التصنيفات » مقالات سياسية

عالمٌ ينهار عالمٌ ينهض - عندما تصبح طهران بيضة القبّان !





من أوكرانيا إلى سورية وبالعكس، يعيش الأمريكي قلقاً متزايداً من تحوّل المشهد الدولي جيواستراتيجياً لغير صالح احاديّته المطلقة ...!
وتمرّ الأيام، ورغم كلّ الضغط الأمريكي والغربي على الفريق الإيراني المفاوض وحكومة روحاني، في محاولة لجرّها إلى التصادم مع الحرس الثوري والقيادة الإيرانية العليا، كما كانت تنتظر وتتوقع واشنطن بعد إبرام اتفاق الإطار النووي، فإن الوضع  الإيراني الداخلي تحت السيطرة تماماً، والخيارات " الروحانية " حيثما وكيفما تحرّكت تبقى " تحت الكساء"، أحبّ البعض ذلك أم كره ! 
إن العلاقة الإيرانية مع واشنطن متعثّرة، و جدار انعدام الثقة والمرارة لازال على حاله رغم سعي أوباما الحثيث لكسب ثقة البعض المرتعش في محاولة لتقسيم الداخل الإيراني إلى موالٍ ومعارضٍ للتسوية المجهولة الهوية والغامضة ...!
إن التوافق على "النووي" لا يمكن أن ينجز من دون تكريس حقوق إيران الأساسية المشروعة، ولن يتجرّأ أيٍ من أفراد الطبقة السياسية على تجاوز خطوط "الكساء" الحمراء ..!
وليس في الأفق حتى اليوم سوى التوافق الإطاري العام، ولن يجرؤ أحد في إيران على التفريط بالثوابت، ولا شيء في الأفق سوى التمديد ستة أشهر أخرى ...!
وإيران القيادة العليا تمارس " الديبلوماسية البطولية " بإتقان شديد. فلا هي تمنع المرتعشين والمتفائلين حتى الثمالة من الحراك بالقمع الذي اعتادت عليه الحكومات الاستبدادية في العالم ، ولا هي تكبح موجات التذمّر الشعبي، العفوي منه والمنظّم، من شدّة انبطاحية البعض على الضفة الأخرى ..!
واليوم، ثمّة حراك كبير وكبير جداً على امتداد تضاريس المجتمع الأهلي وشبه الحكومي الإيراني، باتجاه الدفاع عن الهوية الاستقلالية الفكرية منها والاقتصادية والسياسية للدولة، وبما ينبئ بدخول دماء جديدة في الطبقة السياسية، ما قد يُفضي لتحوّل هام في مطبخ صناعة القرارالإيراني خلال العام الإيراني الحالي والذي يليه ..!
في العلاقات الاقليمية، ثمّة ثبات إيراني استراتيجي باتجاه تكريس علاقة حسن الجوار مع العرب والمسلمين، في ظل تراجع دور ونفوذ منافس إيران الاقليمي التقليدي، أي المملكة السعودية  الغارقة في المستنقع اليمني، باعتراف وإقرار سفراء وديبلوماسيين غربيين وعرب وخليجيين مقيمين وسابقين ..!
أيضاً، في العلاقات الإقليمية، ورغم كلّ ما تحاوله دولة خليجية بارزة ومؤثّرة، هي الثانية بعد سلطنة عُمان، بهدف تطبيع العلاقات بين طهران والرياض، فإن الأخيرة لا تزال تبعث الرسائل السلبية في هذا السياق، ممّا يؤكد استمرار المملكة مبهوتة أمام التحوّلات العالمية وانعدام القدرة لديها على استيعاب مواكبة هذا التغيير المخيف، كما عبّر أوباما من جهة، واستمرارها في معاداة المحيط الإقليمي والإمعان في التورّط في المستنقع السوري من جهة أخرى . 
في العلاقات الدولية، ثمّة اهتمام و سباق لافتين بين الدول الكبرى  والصناعية المتقدّمة، مثل فرنسا وإيطاليا و كوريا الجنوبية والنمسا. لكن الأكثر خصوصية هو ما يتحرك في مجموعة (الخمسة زائد واحد) في سياق التقرّب من إيران ...
والقدر المتيقن منه هو إجماعها بالإجمال على كون طهران باتت اللاعب الأقوى إقليمياً، وربما المحدّد الأساسي لمصائر كلّ الملفات الاقليمية، في ظلّ غياب شبه تام للمجموعة العربية وتخبّط تركي وهزال إسرائيلي..!
رغم إلحاح غربي، وبخاصة أمريكي،  لمناقشة ملفات المنطقة بتوسع خاص مع المفاوض الايراني على قاعدة الإنجاز النووي  ، لكن القيادة الإيرانية  العليا أمرت -ولا تزال-  بمنع فتح أي مفاوضات جديّة وحقيقية أو حوارات قبل إثبات حسن النيّة الغربية حول النووي ...! 
ومع كلّ الضغوط والتشويش الأجنبي الممنهج، و ارتباك البعض من  رموز الطبقة السياسية الحاكمة حول الشكل والنوع الأنجع بين خيارات التعامل مع القضية السورية، فإن القرار الأساس والاستراتيجي لدى القيادة الإيرانية العليا لا يزال هو هو : سورية خطّنا الأحمر وستكون مقبرة للغزاة، وهي جزء لا يتجزأ من قضية الدفاع عن فلسطين أياً كانت الأثمان ومهما طال الزمان ...!
ورغم كلّ الكلام المتناثر، وتخبّط البعض وتشويش الآخر البعيد والقريب، فإن المعلومات المؤكدة تفيد بأن طهران كانت هي من لجمت تركيا من التمادي في حربها المفتوحة مع سورية، لا سيّما بعد نقض أردوغان للوعود التي قدّمها لطهران بأنه مستعد لتغيير موقفه من دمشق، وأنه سيبحث  عن كوريدور آمن لقصر الشعب السوري بما يُفضي لفتح صفحة جديدة مع الأسد ..!
 إن المتابع الجيّد والعميق لسلوك القيادة الايرانية العليا يستنتج بأن إيران الثورة والدولة والمجتمع لا تزال عند ثوابتها الدينية والثورية والوطنية المعروفة، رغم تململ البعض أو ترهّل الآخر، أو بروز تيارات تحريفية أو مراجعاتية لدى أناس هنا أو هناك, والحراك على أشدّه في هذا السياق لمنع تبلور تكتل تحريفي سيبقى منبوذاً في هرم السلطة والمجتمع الايراني ما دام ربّان السفينة هو الإمام السيد علي الخامنئي .
وأخيراً وليس آخراً، يجدر القول بأن إيران من الداخل، وبعد أكثر من تجربة حراك مفتوح متّكئ على المبدئية والثورية من جهة، وعلى التغيير والإصلاح من جهة أخرى، قد رسخت أقدامها في المسرح الخارجي كدولة إقليمية عظمى بامتياز، يسعى العدو إليها قبل الصديق، ليضعها في جدول أعماله وترتيبات سياسته الخارجية القصيرة المدى و الاستراتيجية، ولسان حاله يقول : إذا كان ولابدّ من طهران، فما هي السياسة التي ينبغي التعامل بها معها بما لا يُفقد هذا الطرف من وزنه الكثير لصالح القطب الصاعد الجديد ...
والمتابعون لمسار حركة الديبلوماسية الدولية تجاه طهران يؤكدون تفتّت الإجماع الدولي ضدّها بشكل نهائي ولا رجعة عنه ...
فواشنطن باتت تريدها ناظماً إقليمياً لما بعد انكفائها عن الشرق الأوسط نحو الشرق الأدنى، من أجل مواجهة الروس والصينيين اقتصادياً واستراتيجياً ...
وأوروبا بحاجة ماسة لإيران في كلّ الظروف، إن من حيث كونها الكوريدور الطبيعي للوصول إلى أسواق المنطقة، أو باعتبارها القطب الناظم والمعبر الاستراتيجي لحركة الطاقة العالمية...
أما المحور الروسي - الصيني، فالصين وروسيا باتا أقرب ما يكونان إلى الحليف الإجباري لطهران في إطار أية مواجهة حربية أو حراك سلمي مع واشنطن وحلفائها ...
والأتراك بدورهم يشعرون أن لا قيامة لهم من دون "الأسد الإيراني" الذي ينبغي التمسك بذيله للخروج من المستنقع السوري، رغم كلّ العناد والمكابرة الأردوغانية..
المصريون، وحسب الكاتب محمد حسنين هيكل قبل اُيام من رحيله، لا مستقبل واعد منظور لهم من دون التوجه نحو المشرق: من الضاحية الجنوبية لبيروت مروراً بدمشق وصولاً الى طهران، لتحقيق قفزة نوعية في نظامهم السياسي ومستقبل ثورتهم الشعبية ...
أما عرب الخليج، فأصبح مستقبلهم السياسي رهناً بمستقبل ما بات يُعرف بـ
 " التفاهم الإيراني الأمريكي" بامتياز.
وهكذا، يكون صبر طهران الاستراتيجي من جهة، وديبلوماسية التحالفات المتحركة والمرنة، قد أثمرا انتقال القوّة الإيرانية من شكل القوّة التي يُحسب لها حساب في جيوبوليتيك المنطقة الإقليمية فحسب، إلى قوّة ما وراء بحرية؛ وهذا هو سرّ القلق الأمريكي من الإيرانيين الذين يغادرون اليابسة ويركبون البحر، من مضيق هرمز إلى المتوسط إلى باب المندب، فيما يُجبر الأمريكي على اعتماد ميزانية جديدة لجيشه تطالب بإعادة عديده وعتاده إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية ، ما يعني التوجه لعدم نزوله من السفن إلى اليابسة  تحت أيّ ظرف كان!
إنه الانكفاء الأمريكي نحو الداخل بسبب الانهيارات الاقتصادية وإعادة تموضع القوات الأمريكية المنتشرة منذ الحرب العالمية الثانية، من منطقتنا العربية والإسلامية إلى الشرق الأدنى بسبب الانكسارات الجيو استراتيجية التي أصابت الأمريكيين خلال السنوات الماضية.
إنه مرّة أخرى عالم ينهار ... وعالم ينهض  
إنه عالم تراجع الدولار الأمريكي القائم من دون رصيد أصلاً مقابل تقدم الذهب العربي والإسلامي الجديد... والقائم على أصالة معدن  المقاومة الشعبية التي تتقدم خطوات نوعية هائلة انطلاقاً من الارض السورية، وكيف تحوّلت إلى الاحتياط الاستراتيجي الذي لا ينضب: عدّة وعديداً وتجربة لا حدود لها .... 
عيونكم إلى الجولان وجبل الشيخ "على الميلتين "، وشعب المقاومة الذي يدوّن في هذه اللحظات التاريخية حكاية لا تنتهي.

                                                                                                               محمد صادق الحسيني
                                                                                              باحث في الشؤون الإستراتيجية

2016-05-20 23:01:48 | 1742 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية