التصنيفات » مقالات سياسية

العدو الصهوني والتحدّيات الأمنية الإستراتيجية




       تعاني "إسرائيل" من تناقضات عميقة في إدراكها الاستراتيجي. فأمنها يعتمد على مبدأ القوّة العسكرية الذي تتآكل فعاليته وجدواه السياسية. وتحالفاتها الخارجية تضعف لأن العالم يزداد انفتاحاً وهي تزداد انطواءً.
     فبينما تنشغل دول العالم كافة في وضع استراتيجيات لمواجهة التحدّيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحتملة لتطوّرها ولشبكة علاقاتها الداخلية والخارجية، فإن كيان العدوينفرد بشكل دائم بقضية "الوجود في حدّ ذاتها"؛ إذ لا يجري الربط بين التطورات الكبرى في شبكة الحياة الدولية وبين انعكاساتها على الأنساق الفرعية في الدولة والمجتمع. بل تقفز إلى أثر ذلك على "بقائها ووجودها كدولة".
     ورغم استراتيجيات "الدفاع الاسرائيلي" لمواجهة التطوّر التكنولوجي (مثل القبّة الحديدية لمواجهة صواريخ من قطاع غزة أومن لبنان أوغيرهما)، فإن تطوّر القدرات الصاروخية في إيران يعمّق المأزق الإسرائيلي الاستراتيجي.
 كما أدّى حصول إيران على تكنولوجيا نووية سلمية  إلى كسر الاحتكار النووي في الإقليم. وتحوّلت البيئة الاستراتيجية الاسرائيلية إلي بيئة فعّالة لغير صالح العدو، ممّا أفقده التفوّق الاستراتيجي الذي كان يتبجّح به دائماً.
    كانت محدّدات البيئة الاستراتيجية في المنطقة بالنسبة للعدو تركّز على ضمان أمن "اسرائيل"، ومنع قيام أية قوّة عسكرية مجاورة تهدّد الاستراتجية الغربية أوتشكّل تهديداً للكيان الصهيوني. وبعد الحرب الباردة برزت قضية محاربة الاسلام الراديكالي (أي المقاومة) كهدف مشترك بدل محاربة الشيوعية؛ وهوماكفل استمرار عملية الاصطفاف مع الاستراتيجية الغربية، خاصة الأمريكية منها.
       لكن بعد التحوّلات الاستراتجية في المنطقة بتأثير الفوضى القائمة في الدول الرئيسية التي شهدت ما يُسمّى بالربيع العربي، وإبرام الاتفاق النووي مع الجمهوريه الإسلامية، وانتصارات المقاومة في لبنان وفلسطين، وحصول انقلاب في الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على مرتكزات الحرب الخاطفة والحرب على أرض الخصم، مع فقدان القدرة على تحييد "الجبهة الداخلية" للكيان، أصبح العدوأمام تحدٍ استراتيجي، يسعى إلى تعويضه اليوم عبر تشكيل ائتلاف مع الدول المجاورة له في الإقليم، خاصة مصر والأردن ودول الخليج، وعلى رأسها السعودية، لاستنزاف المقاومة والجمهورية الإسلامية، ومحاولة زرع قواعد "دفاعية" صاروخية متقدّمة في الدول المجاورة للجمهورية الإسلامية، وكذلك نصب قواعد إنذار مبكرة ضدّ الصواريخ، بموازاة التراجع عن "حلّ الدولتين" والذهاب إلى تسوية الوضع الفلسطيني في إطار اقليمي، لإبقاء المعركة بعيدة عن الكيان.
      لقد أصبحت الجمهورية الإسلامية، كخصم أيديولوجي للكيان، تشكّل تحدّياً وجودياً له في إطار محور المقاومة. لذلك، يسعى العدو إلى افتعال مشاكل بعيدة عن حدوده بدعم وتعاون من الحلفاء الدوليين والإقليميين له، بهدف استنزاف أعدائه بعيداً عن جبهته الداخلية أو عن المواجهة المباشرة؛ وذلك بوسائل متعددة، منها إثارة الفوضى وتصعيد عوامل الصراع الداخلي عبر إثارة النزاعات المذهبية والعرقية داخل البيئة المعادية له.
     واليوم، يسعى العدو حثيثاً وراء سدّ الثغرات التي تفرضها علية التطورات الإقليمية، خاصة بعد أن أفشلت المقاومة استراتيجيته الأمنية وفرضت عليه تحدّيات جديدة ومعادلة استراتيجية تستجيب لتحدّيات غير مسبوقة على الصعيد الأمني، وتعمّق مأزقه الوجودي. فقد تحولت الجبهة الداخلية عنده إلى جزء من ساحة الحرب بفعل قدرات المقاومة الصاروخية، الأمر الذي أسقط نظرية تحييد الجبهة الداخلية التي نجحت خلال حروب جيش العدو مع الجيوش العربية، وجعل نظرية نقل المعركة إلى ساحة الخصم غير ذي جدوى. كما فرضت عليه المقاومة تحدّي صعوبة نقل الحرب إلى ساحة الخصم عبر فرض خيارات قتالية غير تقليدية في مواجهة حرب العصابات، ومن خلال مجموعات صغيرة، أوعبر القتال المتحرّك وعدم التقيّد بالإمساك بخطوط دفاعية ثابتة؛وهوما استجلب تحدّياً آخر لنظرية (الحرب الخاطفة) التي اتبعها مخطّطو النظرية الأمنية الصهيونية. فهذه النظرية قد تنجح في مواجهة الجيوش النظامية وعبر ضمان تفوّق نوعي عليها، إلاّ أنها عجزت أمام المقاومة. وزاد من التعقيدات أمام الكيان عدم قدرته على الاحتفاظ بالتفوّق العسكري في البعدين التقليدي وغيرالتقليدي(نووي؛ كيميائي؛ بيولوجي)!
      إن وجود كيان العدوفي حالة تهديد دائم بسبب عدوانه جعله محتاجاً باستمرار إلى حليف دولي قوي لحمايته. وقد تنقّل هذا الحليف من بريطانيا إلى أمريكا؛ ومقابل ذلك، قدّم الكيان نفسه كوكيلٍ لخدمة مصالح حليفه في المنطقة، حيث تحوّل فعلياً إلى أداة من أدواته، ومع ذلك، بقي الكيان الصهيوني في حالة استعداد دائم لمواجهة التهديدات المستمرّة التي تواجهه ككيان غريب أوكغدّة سرطانية في المنطقة.
      ومع تراجع فعالية الحليف، وإلى حدٍ ما، انتقال اهتماماته إلى مناطق أخرى، وترافق ذلك مع تحوّلات وتحدّيات استراتيجية في المنطقة، يسعى العدوإلى تعويض حاجاته عبر استخدام حلفائه الإقليميين الذين اضطرّ لكشف عمق علاقاته بهم مؤخراً.
  واليوم، تدرك "إسرائيل" أنها لم تعد قادرة على مواجهة كلّ التحدّيات والتهديدات بواسطة الحلّ العسكري. فالتهديد من قِبل الفلسطينيين هو خطر وجودي؛ وتهديد حزب الله خطر أيديولوجي؛ كما أن التهديد الإيراني الذي يشكّل تحدّياً إقليمياً هو تهديد وجودي راهن ومستقبلي.
      والعدو، بسبب عدم توفّراستقرار استراتيجي لديه، لايمكن له أن يغيّر سلوكه  العدواني. وهولا يملك القدرة على إيجاد حلّ وسط مع الفلسطينيين، ولا إحداث تطبيع حقيقي في علاقاته مع العالم العربي.
    وفي الخلاصة، إن العدو اليوم يعيش في بيئة استراتجية مختلفه ومتحدّية له وهو يسعى إلى تأجيل أوعرقلة هذا التحدّي عبر استنزاف أدواته الاحتياطية في محاولة لإبعاد المعركة المباشرة عنه وتأجيلها. لكن المعركة مع هذا الكيان على أصل وجوده قادمة مهما طال الزمن؛ وهي تقترب مع سرعة التحوّلات الجارية في الوضع الدولي والإقليمي.



حميد مصطفى
باحث إيراني






2016-06-14 12:24:31 | 2750 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
تعليقات القراء 1 تعليق / تعليقات
Elena : احسنتم 2016/07/28 | 15:39د
شكراً لجهودكم ...

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية