التصنيفات » مقالات سياسية

عالمٌ ينهار.. عالمٌ ينهض.. سورية بوّابة النظام العالمي الجديد !



منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تحاول أميركا إعادة تركيب النظام العالمي على نحوٍ تحفظ فيه هيمنتها على العالم وتطيل عمر امبراطوريتها، على رغم إصابتها بالشيخوخة المبكرة على يد " فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى... "
وفي هذا السياق، لجأت أمريكا في العقد الماضي إلى السيطرة مباشرةً على منابع النفط والغاز في العالم العربي، وسعت إلى إنهاء الأزمات، فيه عبر واجهة أوعنوان "عملية السلام"، وأعادت تركيب أوروبا الشرقية بما يضمن وصول الأطلسي إلى بوّابات موسكو!
لكن، ومع إطلالة الألفيّة الجديدة، بدا أنّ المحاولات الأميركية لم تؤتِ أكلَها. فهناك قوى كثيرة منافسة لها ظهرت على الساحة الدولية، وتريد أن تحجز لنفسها دوراً في صناعة مستقبل العالم : الصين، الهند، البرازيل، روسيا، فنزويلا، الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ إضافة إلى قوىً غير مصنّفة كدول، مثل حزب الله اللبناني...
وزاد الطين بلّة سقوط الأنظمة الحليفة في أميركا اللاتينية، أي "الحديقة الخلفية" لأميركا، وارتفاع أسعار النفط والارتدادات السلبية للعولمة، ما أجبر الغرب على العودة إلى السياسات "الحمائية".
وجاءت أحداث (تفجيرات) أيلول/ سبتمبر2001 في الولايات المتحدة ومعها تجدّدت المحاولات الأميركية لتعزيز الهيمنة، عبر السعي لإطاحة الأنظمة «المارقة» في المنطقة: سورية وإيران والعراق، ومحاولة نقل أنظمتها من ضفة إلى أخرى، و"تغريب" سائر الدول الحليفة في المنطقة أكثر فأكثر.
أطيح بنظام صدام عام 2003، وهنا بدأت المعركة الكونية التي لا نزال نشهد فصولها، وأخطر أدواتها العسكر  والمنظمات غير الحكومية والحروب الناعمة والضغوط الاقتصادية، وكل أشكال الحروب النفسية والاستخبارية التقليدية و المتجدّدة .
لقد خسرت واشنطن حروبها الخاصة كلّها لإعادة إحياء الامبراطورية الأميركية وإنقاذها من شيخوختها المبكرة، منذ زمن بوش الابن، وذلك بدءاً من أفغانستان فالعراق، ووصولاً إلى سورية، والتي كانت آخر محطّاتها ليلة الثالث من سبتمبر/ أيلول 2013، اضطرّت أوباما لتجرّع كأس السم، عندما أجبر صمود جيشها وشعبها ونظامها أوباما على التراجع عن شنّ العدوان على سورية في العام 2013،  كما اعترف مؤخراً في مقابلته الموسّعة مع وكالة بلومبرغ.
وقد لجأ أوباما إلى أسلوب جديد حين تغزّل بإيران باعتبارها نظاماً إقليمياً «جدّياً» غير انتحاري، ويفكّر على نحوٍ براغماتي أو عملاني، ويتصرف استراتيجياً بطريقة الربح والخسارة على مائدة المفاوضات.. ولذلك لجأ إلى خيار الحوار معنا، مثلما وصف ساكن البيت الأبيض إيران في مقابلته الشهيرة مع مجلّة ذي أتلانتيك في العام 2015 قبل توجّهه لمقابلة الملك السعودي الراحل عبد الله؛ ولمّا كان التوجه لدى أوباما مستمراً لرعاية "ثورات" كانت قد اجتاحت المنطقة تحت مسمّى (الربيع العربي) ضمن مخطّط استعادة الهيمنة الأميركية، كان لابدّ من  نهايةٍ  لهذا المطاف  على أبواب سورية، وتحديداً عند عرين الأسد، حين إضطرّ أوباما لقبول بقاء الأسد على المسرح الدولي لاعباً مفروضاً كما أبلغ سلطات الرياض وعمّان وأنقرة في رسائل وإشارات متعدّدة؛ وبعضها اضطرّ أوباما لزيارتها، فيما أرسل إلى بعضها الآخر مبعوثين  لهذا الغرض.

وهكذا اتّضح سريعاً لكلّ من يعنيه الأمر في العالم أن ما يحصل في المنطقة ليس انتفاضات حقيقية لشعوب بقدر ما هي موجات حراك موجّهة، هدفها استعادة إدارة أوباما لأهداف بوش  القاضية بالإمساك بالمنطقة، ولكن بأساليب جديدة بهدف استعادة هيبة واشنطن في العالم وانتزاعها ما لم تحصل عليه  بالحرب عبر نافذة السياسة ....!
لقد تحوّلت سورية إلى ميدان اختبار تسعى فيه القوى العالمية الجديدة إلى تكريس موقع حيوي لها من خلاله على المسرح الدولي، انطلاقاً من سقفٍ كانت دمشق وحلفاؤها هي من تحدّده باستمرار، والتي تتقدّمهم روسيا.
هذه القوى أدركت عجز أميركا عن خوض معارك كبرى، وجديّة نزعتها إلى الانكفاء، التي تجعلها تسرّع الخطوات لترتيب أوضاعها في بؤر التوتر الخارجية، خصوصاً مع وفرة الاكتشافات النفطية في الداخل الأميركي التي غيّرت أولويات واشنطن، ومع انتقال الاهتمام الأمريكي إلى الشرق الأقصى، حيث الحرب اقتصادية وليست عسكرية. وقد  كانت خطوات هذا "المارد المنكسر" الثلاث على النحو التالي:
1.    الانكفاء وإعادة تموضع القوات الأميركية والصعود إلى السفن بعد خسارة ثلاث معارك أساسية مع محور المقاومة: في البرّ عام 2000، وفي الجوّ عام 2006، وفي البحر عام 2013، يوم أُكره أوباما، بعد فشله الذريع في اختراق عرين الأسد وضرب بوّاباته، على تجرّع كأس السم الأخطر في حياته، ليلة الثالث من أيلول/ سبتمبر عام 2013.
2.    الشروع في حروب الفتن المتنقلة بالوكالة، من خلال تحويل سورية إلى منطقة نفايات «القاعدة» وداعش، وإلى حقل تجارب للصراع مع القوى الدولية والإقليمية المزاحمة والمنافسة.
3.    تقليص وحدات الجيش الأميركي إلى مستوى ما قبل الحرب العالمية الثانية لعدم الحاجة إليها في مناطق انتشار النفوذ ( كما ورد في ميزانية البنتاغون للعام 2015)، وتحوّل حكّام الدول التابعة إلى مشغّلين وخدم وأُجَراء للسياسات الأميركية، حيث يدفعون هم الثمن لأسيادهم كي يستعبدوهم.

وهكذا تظلّ سورية عقدة شدّ الحبال بين قوىً صاعدة وأخرى آفلة، والتي تُشَنّ على أرضها حروب بالوكالة بين الدول الكبرى؛ أميركا وروسيا من جهة، وهي صارت بمثابة ساحة صراع بين مشروعين: أحدهما يعتبر «إسرائيل» العدو، والآخر يعتبر إيران العدو. وهذه حرب لو انتصرت فيها أميركا لظهرت بمثابة الزعيم العالمي الأوحد، وذاك ما لم ولن يحصل.
في المقابل يشدّد محور المقاومة، كما كان دوماً بأن "إسرائيل" ما تزال هي العدو. وهذا المحور بدأ رحلة النصر عملياً مذ هزم المشروع الأمريكي في سورية؛ وهو ما سيكرّس روسيا وإيران كقوّتين موازيتين لأمريكا، ولديهما مناطق نفوذهما، وحقّ النقض على مستوى العالم، ما يعني ظهور تعدّدية قطبية بعد حرب عالمية باردة جديدة بين موسكو وواشنطن، لن يكون المنتصر فيها إلاّ مَنْ تحالف مع المشهد الدمشقي المشهور، والذي أطلّ يوماً من قصر الشعب السوري ولسان حاله يقول: «الشام خطّنا الأحمر ومعراجنا إلى السماء».
إن ما حصل في  تجربة أزمة أوكرانيا خير دليل على هذا التقدير، إذ أرادت واشنطن منه ما يلي :
1.    الاقتراب من قلب القيصر الروسي الطامح بالرصاص الحيّ.
2.    الاحتواء المزدوج لكلٍ من روسيا وأوروبا.
3.    استخدام أوكرانيا كورقة للمقايضة مقابل سورية.
لكن هذا القرار الأميركي المستعجل وغير المدروس والمتخبّط  في حينه، جعل روسيا هي التي تقدِم هذه المرّة على تغيير خريطة أوروبا بدلاً من الغرب، كما حصل في حرب يوغسلافيا السابقة. وكان من  أبرز معالم هذا المسار الروسي ولادة دولة القرم بشهادة ميلاد سورية، وبعد معارك القلمون الكبرى تحديداً ....!
لقد وهكذا أضحت سورية هي الولّادة التي من مخاضها سيتبلور نظام عالميّ جديد، كما يعتقد الكثير من الخبراء الاستراتيجيين والمحلّلين السياسيين، وهو مطبوعٌ بعبق ياسمين الشام !

                                                                                                               محمد صادق الحسيني
                                                                                              باحث في الشؤون الإستراتيجية


2016-06-23 22:51:07 | 2701 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية