التصنيفات » مقالات سياسية

الحرب النفسية ومعركة الوعي مع العدو


      يخوض الغزو الغربي والصهيوني مواجهة واسعة ومتعدّدة المجالات مع الأمّة الإسلامية. وهو لا يترك فرصة إلاّ ويسعى فيها الدخول إلى عقولنا واحتلال مساحات منها، لتوجيهنا إلى الساحة أو المكان الذي يرغب بإشغالنا فيه ، حتى يتسنّى له إدامة السيطرة علينا وخلق الفتن والصراعات التي تؤكد استمرار وجوده وتأثيره علينا. وقد جاء استشهاد القائد السيد مصطفى بدرالدين مناسبة للأدوات الإعلامية المعادية، وخاصة تلفزيونات العدو وكبار المحلّلين عنده، لضخّ مادة إعلامية تضليلية سعت إلى تحقيق هدفين بشكل مباشر: الأول هو إحداث بلبلة وفتنة داخل الصف المقاوم؛ والثاني هو إحداث خلاف بين المقاومة وبيئتها وحلفائها.
      وهذا الواقع يؤكد مجدّداً أن ساحة معركة اختراق الوعي واحتلال مساحات منه هي ساحة أساسية لا يُستهان بها، وهي توازي المعركة القتالية في الميدان. والعدو لا يترك فرصة إلاّ ويحاول استخدامها لبلوغ أهدافه، لأنه إذا تحقّق له الوصول إلى ساحة عقولنا وعبث بها، يصبح من الصعب حينها الشفاء. لذا نحن نحتاج إلى قوّة استثنائية  تعيد تأثير ودور العقل للتفكير في ساحات جديدة قادرة على تطويرالأداء نحو خوض المواجهة وتحقيق النصر فيها.
       إن العدو الصهيوني، من خلال بثّه للعديد من الروايات والإشاعات، سعى ويسعى إلى جرّ المقاومة للساحة التي يريد، عبر دفعنا لتقديم المبرّرات ودحض ادّعاءاته. ويكون بذلك أدخلنا في المعركة التي يريد. ولكن حسناً فعلت المقاومة بعدم الاكتراث لسيل الأكاذيب والإشاعات التي يبثّها إعلام العدو وحلفاؤه.
     في هذا السياق، سعى العدو لاستغلال مسألة الشهادة ليصنع منها فرصة أو مدخلاً لاحتلال مساحة في وعينا والعبث بها؛ وبالتالي التأثير على المقاومين وصرف جهودهم  الى قضايا ثانوية لاتخدم أهداف المقاومة... فهو يسعى إلى تشويه وعينا ودفعنا إلى دائرة التشكيك في أيّ أمر نواجهه؛ وبالتالي نشر حالة من التذمرتأخذ جهداً كبيراً من طريق المواجهة والتفكيروالإبداع الذي يجب أن يذهب إلى عرقلة خُططه وأهدافه، وتحقّق عليه الانتصارات الواحد تلو الآخر، وصولاً إلى هزيمته بشكل نهائي.
       وحتى نُغلِق على العدو هذا الطريق لإحداث خرق في وعينا ، لا بدّ أن نعمّق فينا المناعة الإيمانية ونعزّزها بالمناعة الفكرية والأمنية والسياسية .... وبذلك نحفظ قدراتنا وقوّتنا، ولا نعطي للعدو أيّ فرصة لإحداث أيّ ثغرة للعبور منها لهدم مناعتنا الإيمانية والفكرية، ونغلِق النوافذ أمام أوهام هذا العدو ونفوّت عليه فرصة تحويلها إلى حقائق تخترق وعي المقاوم وعقله .
هذا الواقع يرتّب علينا الإنتباه إلى خطورة الإشاعة، كأداة للحرب النفسية التي لا يتوقف العدو عن استخدامها، كجزء من حربه الشاملة على الأمة وطلائعها المقاومة، مع الاستعداد الدائم للتحصين الذاتي في مواجهة مثل هذه الحرب حتى لا تشكّل مدخلاً لتثبيط المعنويات لأجل هزيمتنا. وهذا يقودنا إلى الإشارة بأن الإشاعة السياسية هي مجرد كلام يُسمع، وهو غير مدعّم بوثائق أو مستندات أو دلائل؛ وهي خبر يُدغدغ اهتمامات الناس، ويمسّ مخاوفهم ورغباتهم وتطلعاتهم وآمالهم ومراكزهم السياسية والاجتماعية والوظيفية .
      ويتناسب تأثير الإشاعة طردياً مع أهميتها ومدى غموضها، خاصة في ظروف الحرب والطوارئ والتوتر وحالات الهيجان الشعبي؛ وعكسياً مع قوّة المناعة والوعي والرقابة، وعدم الأخذ بالأمور دون تحقيقٍ وتبيّن " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا .."

      تُعتبر الإشاعة من أدوات الحرب النفسية وجزءاً أساسياً وهاماً منها، وتدخل ضمن أولويات وسياسات الدول باختلاف إيديولوجياتها، وتعدّد أشكالها وأساليبها ، حيث يُطلَق عليها أحياناً الحرب الباردة ، أو حرب الأعصاب … وغير ذلك. وتهدف الإشاعة بالدرجة الأولى إلى تحطيم معنويات الخصم ، والنيل من نفسية مواطنيه ، وحيث أنها تسبق الحرب الفعلية الشاملة  وتترافق معها ؛ وهي تهدف إلى زرع الإحباط واليأس لدى  الخصم  لإضعاف قدرته على  للمواجهة الفعلية في ساحات المواجهة المختلفة .
     ومن خصائص الوسط الذي تنمو فيه الإشاعة الغموض، وصعوبة الاتصال لنقل الحقيقة، وضعف الرأي العام، وضعف الحركات السياسية والإيديولوجية، واتساع القمع والاضطهاد الاجتماعي .
    وتأخذ الإشاعة طريقها انطلاقاً من وضع أومأزقٍ معيّن، أو حدث يكون محلّ إثارة وقابلية للبناء عليه، تشكيكاً وإثارة للتساؤلات. وهي تشمل المواضيع الحسّاسة: أمنياً وعسكرياً واقتصادياً وتربوياً واجتماعياً.
و تخاطب الإشاعة مشاعر وأحاسيس الناس وعواطفهم ووجدانهم، مع المسّ بالقِيم والأعراف السائدة. ويلاحظ ضعف الوضوح في التفاصيل الجزئية للإشاعة بما يساعد على نشر بذور الشكّ والريبة.
ومهما تكن الإشاعة ، فمن الواجب محاربتها من خلال ما يترتب عليها من نتائج لا تخدم أحدا،ً علماً بأنها تنتشر تلقائياً، وينطبق على مروّجها القول المأثور: " إنك تستطيع خداع بعض الناس طوال الوقت وكلّ الناس بعض الوقت ، ولكن لن تستطيع خداع كلّ الناس طوال الوقت". ويُلاحَظ  أن توفّر عنصر الخوف الفردي والجماعي والقلق يجعل الفرد أو الجماعة أكثر استعداداً لالتقاط الأقاويل ونشرها والزيادة عليها- قانون الحذف والإضافة في علم النفس الاجتماعي.
       تحمل الإشاعة في طيّاتها بذور الحقد والكراهية. وهي تعمل عمل الطابور الخامس، وتوجّه من قِبل مجموعة هدفها التأثير في المجتمع وتفتيت وحدته. ويُشبّه البعض تراكم الإشاعة بكرة ثلجية ؛ وهي تعمل على بلبلة الأفكار وتسميم الانفعالات وتهييجها. كما تعمل على تفتيت تماسك الجماعات والأحزاب والكتل السياسية والاجتماعية والتحالفات الاقتصادية والعسكرية، من خلال التصيّد في الماء العكر.
و تعتمد الحالة النفسية وقدرة متلقّي الإشاعة على شخصيته وقدرته على مواجهة الموقف.
   وفي النتيجة، الانسان هو مركز الشائعة: كائناً متنقلاً متصلاً بغيره - من فم - متكلّم إلى أذن- سامع، وهكذا. ولكن هناك مراكز مساعدة لنشرها، كالصحافة والإعلام والإذاعات ...  
      ترتبط الإشاعة بالحرب النفسية، التي هي فنّ التأثير في عواطف واتجاهات وعقائد وسلوك جماعات معيّنة ، قد تكون عدائية أو محايدة أو صديقة، لتحقيق أهداف وسياسة الدولة أو الجماعة التي تستخدم الحروب النفسية لفرض الإرادة على العدوّ بهدف التحكم في أعماله وأفكاره ومعتقداته. والحروب النفسية جزء أساسي من الحرب الشاملة؛ فهي تُشنّ قبل الحرب الفعلية وتمهيداً لها ، وفي أثنائها للتأكيد عليها ، وفي أعقابها تركيزاً لها .
والحرب النفسية لا تخضع لرقابة القانون ولا التقاليد العسكرية. بل هي عملية مستمرّة وبعيدة المدى، ومن الصعب تقدير نتائجها، لأن تأثيرها قد يظهر بعد شهور أو سنوات من تنفيذها. ولهذا يصعب تقدير أثرها تقديراً كمياً .
    كذلك تنشب الحروب الفعلية لتحقيق تعديل أو تغيير في الاتجاهات السائدة والآراء ، كما حاولت "إسرائيل" تحقيقه في حروبها لتصويب أفكار "اليهود" وتحويلهم للإيمان بحقّهم في (أرض الميعاد) و(أرض الآباء والأجداد) من خلال تزييف الحقائق وتزويرها .
     كما تعمل الإشاعة على النيل من الروح المعنوية والتقليل من الاستعداد النفسي للحرب، وإضعاف روح الإصرار والحماس والتصميم والعزم والإرادة، من خلال خلق القصص وتزييف الأنباء وتحريفها ، والمبالغة في سرْد الحقائق وتجسيمها، واستغلال الأحداث الجارية والأمور العارضة، واستغلال الدوافع والقِيم الإنسانية، واستخدام عقائد الجماعة ومُثلها وقِيمها وتراثها .
     وتعمل الإشاعة على نشر الأخبار بطريقة مستمرّة لمساعدة السياسة الخارجية على تحقيق أهدافها، ولرفع سمعة الدولة ومكانتها والحصول على تعاطف الدول وتأييدها، للحصول على المعونات الاقتصادية والتبادل التجاري والاتصالات الودّية وتبادل الزيارات والمبادرات الرياضية .
       أيضاً، تضرب الحرب النفسية ضدّ جيوش العدو وقواعده في ميدان القتال وفي قواعده ومعسكراته، وضدّ المدنيين الذين يعيشون في مناطق القتال .
   وتُعتبر الحرب النفسية  والإشاعة أكثر خطورة من الحرب الفعلية، لأنها تستخدم أساليب ُمتعدّدة، وتستهدف التأثيرعلى أعصاب الناس ومعنوياتهم ووجدانهم،  وتتسلل الحرب النفسية إلى النفس دون علم الشخص،  وهي تتّصف بالديمومة لأنها تُمارَس في أوقات السلم والحرب .
       الحرب النفسية إذاً هي جزء من الحرب الشاملة، وتُستخدم قبل المواجهة العسكرية الفعلية وأثناءها، وبعدها لخدمة أهداف معيّنة في كلّ مرحلة، وتصبّ في محصّلتها في بوتقة النصر وتحقيق الهزيمة للعدو. فالإشاعة تُستخدم قبل الحرب للتمهيد لها وتهيئة الأجواء وإرهاب الخصم، جيشاً وشعبا،ً وأثناءها للتأثير على مجريات سير المعركة وإضعاف قدرة العدوّ على مواصلتها والتأثير سلباً على معنويات جنوده؛ وتتواصل لما بعدها للحفاظ على المكاسب وثني العدو عن التفكير في مواجهة جديدة. وإذا كانت للحرب العسكرية قواعد وأسس تحكمها، فإن الحرب النفسية لا تخضع للقوانين وتقاليد حربية معيّنة، ونتائجها غير مباشرة، ويصعب تقديرها بلغة الكمّ .
       وفي هذا النوع من الحرب يختفي الأعداء وراء الدين والصحافة والإذاعة والأحداث، لإحداث تغيير نفسي لدى الأعداء وتعديل آرائهم وأفكارهم، وذلك باستخدام الإشاعة وخلق القصص وتزييف الأنباء وتحريفها، والمبالغة في سرْد الحقائق واستغلال الأحداث والقضايا العارضة والقِيم الإنسانية والعقائد، ونشر أخبار مضلّلة لخداع العدو وبثّ الدعاية السريّة .
       وتهدف الإشاعة إلى إشاعة الفرقة والانقسام وزيادة الهوّة بين الجماهير وقيادتها وطلائعها وحلفائها، وكذلك بين الجنود والقادة وبين الأحزاب والطوائف وأرباب الشيع والمذاهب، واستنفاذ الطاقات في حلّ الخصومات والصراعات الداخلية. وكذلك إضعاف إيمان الجماهير بقضيتها وأفكارها ومبادئها، وإضعاف الثقة بالنفس وزعزعة الأمل في النصر .
      كان الغزو الغربي والصهيوني يهدف منذ البداية الى إزاحة الإيمان من عقولنا وقلوبنا، لكي يتسنّى له سلبنا حصانتنا المعنوية والنفسية، ويتمكن من سوقنا إلى الدروب التي يريد، ممّا يتيح له احتلال أرضنا واستغلال ثرواتها، وصولاً إلى استبعاد إنساننا واستغلاله أبشع استغلال في حروبه وفتنه، وحتى لا تكون هناك إمكانية للنهوض والتصدّي له واكتساب عوامل القوّة  مجدّداً لفرض الهزيمة عليه وتطهير عقولنا وأرضنا من دنسه وانحرافاته.
 لذلك، يشكّل الإيمان والوعي سلاحنا الأول والأساس في مقاومة ذلك الغزو بكلّ أبعاده. وفي اللحظة التي يتزحزح الإيمان من صدورنا سوف يتمكن أعداؤنا من الولوج إلى وعينا واستغلاله وتوجيهه بعيداً (ومن يعشُ عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطاناً فهو له قرين).فكلّ مساحة نتركها يستطيعون احتلالها والعبث عبرها بما تبقّى لدينا من إيمان يشكّل سلاحنا المعنوي الذي يحصّننا من اليأس والقنوط والاستسلام (فلا يأس مع إلايمان ).
إن الايمان هو الذي يدفعنا باستمرار للتصدّي والمقاومة. ولذلك، هو هدف دائم من قبل العدوّ للتدمير في نفوسنا. وهو الذي يعزّز فينا روح المقاومة والجهاد لخطط الأعداء، الذين لا يتركون فرصة، مهما كانت ضئيلة، إلاّ ويسعون عبرها للتخريب في هذا المخزون الذي نمتلك، لإدراكهم أن هزيمة إيماننا وقناعاتنا هي المدخل لهزيمتنا مادياً والسيطرة علينا واستغلالنا، عبر فرض واقع التبعية علينا في كافة المجالات .

محمود إبراهيم
باحث فلسطيني


2016-06-10 10:40:09 | 2761 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية