، وكيف طردوا وضربوا من العراقيين أنفسهم، وأحياناً يثار موضوع طائفي أو مذهبي هنا وهناك في هذا الموضوع، فأنا أعتقد أننا جميعاً ضحايا نظام فاسد وفّر لأمريكا ذرائع لتقوم بضربة، وأمريكا أيضاً نحن ضحاياها جميعاً، نحن والعراقيين، فابالتالي ضرورة الدعوة بهذا الأمر لنتصالح، كشعوب نصمم جميعاً أننا ضحايا لهذه الحرب، ليس المقصود منها أحد بعينه، نحن المقصودين بها جميعاً.

نقطة أخيرة تحدث فيها الأستاذ خالد: وهي موضوع الشارع العربي، أنا أعتقد أن هذا الموضوع بحاجة لنقاش يحمل قدراً هائلاً من الجدية وأيضاً القدرة الهائلة على الاستخلاص( الاستقصاء) الحقيقة مشاعر هذا الشارع، قديماً كان التعبير الرائج أن الجماهير سوف تقوم وتتحرك مجرد أن يحدث تحول ما الانتفاضة الأولى، سنوات طويلة إلى أن وقعت في فخ أوسلو، وتحرك الشارع العربي بالكيفية التي يستطيع بها أن تغييره... في انتفاضة الأقصى أيضاً تحرك الشارع بشكل( رائع جداً), ولكن هذا التحرك كان يبحث عن وجود مفضل، ولم يكن يبحث عن ضحايا، ولم يتحرك هذا الشارع... التي سالت فيه دماء الفلسطينيين، بمعنى أنها خرجت لا تقول أوقفوا القتل، بل تحركت في الوقت الذي كانت فيه جنين تمثل قصة صمود, وبالتالي هذا الشارع تحرك من أحل أن يجد هذا النموذج المنتصر ويعززه ويدعمه لاعتقاده، أنه هو الذي يقوم بعملية التحويل، الذين خرجوا إلى الشارع تعاطفاً أثناء العدوان الأمريكي على العراق أعتقد أنهم خرجوا قبل الهجوم،++ وأن هذا النظام سوف يصمد ويحطم الغزاة على أسوار بغداد...إلخ. وبالتالي أيضاً هو كان يبحث عن ...

لذلك عندما نضيف أو نتطرق إلى موضوع الشارع العربي، لا نلومه لأنه أيضاً يريد... جميعاً , وفي نفس الوقت من هو الضحية... ولا يريد أن يبكي مجدداً... لقد بكي ما يكفي... وهذا نموذج يجب أن نقدم له شكلاً من أشكال الأمل، وبالتالي إن انطلقت مقاومة في العراق وهي بالأحرى ستنطلق ربما نجد الشارع يعبر عن تفاعله بطريقة أو بأخرى

  خلاصة أخيرة: أن آمل أن تنسجم هذه الورقة إلى شكل ما من أشكال التصور، قامت بتوصيف جيد إلى حد بعيد، ولكن أن تنتهي إلى تصور قد يتضمن بعض العناصر التي تصلح لأن تتضمنها أجندة في الأيام القادمة.... وشكراً.

الأستاذ نصري الصايغ

كيف نصف ما حصل في العراق؟ كيف تغير العالم؟ ماذا بقي لنا من تخوم للمناورة؟ كم حجم المسافة المتبقي للمناوأة والمقاومة؟

ما حصل في العراق ، والانزياحات المذهلة بعد احتلاله، يؤسس لحقبة من التنازلات السياسية، والاقتصادية، الستراتيجية والأمنية. ومن المتوقع أن نستبدل لغتنا الثابتة، وندخل إلى فسحة وسيعة  من النقد والشك.

ما سيحصل بعد العراق، ينذر بكارثة التخلي، إضافة إلى الثوابت، التخلي عن مقومات الوجود القومي والوطني في ما دون حدود الدنيا.

أولاً: توجت الولايات المتحدة الأميركية، بإدارتها الحالية، تفوقها الساحق بالقوة العسكرية، وأسست أنماطاً سياسية جديدة تكرس ما يلي:

اعتماد الحروب الاستباقية، وفي أي مكان وفي أي زمان مناسب لها، وفق لائحة تعدها بأعدائها، الحاليين والممكنين، والمتوقعين.

حق التدخل التلقائي بذرائع مبوبة، يتم تعميمها بوسائل الإعلام الموضوعة في خدمة البنادق والخنادق والشعارات. في مناطق استراتيجية عديدة، إما لإقامة أنظمة جديدة، وإما لعقد تحالفات وإما لتكريس قواعد عسكرية، وإما لتوجيه سياسات مالية واقتصادية... وأحياناً لكل هذه الأهداف معاً.

اعتبار الولايات المتحدة الأميركية، مرجعاً وحيداً، لحل المشكلات العالمية والإقليمية، وتوظيف المرجعيات الدولية وفروعها ومنظماتها، في خدمة هذه المرجعية إن كان ذلك مناسباً، أو تعطيل هذه المرجعيات إن كان ذلك ضرورياً وهذا ما يمهد لتكريس نظام عالمي جديد أحادي القطبية، شديد المركزية، هامشي الأطراف.

التأسيس للشرعية الأميركية لحقوق الشعوب والدول وفق منظومة  قيم إنسانية جديدة، لا تنتمي إلى القوانين الدولية الناظمة للعلاقات بين الدول والشعوب ولا تنتسب إلى أدبيات الشرعية البائدة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وتتحكم الولايات المتحدة الأميركية بتحديد هذه القيم من منظار مصالحها القومية.

غلبة منطق السيادة القومية المطلقة، على أي سيادة دولية أو إقليمية، فكما أن الاقتصاد المعولم لم يكتسح العالم، عبر خطوط سريعة، وسيعة متحررة من الحواجز والقيود والإرشادات الحمراء، فإن السياسة الأميركية ألدت عزمها ونفذت قرارها بصور السيادات  الإقليمية والقومية والوطنية، واختصار هذه السيادات وتطويع قوامها وتحويلها إلى ملحق أو تابع طوعي بمصالح السيادة الأميركية العليا.

ثانياً: مقدمات الحرب ويوميات المعارك ونتائج الانتصار الأميركي في العراق تفضي إلى ما يلي:

إجبار العالم في الإقامة الإلزامية في منطقة الدفاع عن النفس، وإشعار الدول المشاغبة أو المناوئة والمارقة أو المعادية (مستقبلاً) بأنها مراقبة ومهددة، لتلتزم القياسات السياسية المفروضة من قبل الشرطة الأميركية، وتنفيذ جدول العقوبات المندرج من الحصار إلى الضغط والتهديد بالعزل وصولاً إلى المباشرة بأعمال عسكرية، فلكل مقام عقوبة، والمكافأة تدفع من كيس الخاسر، ولا يخرج عن هذه الوضعية، الآسرة، دول, كانت بالأمس القريب قوى عظمى أو ذات ثقل في الموازين الدولية.

التدخل في كل النزاعات الناشئة بين الدول، النزاعات التي تندلع بأسبابها الموضوعية والموضعية، وتلك التي تضرم واشنطن نيرانها أو تفتعلها، ويتيح لها إدعاء حق التدخل في فرض أنظمة وسياسات وأنماط إنتاج واستهلاك و واجبات إعلام، تتلاءم مع الدعوة الأميركية لإقامة نظام أميركي دولي في العالم.

عدم إلغاء الخصوصيات القومية والوطنية والاثنية  والطائفية، والتعامل معها لواقع يمكن توظيفه وتوجيهه وتأطيره، في لعبة توزيع بيادق  ضعيفة الوزن، شديدة التأثر بالتدخل الخارجي... الأميركي.

ثالثاً:  في ما يخص العالم العربي، يمكن ترسيم معالم واضحة للمآلات الأميركية:

تنشيط المنظمات الإقليمية بعد تشذيب طموحاتها، وتعديل جدول أعمالها، وتنقية المنضوين تحت لوائها، في أي دور إقليمي عام. ومن المتوقع تحويل الجامعة العربية إلى نادي إقليمي للتداول في كيفية إخراج وتظهير وتنفيذ الصورة الأميركية، والنص السياسي الأميركي للمنطقة،كلما كان هناك الحاجة، ... وكانت الجامعة العربية، في مراحل نزاعها الأخير، تعيش على "++الطلب الأميركي"، ولا تلتقي إلا بعد إيحاءات أو إشارات  أو إملاءات أو توجيهات أميركية. وقيل: إن العضو الدائم في الجامعة العربية والذي يملك حق النقد، هو العضو الغائب المتمثل حضورياً في أروقة الجامعة العربية.

ترسيخ الكيانية والقطرية إلى حدود الأصولية الكيانية المنعزلة، وإلزام كل قطر عربي بأن يكون قطرياً فقط، إلا إذا انتدبته الولايات المتحدة الأميركية لمهمة ما، أي جعل العراق عراقياً فقط، ومصر مصرية, وسوريا سورية, أي، إلغاء القومي من الوطني وتغليب القطري على الإقليمي, هكذا بغزل الجميع عن الجميع.

العراق عراقي فقط ولد متعدداً. وصياغته أميركية وفق التوازنات الداخلية على أن سياسته الخارجية تتمثل بأن يكون قاهرة أخرى في الشرق, تصل إلى "إسرائيل" على قدميها... أو بقدمين أميركيتين ، ويمكن تحويل النظام السياسي إلى ما يشبه الإدارة المحلية، في حكم ذاتي، تحت مظلة الوصاية الأميركية، العسكرية، الدبلوماسية.

وعلى هذا الصعيد تصعد أميركا تهديدها، لتحجيم سوريا إقليمياً، وتحت الابتزاز والتلويح بالاتهامات وإلزامها بالإقامة في منطقة الخطر، يلزم أن تقبل سوريا أن تكون سوريا فقط، ومنعها من احتضان أي هم قومي، فهي مسؤولة عن نفسها، وإلا اعتبرت دولة غير  مسؤولة، وتعرضت لقائمة العقوبات المفروضة بتدرجها، من الحصار إلى التهديد بحافة الهاوية والدرس العراقي. ويفترض بدمشق بهذا السياق أن تمتنع من التدخل في الشأن الفلسطيني، دعماً أو تفكيراً أو اعتراضاً، كما يعني التخلي عن المقاومة في لبنان... وإذا نفذت هذه المطالب فإن دمشق تصبح عمان أخرى.

المساس بسيادة واستقلال وأنظمة كل كيان عربي وإلزامه بوضعية: "قيد الدرس" بما فيها النظام المصري والنظام السعودي، يقابلها عدم المساس بمركزية الوجود والتأثير والتفوق "الإسرائيلي"، وتعزيز هذا الحضور في سياسات عربية إيجابية إزاء الحلول المطروحة من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

فلسطينياً: الاستفراد الأميركي سابق على كارثة العراق لخصوصية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن الاستفراد الكاسر بعد جريمة 11أيلول، واستحواذ واشنطن على مجموعة من "الحقوق -الذرائع" واقتطاع العالم إلى نصفين. من ليس معنا فهو ضدنا... هذا الاستفراد يجعل من فلسطين عرضة لأقسى اختبار منذ نشوء الحالة "الإسرائيلية": التسليم الفلسطيني، بالحد الأدنى الوطني للفلسطينيين، بالحد الأقصى "لإسرائيل" وبشكل نهائي،

عملياً:

التدخل لدعم حكومة فلسطينية تحرم الانتفاضة أو تحظرها أو تحاربها... وتحظر أي عسكرة مستقبلية، ما يجعل من الحكومة الحالية حكومة تأسيس بنى أمنية قادرة على منع ولادة أي انتفاضة ووأدها في المهد.

القبول الفلسطيني بما يعطى... التخلي عما هو من الحقوق( القدس- حق العودة- المستوطنات- الحدود- السيادة).

الدخول في المحرم الفلسطيني:  الحروب الأهلية.

حرمان العرب من أي حل باستثناء ما يساعد أميركا ويمهد "لإسرائيل" بتسريب حلولها. ( خريطة الطريق معدلة، إذا تبنتها "إسرائيل")


رابعاً : ماذا نتوقع؟

من المتوقع أن ترفع أميركا وتيرة تهديدها لتجريد العرب من أي إرادة قومية. ومن أي وسيلة دعم للفلسطينيين، مالاً وسياسة ودبلوماسية... أما السلاح فقد ودعه العرب من زمان "وداعاً للسلاح".

أن تحصل أميركا على حاضنات قطرية لمشاريعها الفلسطينية- " الإسرائيلية". محبذة بذلك إقامة علاقات عربية ثنائية، بين العرب, وعلاقات عامة بين العرب و"إسرائيل". أي أن ما هو ممنوع بين العرب والعرب. مسموح بين العرب و"إسرائيل" بل ومرغوب به.

أن تتم تصفية المنظمات المقاومة وتجريدها من أسلحتها واعتقال قادتها وطردهم وتشريدهم في المنافي البعيدة، أو استدراجها في حروب تخويف تستنزفها دفاعياً. 

لكن هل الصورة سوداء إلى هذه الدرجة؟ أنها لذلك... على أن للشعوب العربية كلمة أخرى.

إن نقاط الضعف في هذه السياسة أنها تركز على كثير من القوة والنادر من الحقوق، أو على انعدام الحقوق. فكيف يتعايش شعب مع احتلال؟ إن ذلك مستحيل  لقد استحال في الماضي، وهو مستحيل اليوم، ومستحيل غداً لذلك، فطالما هناك حلول ظالمة إلى حدود ما فوق الاحتمال، فسيكون هناك مقاومة.

إن المهزوم يعلن هزيمته عندما يتبى منطق الغالب ويتحدث ويسلك بقناعة داخلية منه، إن أميركا و"إسرائيل" على حق وهذا مستحيل قد تتغير أنظمة بشرية، ولكن تغيير الشعوب يتطلب ما لم يشهده التاريخ بعد.

إن فلسطين تمتد مساحتها من جبال الأطلس في المغرب إلى جبال ظفار في عمان، أما فضاؤها الروحي فيصل من نجمة القطب المسيحية إلى كل أماكن التواجد الشعبي الإسلامي. فلسطين القومية، تحوز على مكانة إنسانية قيمة عليا,  وعليه، فإنها تملك حيوية فائقة, ويلزم أن نتعامل مع هذا الامتداد بأن نعيد رسم أولوياتنا العربية. فالانحطاط يعرف بما يلي:" العدو على الأبواب وسكان المدينة يلتهون بمعرفة جنس الملائكة ويختلفون" الآن العدو على الأبواب وفي المخادع وعلى شرفات السياسة, والنهضة تبدأ بوضع التحدي الأول؟ فلسطين, في الصدارة. فلسطين هي المركز والباقي أطراف، على أن تكون مهمة وهامشية. و إن لم ينخرط العرب نخباً وشرائح طلابية وعمالية وسياسية، في جدولة نضالهم، على قاعدة المد الأدنى في الداخل، تحقيق الديمقراطية الحقيقية وسيادة القانون وحصانة القضاء ونزاهته وتوزيع عادل للضريبة والثروة معاً فأن النضال من أجل فلسطين يسقط في الآنية والغريزية.

ملاحظة أخيرة:

إن العالم ليس أميركياً.... ولن يكون. إن شوارع العواصم والمدن شهدت مظاهرات عارمة بالملايين، ضد الحرب على العراق، ذي نظام دموي مقيت وكريه وآثم ميدان. أن هؤلاء خرجوا بوعي منهم، وليس لغريزة التعاطف الدموي أو الديني أو اللغوي أو القومي أو الطائفي.

إن وعيهم نتاج خيارات ديمقراطية في دول ديمقراطية وهؤلاء كانوا أشقاء لنا في محنتنا العراقية, أكثر من أشقاؤنا المواطنين العرب.

إن الديمقراطية طريقنا إلى حماية فلسطين من التهويد، أما أنظمتنا فنخاف منها، فبعدما أدت واجبها بقمعنا لمصلحة الغرب وأميركا، نخشى أن تقوم بالواجب نفسه، أي قمعنا، لمصلحة السلم "الإسرائيلي" أن المستقبل تصنعه الشعوب العربية المنظمة... أما الماضي أو الحاضر فهو صناعة مقيتة لأنظمة القمع والإرهاب والتبعية.


 الى الأعلى

د.عبد الله بهيج



إذا أردنا الحديث عن تداعيات العدوان الأمريكي  على القضية الفلسطينية ، لا بد لنا من قراءة متعددة الأبعاد ( البعد الفلسطيني ، البعد العربي ، البعد الإسلامي ، والبعد الدولي )، وذلك من خلال تأثير وتأثر كل تلك الأبعاد في القضية الفلسطينية، انطلاقا من موقف كل طرف رافض أو مؤيد أو صامت إزاء ما حدث، وما يحدث ، وما سيحدث في التاريخ القريب . ويكفي أن ننوّه إلى أن السيطرة المباشرة على حقول النفط والغاز  في العراق وامتلاك المطارات والقواعد العسكرية وعشرات الآلاف من الجنود المجهزين بأحدث أنواع التكنولوجيا ، على حدود سوريا وإيران ، وفي الشرق الأوسط عموما ، سيكون له بالغ الأثر في محاولة التأثير على ممانعة وصمود المحور العربي الرافض للرضوخ والإملاءات الهادفة إلى تصفية الحقوق العربية والإسلامية  في فلسطين والمنطقة والذي تقف سوريا في طليعته ،ومعها إيران ولبنان وفلسطين .


ولقد وفّق الكاتب والباحث أبو الهيجا في تشخيصه للحالة المستجدة . ورصد الكثير من المضاعفات المحتملة ، محاولا إطلاق بعض الرؤى الاستشرافية المستندة إلى قراءة موضوعية  متأنية ، لتعقيدات الحدث الجلل. وإذ أجاريه في الكثير مما طرحه، أراني أتباين معه في بعض الجزئيات ، التي قد تجعلها الأيام تتطور إلى أساسيات ، إذا ما أدرك المثقفون والطلائعيون العرب والمسلمون خطورة الوضع وانطلقوا بحمية وعقلانية لوضع برنامج عملاني قابل للتطبيق  على صعيد الممانعة والمجابهة للمخططات الصهيونية والإمبريالية التي تستهدف الجميع دون استثناء حتى أولئك الذين يظنون أنهم بمنأى عن ذلك .


وإذا كنا من المتحمسين إلى مقولة إن التاريخ يكتب بعصا المنتصر، وليس بقلم الحقيقة، فإننا على قناعة أن المنتصر في الميدان العسكري، يملي شروطه على طاولة التفاوض. لكن الانتصار الحاسم لا تحدده القوة العسكرية الغاشمة، بل إرادة القتال والصمود (فيتنام وجنوب لبنان ، وكذلك استمرار الانتفاضة الباسلة في فلسطين )، من هنا رؤيتنا استحالة فرض العدو الصهيوني إملاءاته على القوى الفلسطينية الحية والجماهير المستمرة في تقديم التضحيات الغالية (المال والبنون والحقل والبيت)، في ممانعتها ومقاومتها للآلة العسكرية العظمى في المنطقة. وما إصرار الشباب الفلسطيني على الاستشهاد إلا الشاهد على ذلك، الأمر الذي يبقي العدو في قلق وإرباك كبيرين، ومعه الإدارة الأميركية التي تحرص على بث مخططات سياسية كخارطة الطريق، بهدف تنفيس الوضع وإيجاد شرخ بين القوى الحية في الساحة الفلسطينية ، وتحميل الفلسطينيين مسؤولية العذابات التي يعيشونها على مدى خمسة عقود ونصف، مع أن خارطة الطريق هذه لن تغني أو تسمن .


صحيح أن سقوط بغداد  الدراماتيكي، أدى إلى آثار نفسية شديدة الإحباط عند الفلسطينيين، أضيفت إلى معاناتهم وأوضاعهم المعقدة، وإلى إحساس بالقلق والمرارة، إلا أن ذلك جعلهم في الوقت نفسه يشعرون أنهم رقم صعب في معادلة الصراع في المنطقة، فهم يواجهون بالحجر والإرادة والإيمان والجسد المتفجر غطرسة قوى الشر ، ويوقعون في صفوف العدو الخسائر المؤلمة، ويدركون على المستويين الواعي واللاواعي ضرورة أن يكونوا محطّ فخر واعتزاز واعجاب أمتهم بهم، الأمر الذي يمنحهم قدرا كبيرا من الدافعية للاستمرار في النهج المقاوم ، فهم بذلك يرفعون من مستوى التلاحم الجماهيري لشعوب الأمة بقضيتهم حيث جدلية العلاقة والمصالح المشتركة تتبدى بأبهى صورها، سيما وأن اللاوعي العربي يختزن إرثا هاما من العز  والفخار يدفعه بقوة إلا رفض الذل والمهانة. ولعل من نتائج نكسة حزيران عام 1967 كان تفجر المقاومة  بشكل لافت وواسع حين أنضم عشرات الآلاف من الشباب إلى العمل الفدائي.


نعم ، نحن نرى أن الشعب الفلسطيني سيعاني أكثر من أي وقت مضى وسيتعرض لمزيد من الضغوط الاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية الحياتية، بغية إخضاعه وتركيعه أو تهجيره، إذا لم يقبل بفتات الحلول الأمريكية. إلا أن الثقة عالية بأن حسابات البيدر الأمريكي لن تتوافق وحسابات الحقل الفلسطيني المتمرس بالنضال والممانعة، خاصة إذا ما أدركت جماهير الأمة دورها ، وقامت بمدّه بمقومات الصمود، وهذه هي أولى المهام الملقاة على عاتق الطلائع المثقفة، والحركات النضالية في العالمين العربي والإسلامي، والمطالبة اليوم بتهيئة مناخ داعم تتغذى منه الحركة الفلسطينية المقاومة بكل تياراتها ، والمطالبة هي أيضا بتوحيد صفوفها .

صحيح أن الساحة الفلسطينية اليوم تعيش حالة فرز بين تيارين مقاوم ومهادن، وأن هذه الحالة قد تتصاعد توترا سياسيا، قد يصل إلى حد الأزمة الخانقة، إلا أن حجم التضحيات الفلسطينية سيحول حتمًا دون التفريط بالدماء الذكية، وبالأهداف التي تحظى بإجماع أبناء فلسطين على مختلف مشاربهم السياسية لجهة الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف. من هنا نرى أن تيار التعايش مع الاحتلال لن يجد فرصته للنجاح والتجدر، يعزز هذا الرأي المواقف الصلبة لسوريا ولبنان والشعوب العربية والإسلامية المؤمنة بالسلام الشامل والعادل، ما يدفعنا للقول إن المنطقة مقبلة على سخونة أكبر. وهذا يتطلب وحدة حقيقية لكافة القوى الرافضة للهيمنة على مقدراتنا ووجودنا كأمة لها الحق في حياة كريمة في أوطانها، ولن يرحم التاريخ النخب المثقفة والمسيسة، إن هي تقاعست عن دورها في هذه المرحلة الحساسة. وهنا لا بد من الإفادة من النتائج السلبية لسياسة التنازلات المستمرة أمام الإملاءات الأميركية والإسرائيلية والتي لم تحصد سوى المزيد من المهانة والرضوخ والضعف والوهن وعدم احترام القوى الحرة في العالم لنا. وقد تبدو المقارنة هنا بين الموقف الكوري الشمالي والمواقف العربية المستجيبة لسياسة الإملاءات ضرورية، لأنها تهدف فقط إلى حرماننا من أبسط أدوات القوة في الوقت الذي يسمح للكيان الصهيوني بامتلاك كل أنواع الأسلحة الفتاكة.


يجب أن لا يغيب عن وعي الجماهير العربية ، وشعوب العالم المحبة للسلام العادل، وكذلك النظم الرسمية (التي نتمنى أن تتصالح مع شعوبها لأنها هي وحدها ضمانة وجودها) أن سياسة الكيل بعدة مكاييل، هي البرهان الساطع على عداء الولايات المتحدة لقضايانا، وتنكرها لحقوقنا التي أقرتها المواثيق والقرارات الدولية ناهيك عن تلك التي استخدمت أمريكا ضدها حق النقض الفيتو، وبهذا لا نغرق في مستنقع الأكاذيب الذي يحلو للبعض البقاء فيه ، وما حصل مؤخرا في العراق من تجاوز سافر للشرعية الدولية ولمجلس الأمن خير دليل. وإذا كانت الولايات المتحدة جادة في تطبيق القانون الدولي فلماذا تصمم على الاستنسابية في ذلك؟ متجاهلة أنها تؤسس بهذا إلى فوضى دولية لا مكان فيها للضعيف.


وحتى نخرج سريعا من حالة الذهول التي أحدثها سقوط بغداد عسكرياً، ونتوقف عن جلد الذات،   وتذوق طعم المرارة، لا بد من الآتي:

ترسيخ مفهوم حرب الشعب المنظم والمسلح، فهو القادر على جلب الانتصار وبكلفة      أقل.

بناء علاقة جيدة وصحية بين الجيوش والأنظمة والشعوب حتى يدرك الجميع أنه صاحب مصلحة في المدافعة والممناعة، والانتصار.

الإنفاق الهائل على التسلح وتخزين العتاد غير القابل للاستعمال هو إرهاق للدولة والمواطن، في الوقت الذي يكون فيه السلاح البسيط أكثر جدوى، (حزب الله في الجنوب اللبناني، والانتفاضة الباسلة في فلسطين). وتخصيص تلك المبالغ لمشاريع الإسكان والخدمات والتعليم والاستشفاء تجعل المواطن صاحب مصلحة في الدفاع عن الوطن والنظام.

رغم الصدمة المحبطة لسقوط بغداد، فإن أصالة الشعب العراقي تجلت من خلال المظاهرات الرافضة للاحتلال، الأمر الذي أذهل الاحتلال رغم محاولاته تشويه صورة العراقي أمام العالم، بإظهاره غوغائيا يسرق ويحرق بلده وتراثه ، الأمر الذي أدانه واستنكره كل المثقفين في العراق، وأشاروا بأصابع الاتهام إلى الاحتلال، والذي أكده الإعلاميون وعمليات القبض على العديد من المسروقات في مطارات عدة في العالم.

نخلص إلى القول إن شعوبنا تختزن من الوعي ما يؤهلها لتجاوز المحن وصنع تاريخ مجيد.  

2009-01-28 08:48:43 | 2767 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية