التصنيفات » مقالات سياسية

اجتياح لبنان 82 وانقلاب السحر على الساحر



 
ظهر الرابع من حزيران K1982 كنت مع ثلّة من رفاق الدرب، الذين أذكر منهم الصديق ماهر الطاهر، تحت ظلّ خيمة تقينا من شمس منطقة "حلوة" البقاعية على الحدود اللبنانية -  السورية. سمعنا صوت حركة طائرات كثيفة في السماء؛ فتحنا المذياع وإذا بأنباء عن اجتياح عسكري صهيوني واسع للبنان. لم أدرك في تلك اللحظة أننا سنكون أمام أطول عدوان عسكري صهيوني(82يوماً) ، أو أننا سنشهد نتائج جذرية ستقلب معادلة الصراع مع المشروع الصهيوني. لكنني ربطت مباشرة بين تاريخ هذا العدوان الصهيوني وتاريخ العدوان الصهيوني على مصر عام 1967 خاصة وأنني قبل أيام كنت في بيروت أتحاور (بصفتي مسؤول اللجنة العربية في الدائرة السياسية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) مع بعض قياديي حركات التحرّر العربية الذين كانوا في بيروت على هامش نشاط للمؤتمر الشعبي العربي، حول آثار زلزال نكسة حزيران 67 وانعكاساته العميقة والتدميرية على الواقع العربي وعلى مسار الصراع مع المشروع الصهيوني ككل .
في حينه ، "الانتصار" السريع والسهل الذي حقّقه الجيش الصهيوني (بتحالفاته الإستعمارية، وتواطؤ بل تآمر بعض النظام الرسمي العربي معه) على ثلاثة جيوش عربية، وأساساً على الجيش المصري "جيش جمال عبد الناصر" الذي كان محطّ آمال كلّ أحرار العرب ، أصاب الكثيرين بالإحباط والقنوط ؛ فكان الردّ الشعبي الفلسطيني، في ظلّ احتضان عربي واسع، بالالتفاف حول العمل الفدائي الذي كانت بداياته قد انطلقت عام 1965. لقد كان هدف عدوان يونيو 67 تحطيم مشروع "جمال عبد الناصر" كمشروع نهضوي تحرّري يشكّل خطراً على المشروع الصهيوني، ولو بعد حين؛ فقادة المشروع العنصري الصهيوني يدركون أن مشروعهم الذي تأسّس عبر القوّة والإخضاع لا يمكن أن يستمرّ إلاّ بالقوة والإخضاع؛ وهذا غير ممكن إلاّ بمنع الفلسطينين، كما العرب والمسلمين الرافضين لمشروعهم، من امتلاك مقوّمات القوة والتمكين، بأي مستوى.
لكن إرادة التحدّي والصمود ورفض الخضوع ، دفعت طلائع الشعب الفلسطيني لتصنع من النتائج الكارثية لعدوان 67 فرصة لتجذير آليات مقارعة العدو، حيث التحق الآلاف من الشباب الفلسطيني والمئات من الشباب العربي والعشرات من شباب العالم الإسلامي وأحرار العالم، بقواعد الفدائيين في أغوار الأردن، مؤكدين للقتال والشهادة في سبيل فلسطين.
لكن المؤسسة العسكرية الصهيونية التي كانت مُنتشية بانتصارها عملت على تحطيم ظاهرة العمل الفدائي الفلسطيني وسحقه، فكانت معركة الكرامة، حين تمكن الفدائي الفلسطيني من الصمود وإجبار المعتدين الصهاينة على التقهقر إلى خلف النهر؛ وكانت الهزّة الأولى لأسطورة الجيش الذي أرادوه  لا يُقهر .  ولكن للأسف بين معركة الكرامة والعدوان على لبنان 82 جرت تطورات كثيرة؛ فالعدو الصهيوني ازداد تمكناً وقوّة عن طريق الدعم اللا محدود من قِبل الولايات المتحدة، التي توطدت العلاقات بينها وبين الكيان الصهيوني بشكل دراماتيكي بعد "انتصار" عام 67 . ومن ثمّ ظهرت مقولات: "إسرائيل أرخص حاملة طائرات"؛"إسرئيل كنز إستراتيجي"؛ "إسرائيل حليف موثوق وقادر". أما على الجانب العربي، فقد خسر العرب قيادة جمال عبد الناصر ، وتضعضع المشروع القومي ، وتعزّزت النزعة الكيانية ، ولعب البترولار دوره في افساد النفوس ، مؤثّراً بشكل سلبي على مسيرة الثورة الفلسطينية ، فلم يعد وارداً الإعداد والاستعداد لاستكمال مسيرة الكفاح المسلّح كسبيل أساسي في مواجهة العدو الصهيوني ، وبدأت تتسلّل ذهنية المساومة أوالمواءمة مع التوجهات الأمريكية تجاه المنطقة ، ومنها البحث عن " تسوية" تعطي الفلسطينيين "دولة" فوق الأراضي التي احتُلّت عام 67 مقابل تنازلهم عن حقّهم الطبيعي والتاريخي في الأراضي التي اغتصبها الصهاينة عام 48. وقد أقرّت منظمة التحرير برنامج النقاط العشر السيّء الصيت، والذي بموجبه لم تعد ترفض القرار 242 ؛ وكرّت بعده سبحة التنازلات.. ولم تفلح تضحيات وبطولات الجنود والضبّاط العرب على الجبهتين المصرية والسورية ، خلال حرب 73، في وقف مسلسل التراجعات العربية ، حيث تمكن العدو الصهيوني من اصطياد مصر السادات بشباك "وهم" التسوية، فكانت اتفاقية كامب ديفيد وخروج مصر من معادلة الصراع مع المشروع الصهيوني ] 1978-1979[.
وقعت في آذار 1968 حين حاولت قوات العدو الصهيوني احتلال نهر الأردن. وفي قرية الكرامة تحديداً، واجه فدائيون فلسطينيون قوات العدو موقعين فيها خسائر كبيرة، ما اضطرّها إلى الانسحاب من أرض المعركة.
لكن حساب الحقل لم يكن ليتطابق مع حساب البيدر; المشروع الصهيوني ،كمشروع اقتلاعي إحلالي، يدرك أن صراعه في فلسطين والمنطقة العربية الاسلامية ذات طبيعة عقدية وحضارية وتاريخية، تشمل كافة أبعاد الصراع. وهو تعامل مع المشروع المسمّى"حل الدولتين" كما مع باقي مشاريع التسوية بهدف التضليل وكسب الوقت، ليستكمل مشروعه القائم على تهويد كامل فلسطين وتحويلها إلى مركز للهيمنة والسيطرة على المنطقة العربية الإسلامية: أرضاً ، شعوباً وثروات .
وهنا يجب ألاّ نغفل عن أن المقاومة الفلسطينية في تلك المرحلة كانت قد تمكنت  من صيانة الهوية الفلسطينية من التبديد، حيث تبلورت "منظمةالتحرير الفلسطينية" كحركة تحرّر وطني جرى استقبال رئيسها على منبر الأمم المتحدة . ولكن، حتى هذا الإنجاز على تواضعه ، لم يتمكن العدو الصهيوني من احتماله ، حين إستغل تردّي الواقع الفلسطيني وحالة الفوضى العارمة في لبنان والضعف العربي ، والحرب العبثية الكارثية التي شُنّت حينها على الثورة الإسلامية الفتية في إيران ليجتاح لبنان في حزيران 1982 .
ورغم السلبيات التي ذكرنا سابقاً ، فقد قدّم الشباب المقاوم في لبنان من فلسطينيين ولبنانيين وعرب ومسلمين ومن أحرار العالم، كما أبطال الجيش السوري وجيش التحرير الفلسطيني، نماذج استثنائية في الصمود والمقاومة والتضحية. ولا أحد يستطيع أن يُنكر البطولات التي سطّرت في مخيّمات صور وصيدا وقلعة الشقيف، ومحاور الدامور ومثلّث خلدة وبحمدون وعين دارة والسلطان يعقوب. ولاننسى أيضاً ملحمة بيروت وحصارها لأكثر من 80 يوماً، في ظلّ قصف برّي وجوّي وبحري لا يتوقف.
لكن، كلّ هذه البطولات والتضحيات لم تحجب خطورة هشاشة وعجز بُنية الثورة الفلسطينية عن مواكبة تطورات الصراع ومتطلبات إدامة الإشتباك مع العدو الصهيوني بالمقاومة الشعبية المسلّحة؛ فهي الطريقة الوحيدة التي تتاسب مع طبيعته واستهدافاته .
لقد تمكن العدو من تحقيق الأهداف المباشرة لعدوانه على لبنانفي العام 1982 والتي كانت تتمثل في : 
1- إخراج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان.
2- توجيه ضربة قاصمة للجيش العربي السوري، وإجبار سورية على الانسحاب من لبنان .
3- فرض نظام حكمٍ موالٍ لأمريكا في لبنان ، يوقّع معاهدة إذعان مع "إسرائيل" .
ورغم دخول قوّات "المارينز" الأمريكية والقوات الخاصة الفرنسية لدعم الوجود الصهيوني في لبنان، تحت حجّة حماية النظام الذي وقّع إتفاق 17أيار ، فقد اضطرّ الجيش الصهيوني تحت وطأة ضربات المقاومين للتقهقر من معظم الأراضي اللبنانية بعد فترة وجيزة ، وليقتصر التواجد الصهيوني العسكري على قرى الجنوب اللبناني وغرب البقاع، والتي تم تحريرها في مايو/ أيار عام 2000، باندحار الجيش الصهيوني وهروب عملائه دون قيد أو شرط .
لقد تمكنت المقاومة في لبنان، وعمودها الفقري "حزب الله"، من قلب "السحر على الساحر" فالعدو الصهيوني الذي اجتاح لبنان فوجئ بمقاومة من نمط جديد، تملك قيادة نوعية ناضجة تتّكئ على عمق تحالفي راسخ مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومع الجمهورية العربية السورية؛ ناهيك عن تمكّنها من كسب تأييد قطاعات واسعة من الشعب اللبناني والشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية؛ وهي مقاومة لاتعرف المساومة ، استطاعت إدامة وتطوير سُبل مقارعة العدو وملاحقته والإشتباك المفتوح معه، بما وضع الجيش الصهيوني في حالة استنزاف دائم، فبات بقاؤه في لبنان عبئًا عسكرياً واقتصادياً ثقيلاً عليه، حيث تجاوزت كلفته مردوده، فلم يعد أمامه من خيار إلاّ الاندحار في العام 2000 جاراً أذيال الخيبة والعار وراءه .
إن أبطال حزب الله حوّلوا اجتياح 82 من تهديد للبنان ومدخل لتصفية القضية الفلسطينية ، وفرض الإستسلام على العرب أجمعين، إلى فرصة لإلحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني وصولاً لتصفيته نهائياً . وقد تعلّم الدرس شباب فلسطين ،الذين عملوا لاغتنام الفرصة وفجّروا انتفاضة الأقصى المبارك في نفس عام الاندحار الصهيوني عن لبنان؛ ولكن للحديث عن هذا المسار فرصة أخرى. 


وليد محمد علي
باحث فلسطيني





2016-06-11 10:45:32 | 2462 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية