التصنيفات » مقالات سياسية

مصير المبادرة الفرنسية للتسوية


بعد الإعلان في نيسان 2014 عن فشل المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي والتي رعاها وزير الخارجية الأميركي جون كيري، وبعد انكشاف مأساوية نتائج العدوان الصهيوني الأخير على قطاع غزة، أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بأنه "ينبغي علينا أن نقول بوضوح من خلال قرار سيُقدّم إلى مجلس الأمن ماذا ننتظر من عملية السلام وكيف يجب أن يكون حلّ النزاع" . 
  وكان ذلك بمثابة مؤشر واضح  بأن فرنسا تُحضّر لتقديم مبادرة لحلّ الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خاصة بعد شعورها بأن الولايات المتحدة باتت مُنهكة نتيجة الجهود التي بذلتها بهدف التوصل إلى مثل هذا الحل، كما كانت منشغله بالمفاوضات مع إيران وبالحرب على داعش (كما تزعم) ...
     ومع انطلاق السباق الرئاسي في الولايات المتحدة  أوائل عام 2016،  وتراجع الاهتمام الأمريكي بالقضية الفلسطينية، جاء طرح المبادرة الفرنسية للسلام مرّة أخرى، وتصميم فرنسا على طرحها في اجتماع وزاري تحضيري، كان من المفروض أن يُعقد في باريس في 30  أيار؛ إلاّ أنه جرى تأجيله بضعة أيام لإتاحة المجال لحضور الوزير كيري الاجتماع، في إشارة إلى تراجع الولايات المتحدة عن تردّدها تجاه المبادرة الذي أبدته في البداية. ومن المقرّر أن يحضر لقاء باريس وزراء خارجية أكثر من 22 دولة، ويضمّ الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، بالإضافة إلى روسيا والولايات المتحدة ودول عربية، من دون أن تحضره فلسطين و"إسرائيل"!
وقد أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيروليت، أن الهدف من اللقاء هو تأسيس ائتلاف دولي واسع لحلّ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي على أساس أفكار المبادرة الفرنسية، وهي : 
إقامة دولة فلسطينية في حدود الرابع من يونيو /حزيران 1967 منزوعة السلاح مع تبادل مناطق بمساحات متّفق عليها وتستجيب للاحتياجات الأمنية الإسرائيلية؛
إجراء مفاوضات لا تزيد مدّتها عن 18 شهراً للوصول إلى حلّ الدولتين. وفي حال فشل المفاوضات، فإن فرنسا ستعترف رسمياً بدولة فلسطين؛
حل عادل ومتوازن وواقعي لقضية اللاجئين الفلسطينيين بالاستناد إلى آلية تعويض؛
تطبيق مبدأ حلّ الدولتين لشعبين مع مطلب الاعتراف بالطابع اليهودي لـ "إسرائيل"؛
على الطرفين وضع معايير تضمن أمن "إسرائيل" وفلسطين، وتحافظ بشكل ناجح وفعّال على الحدود، وتصدّ الإرهاب وتدفّق الوسائل القتالية، وتحترم سيادة دولة فلسطين المنزوعة السلاح،  والإنسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي على مراحل خلال فترة انتقالية يتم الإتفاق عليها؛ 
إعتبار هذه المبادرة بمثابة تسوية نهائية وليست اتفاقاً مؤقّتاً؛
    لكن منذ طرح هذه المبادرة توترت العلاقات بين فرنسا وحكومة العدو برئاسة نتنياهو، والتي تتّهم فرنسا بأنها تقف وراء مبادرة الاتحاد الأوروبي بشأن وضع علامات تميّز منتجات المستوطنات. والعدو يرفض المبادرة  الفرنسية لأنها  تقوم على عقد مؤتمر دولي بشبهة مرجعية دولية، فيما هو يريد مفاوضات مباشرة ثنائية مرجعيتها طاولة المفاوضات . لذلك، يواصل  قادة العدو الإعلان  بأن المفاوضات المباشرة هي الطريق الأفضل لحلّ الصراع  مع استعدادهم للعودة فوراً إلى طاولة المفاوضات من دون شروط مسبقة ..!
     وإذا كانت "إسرائيل" ترفض المبادرة كونها تقوم على أساس حدود 1967 التي ترفض الاحتكام لها، فالجانب الفلسطيني  يتحفظ على المبادرة  لأنها تشير إلى الاعتراف بإسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي. لكن التحفظات الفلسطينية لا تصل إلى مستوى رفض المبادرة أو عدم التحمس لها، خصوصاً أنها المبادرة الوحيدة القائمة في الفراغ السياسي الراهن.
 وقد تلقّت جامعة الدول العربية  المبادرة، وتشكّلت لجنة عربية خماسية مهمّتها متابعة المبادرة مع فرنسا والأطراف الدولية الأخرى، لاستخدامها كغطاء لعجزها عن إنجاز شيء من وعودها للفلسطينيين بدعم تحقيق التسوية المنشودة التي طال انتظارها، ولم يُبد العرب كبير اهتمام بها بعد تزاحم أولويات أخرى شغلتهم عن حليفهم الفلسطيني الذي تماهى معهم إلى أبعد حدٍ ممكن ؛ وهم تركوه فعلياً يواجه وحده حكومة نتنياهو وتطرّف المستوطنين؛ وقد وجدوا في المبادرة فرصة لإغلاق الملف الفلسطيني والتخلص منه عبر معادلة دولية جديدة تقود إلى مزيد من التنازلات الفلسطينية كي يختبئوا وراءها خلف موقف كيان فلسطيني هزيل أغلِقت الأبواب أمامة، وهو يقف عاجزاً أمام قيود الاتفاقات التي أبرمها مع العدو تنكّر  لها، وما زال الطرف الفلسطيني يتمسك بها ؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى، حتى يستفيد الحكّام العرب من غطاء دولي لتنازلاتهم المتوقعة أمام "إسرائيل"!
     هذا إذا ما أتيح لهذه المبادرة الفرنسية أن تشقّ طريقها لعقد مفاوضات جديدة بين الطرفين تؤدّي إلى اتفاق، بعيداً عن إمكانية استغلال العدو لها لتحقيق محطة أخرى من التنازلات، ومن ثم التنكّر لما يتوجب عليه في الاتفاق العتيد، كما كان يفعل دائماً. 
 والسؤال هنا: هل ستستطيع المبادرة إذا سارت خطواتها كما هو مرسوم لها إحداث الإختراق السياسي المنشود. إن نجاحها مرتبط بمجموعة من العوامل، منها:
توافر إرادة دولية جادّة لإنهاء ملف الصراع، بما في ذلك موقف أوروبي موحّد من المبادرة.
وجود موقف أميركي داعم ومتحمس ومشاركة فاعلة من أعضاء مجلس الأمن الدائمين. 
توافر دعم عربي حقيقي يصل إلى مستوى ربط مستقبل علاقات الدول العربية مع الكيان الغاصب بمدى التقدم في إنجاز الحلّ المنشود مهما كان سقفه متدنياً.
توفّر رغبة لدى كيان العدو بالتسوية، أو على الأقل إدراكه بأن فشل المبادرة ستكون تكلفته عالية على الكيان في نهاية المطاف ....
     و في التقدير العام الذي يرى واقعاً ملموساً، وعلى ضوء التجارب السابقة، فإن هذه العوامل غير متوفرة. فلا يوجد إجماع أوروبي حول المبادرة، والولايات المتحدة تتحفظ على أية مبادرة لا تصدر عنها أو بالتوافق معها. وهي سوف تأخذ المبادرة إلى ساحتها بما يستجيب لمصالح العدو في حال حضورها. كما أنها  لا ترغب في خروج القضية الفلسطينية عن مظلّتها لتصبح تحت مظلّة دولية؛ وهي تتقاسم هذا الهدف مع العدو أيضاً. فالملف الفلسطيني- الإسرائيلي حكرٌ عليها، وهو ليس كالملف السوري مثلاً.
كما ان الموقف العربي هزيل، وأضعف من أن يشكّل عاملاً ضاغطاً على الأطراف الدولية. بل إن سياسات بعض الدول العربية تذهب باتجاه إنشاء علاقات مفتوحة مع العدوعلى حساب القضية الفلسطينية، حتى قبل إنجاز تسوية لها؛ وتجاوزاً حتى للمبادرة العربية التي طرحها العرب، متذرّعين بأخطار مدّعاة: تارة الخطر الإيراني، وتارة خطر الإرهاب!!
أما كيان العدو، فهو اليوم على درجة عالية من الصلف تدفعه لرفض أيّ حل أو مبادرة لا تحقّق له مصالح واضحة ومباشرة، مقابل مصالح محدودة ومؤجّلة للطرف المقابل،  خاصة أن العدو يذهب في هذه المرحلة باتجاه البحث عن خيار الحلّ الإقليمي  بعد إغلاقه الطريق أمام حلٍ ثنائيٍ مع الفلسطينيين. 
   من هنا يمكن توقّع أن المبادرة الفرنسية جاءت في ظروف تجعل أهدافها لا تتعدى إدارة النزاع وليس حلّه وتحت هذا العنوان يأتي هدف المحافظة على السلطة الفلسطينية ودورها الأمني في قمع المقاومة، ودفعها للمساهمة في احتواء حالة الغضب الفلسطينية الشعبية من تصاعد الهجوم الإستيطاني المترافق مع  القمع والإذلال اليومي على حواجز الإحتلال وسياسات التمييز العنصري، والعمل للحيلولة دون استمرار الانتفاضة بحيث تقود الأمور نحو الانفجار ؛ وهو الأمر الذي تحقق الكثير منه على طريق إعداد المسرح المبادرة الفرنسية حيث فعَّلت السلطة دورها الأمني وعملت على الاستجابة إلى مطالب العدو بوقف ما يُسمّى التحريض....!!   
      كما أسهمت في إعادة تلميع صورة "إسرائيل" على الصعيد الدولي لإجهاض التقارير الدولية في حقِّها.  وهو ما حصل عندما استجابت السلطة للطلب الفرنسي بتأجيل تقديم شكوى لمجلس الأمن بشأن الاستيطان إلى مرحلة لاحقة، لمنح المبادرة فرصة إضافية للنجاح !!
 أيضا، سعت السلطة للإلتفاف على تنامي المقاطعة الأوروبية والعالمية غير الرسمية لمنتجات المستوطنات، بعدما شكّلت معضلة وأثارت غضب كيان العدو، خاصة بعد خروج شركات كبيرة من الضفة الغربية المحتلة ... 
   وعليه، فإذا كان نتنياهو لا يريد أن تكون هناك سابقة بأن تجري المفاوضات مع الفلسطينيين تحت إشراف أو رعاية دولية ، تجنّباً لأية قيود أو التزامات، وهو يحرص بأن يكون الوسيط فقط أمريكا،  فإنه ليس في أجندته أولوية إجراء مفاوضات والتوصل إلى اتفاق شامل مع السلطة الفلسطينية حول قضايا الوضع النهائي؛  بل أولويته هي استغلال ظروف الفوضى في المنطقة لفرض  مفاوضات لا تفضي إلى إقامة دولة فلسطينية؛ وإنما هو يريد إعلان "الدولة اليهودية" على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتحويل من يبقى من الفلسطينيين إلى أقليّة تحظى بحكم ذاتي في كنف  كيانه العنصري.
      وفي الواقع، إن كلّ الأطراف، بما فيها الطرف العربي، لاتريد "توتير" العلاقة مع العدو في هذه المرحلة خصوصاً. وهي سياسة عربية جرى اتباعها  باستمرار، وكان الدفع دائماً باتجاه تقديم التنازلات ينصبّ على الجانب الفلسطيني. ولأن الأفق الراهن مسدود، يبدو أن السلطة الفلسطينية  استمرأت هذا الواقع، وهدفها الآن هو الحفاظ على وجودها بالحدّ الأدنى، ولا نيّة لها لمغادرة هذا الواقع لأنها أفقدت نفسها الكثير من الإمكانيات؛ وبالتالي، هي باتت في مواجهة حقيقية مع أغلب الشعب الفسطيني وطموحاته .
 وفي هكذا واقع، ما الذي سيدفع أو يُجبر حكومة العدو على تقديم تنازلات لصالح التسوية، لم تقدّمها في ظروف سابقة كان وضع الكيان فيها أكثر حرجاً  ... 
     كلّ ماتقدّم يؤكد أن خيار المفاوضات والتسوية كان مجرّد شرك أعِدّ بعناية فائقة لإفراغ الجهد النضالي الفلسطيني وإعادة توجيه الخيارات بشكل سلبي. وهو أسلوب اتّبِع دوماً في الحالة الفلسطينية منذ بداية الغزو الصهيوني لفلسطين؛ حيث استُخدمت ذات الأدوات مع اختلاف الاسماء فقط.
       ولحدّ الآن لم ترتفع الأصوات لإعادة النظر في هذا الخيار الذي تم انتهاجه في مرحلة مختلفة حين كانت أوضاع العدو وحلفائه الدوليين والإقليميين أفضل. والآن، هناك كثير من الوقائع تؤكد أن الظروف اختلفت، وهي في صالح قوى المقاومة والحقوق الفلسطينية إذا ما أحسن القيّمون ممارسة العمل السياسي والمقاوم، مع اعتبار المقاومة كخيار استراتيجي في مواجهة العدو، ونسج كلّ التحالفات على أساس هذا النهج . 
ونحن نرى اليوم بأم العين العدو يفقد قدرة الردع أمام المقاومة، ابتداء من عام 2000، حيث أكرِه على الإنسحاب من جنوب لبنان بلا قيد أو شرط، وفكّك مستوطناته عام 2005 ورحل من قطاع غزة؛ وهو شنّ حروباً فاشلة على المقاومة في لبنان وقطاع غزة ، ولكنه وقف عاجزاً عن تحقيق أهداف اعتداءاته، في الوقت الذي كان في السابق يهزم الجيوش الجرّارة خلال ساعات، ويعربد في المنطقة دون رادع. وفي هذا السياق، يُعتبرعجز العدو عن فرض التسوية كما يريدها: تسوية تصفّي القضية الفلسطينية، هو هزيمة في حدّ ذاته له.
   إن أفق ومستقبل الكيان الذي عمل خلال عقود لفرض نفسه كجزء طبيعي من المنطقة، أصبح يعتمد على عنصر القوة، ولم تستطيع السنوات الطوال للاحتلال أن تجعله جزءاً من نسيج المنطقة؛ وهو سيبقى منبوذاً حتى تأتي لحظة الخلاص من وجوده السرطاني نهائيا،ً كما حصل لكلّ غزوات الفرنجة التي اعتمدت على القوّة الغاشمة. وما إن ضعفت حتى انهار الغزو وولّى الجمع منهزماً؛ وهذا هو ما ينتظر كيان الغزاة الصهاينة في فلسطين .


محمود إبراهيم
باحث فلسطيني

2016-05-24 14:29:08 | 2503 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية