التصنيفات » مقالات سياسية

حرب تموز 2006..ومشروع الشرق الأوسط الجديد



       الانتصار هو إرادة. ولكي تتنصر عليك أن تمتلك إرادة الانتصار. فلا يمكن تحقيق انتصار مادّي  لمن يفتقد لإرادة الانتصار. والمقاومة هي إرادة استثنائية  للمواجهة مع العدو في زمن الانكسار. ولأن المقاومة تحمل روح التفاؤل الدائم والهجوم الدائم، فهي تتحرّك متسلّحة بإرادة الإنتصار مهما طال الزمن وصعبت الطريق  .
وهوما انعكس في تصريحات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في بداية العدوان الصهيوني على لبنان عندما قال: "نحن أمام خيارين: إما أن نخضع للشروط التي يريد العدو إملاءها علينا بدعم دولي وأميركي، وللأسف عربي، والتي تعني إدخال لبنان في العصر الإسرائيلي.. وإما أن نصمد ونواجه الصهاينة... وأعدكم بالنصر مجدّداً."
        بدأ العدوان الصهيوني إثر عملية أسر المقاومة لجنديين إسرائيليين يوم 12 تموز 2006، وفيما كان العدو يرى أن الحرب هي حاجة ملحّة له منذ العام 2000، ثأراً لهزيمته وإعادة الاعتبار لجيشه الذي اندحر حينها عن جنوب لبنان مذلولاً. وهو تجهز لذلك عندما تبيّن له عجز المحور الأميركي المتشعّب الامتداد: داخلياً وعربياً ودولياً، عن تنفيذ قرار نقل لبنان من محور الممانعة والرفض لمشروع أميركا إلى محور التبعية لها.  فقد حاولت أميركا أن تستثمر احتلالها للعراق في العام 2003، وأن تفرض على دول المنطقة الخضوع لها، فاصطدمت بعقبات عدّة كان أبرزها:
- رفض سورية نزع سلاح حزب الله ؛ إضافة لعدم تقديمها "الخدمات" الأمنية والعسكرية اللازمة لأميركا في داخل العراق لتسهيل احتلالها؛ فضلاً عن رفضها طرد فصائل المقاومة الفلسطينية من سورية.
- رفض الجمهورية الإسلامية في إيران التخلّي عن برنامجها النووي، وكذلك رفضها مدّ أميركا بالتسهيلات اللازمة لترسيخ احتلالها للعراق.
-  تطوّر القدرات العسكرية لحزب الله، خاصة بعد انتصار 2000، الأمر الذي شكّل  تهديداً جدّياً للكيان الصهيوني، حيث بات بإمكان الحزب التأثير في كامل الشرق الأوسط في مواجهة الأهداف والمصالح الأميركية - الإسرائيلية المشتركة.
       لقد قامت أميركا في حينه بالعمل أولاً على إصدار قانون عزل سورية• في الكونغرس، ومن ثمّ استصدار القرارات الدولية ضدّ هذا وذاك من أطراف الممانع في المنطقة. وكان الأخطر هو القرار 1559، الذي اختصر المسألة بانتخاب رئيس للجمهورية، وسحب الجيش السوري من لبنان وتجريد حزب الله من سلاحه. والأمر الأخير هو الأهم!
لكن تبيّن سريعاً لأميركا أن أحداً في الداخل  اللبناني لا يستطيع تنفيذ بنود هذا القرار، فقرّرت تكليف "إسرائيل" بالمهمة، وانتظرت الظرف المناسب للتنفيذ. وقد استغلّت أميركا و"إسرائيل" عملية أسر الجنديين على "الخط الأزرق" في جنوب لبنان من قِبل المقاومة، بُغية تحرير أسرى لبنانيين في سجون العدو لتطلقتا عمليتهما المخطّطة مسبقاً.

الأهداف الإسرائيلية المباشرة لحرب تموز
1.    تدمير حزب الله ونزع سلاحه، بما يسهّل عملية انتقال لبنان كلّياً إلى الدائرة الأميركية، مع إطلاق يد "إسرائيل" بعد تخليصها من تهديد صواريخ الحرب.
2.    "تحرير" الجنود الإسرائيليين الأسرى، بعد رفض أيّ عملية تبادل مع حزب الله.
3.    تطبيق القرار 1559، بما فيه من بسط الدولة اللبنانية سيطرتها على الجنوب، ونشر الجيش اللبناني على الحدود، في صيغةٍ تجعل منه حرساً للحدود مع "إسرائيل".
 الأهداف الإسرائيلية الغير مباشرة:
1.    استعادة قدرة الردع الإسرائيلية التي تآكلت منذ الاندحار عن لبنان في أيار من العام 2000.
2.    توفير الظرف المناسب لأميركا لفرض تصوّرها حول "الشرق الأوسط الجديد"، عبر:
•    تطويع الإرادة السورية للقرار الأميركي عن طريق وضع لبنان   في موقع المعادي لها.
•    إبعاد إيران عن إمكانية التأثير على كيان العدو عبر لبنان، وفرض واقع يمكن معه للأميركيين التمدّد نحو الداخل الإيراني برسالة واضحة: انتهى عهد الممانعة للقرار الأميركي في الشرق الأوسط؛ وعليكم الانصياع ليس في الملف النووي فحسب، بل في كلّ شأن أو أمر يعني إيران داخلياً أو خارجياً، إذا كان من شأنه أن يؤثّر على القرار الأميركي بأيّ شكل!
3.    إعادة صياغة الشرق الأوسط على أنقاض معاهدة سايكس- بيكو؛ ومعنى ذلك أميركياً:
•    الإمساك بالقرار الاستراتيجي والسيطرة على الدول التي لاتخضع للتبعية الأميركية، ومن ثمّ إقامة الأنظمة السياسية التي تكون خاضعة تماماً للإرادة الأمريكية.
•    تقسيم دول المنطقة الكبرى إلى دول طائفية أو عرقية صغيرة لا تملك مقوّمات الدولة القادرة على حماية ذاتها، أو الاستمرار من غير دعم خارجي، خاصة في المجال الأمني.
•    أما عسكرياً، فسيكون على الحكومات الجديدة أن لا تفكّر في إنشاء جيوش قتالية، إذ إن أميركا و"إسرائيل" هما وحدهما اللتان لهما الحقّ في ذلك! أما الآخرون، فليس لهم أكثر من إنشاء جيش أو شرطة لقمع الشعب ولمنع أيّ حركة رفض داخلية للسياسة الأميركية.

مسار عدوان تموز وإخفاقاته
              في 12 تموز 2006 نفّذت المقاومة الإسلامية عملية أسر لجنديين إسرائيليين، بعد مواجهة  عسكرية أدّت إلى مقتل وجرح عدد من الجنود الصهاينة. حينها عقد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله مؤتمراً صحافياً،  شرح فيه أهداف عملية "الوعد الصادق" لتحرير الأسرى اللبنانيين من سجون الاحتلال الصهيوني،  وأعلن أن السبيل أمام العدو لاسترداد جنوده الأسرى هو التفاوض والتبادل"؛ وبالتالي أكد السيد أنها عملية محدودة، ومرتبطة بأهداف واضحة ومشروعة.
       على الإثر شنّ العدو الإسرائيلي عدواناً واسعاً، براً وبحراً وجواً، مستهدفاً المدن والقرى والبنى التحتية والمرافق الحيوية العامة، من مطارات ومحطّات وقود ومحطّات كهرباء وجسور وطرقات ومبانٍ سكنية ومصانع ومشاريع زراعية، وغيرها، ليطال في هذا العدوان المدنيين الأبرياء، من نساء وشيوخ وأطفال، وليرتكب أبشع المجازر الوحشية. كان هدف القصف تقطيع أوصال قوى المقاومة والضغط عليها عبر إيذاء جماهيرها، لكي تأتي القوات البريّة الإسرائيلية وتنفّذ عملية اجتياح سريعة وسهلة وغير مكلِفة، تكون غايتها "تنظيف مراكز المقاومة" وتجريد من تبقّى من مقاتليها من سلاحها، مع قادتهم  و"سوقهم" بعد ذلك إلى "المحاكمة العادلة" بالمنطق الأميركي؛ ومن ثمّ استكمال تدمير بُنية حزب الله لاجتثاثه كلّياً من الصيغة المدنية المؤسساتية؛ وذلك بهدف إيصال رسالة للشعوب أن "لا تفكّروا في مقاومة مشروعنا". فكما كانت حرب تشرين 1973 آخر الحروب النظامية مع "إسرائيل"، سوف تكون حرب تموز 2006 ضدّ حزب الله آخر الحروب غير التقليدية التي تواجهها "إسرائيل" وأميركا في الشرق الأوسط، على أن يُصار بعد ذلك إلى تعميم ثقافة منع تكوين المقاومة الشعبية، ومن ثمّ حظر تزويدها بالسلاح أو تدريبها في أيّ مكان آخر للتخلص نهائياً من هذا الخطر!
 لكن عملياً، فشل سلاح الجو الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المحدّدة؛ وبالتالي فشلت نظرية "الحسم الجوّي للأهداف المركزية". وقد حصلت معركة مارون الراس التي غيّرت المعادلة، بحيث أصبحت الحرب أو مجرّد الاستمرار فيها حاجة إسرائيلية ملحّة بهدف إنقاذ صورة الجيش الصهيوني. وانقلبت المعركة إلى معركة حياة أو موت، كما قال حينها شمعون بيريز، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ ومعركة مصير مشروع كبير في الشرق الأوسط بالنسبة لأميركا. فقد حاول العدو التقدّم في عيتا الشعب، لكنه واجه مقاومة شرسة. فاتجه إلى بنت جبيل، حيث كان للمقاومة تكتيك آخر ضدّه، انتهى بتكبيده خسائر بشرية ومادية فادحة. وقبل انتهاء الحرب، حاول العدو تحقيق اختراق في وادي الحجير، فكانت المجزرة الشهيرة لدباباته؛ كلّ ذلك والصليات الصاروخية للمقاومة متواصلة على عمق الكيان .
لقد "تنوّعت أساليب القتال أو نمط العمل التكتيكي الميداني للمقاومة. بمعنى أن المقاومة نوّعت نمطها القتالي بحيث لم يستطع العدو أن يتنبّأ به في أيّ نقطة من مناطق المواجهة، وهو كان يُفاجأ دائماً ويتكبّد  المزيد من الخسائر .
      ومع اقتراب نهاية الحرب، وقبل صدور القرار الدولي 1701 ودخوله حيّز التنفيذ بساعات، نفّذت المقاومة أكبر عملية إبادة لدبابات (الميركافاه) الصهيونية المتطورة، في كمين مُحكم في وادي الحجير في القطاع الأوسط للجنوب اللبناني، بما سمّي آنذاك بعملية "مقبرة الميركافاه" حيث تمّت أكبر عملية إنزال صهيونية للدبابات في آخر لحظات الحرب،  في محاولة من العدو للخروج بإنجاز عسكري نوعي من هذه الحرب؛ لكن المقاومة فاجأت جيش الاحتلال بكمين محكم أدّى إلى تدمير أكثر من 35 دبابة تدميراً شبه كامل، بواسطة صواريخ موجّهة ومقتل ما يقارب ال 20 جندياً صهيونياً.
      لقد نصّ القرار (1701) على إنهاء العمليات القتالية من كلا الجانبين، مع إضافة 15000 جندي إلى قوّة "يونيفيل" لحفظ السلام، وانسحاب جيش الاحتلال إلى ماسمِّي الخط الأزرق،  وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب. 
     وفي النتيجة يمكن القول إن "إسرائيل" قد خسرت حربها على المقاومة، عندما فشلت في تحقيق أهدافها القريبة، سواء في استرداد أسراها، أو في القضاء على بُنية المقاومة؛ كما في تخريب العلاقة بين المقاومة وجماهيرها وحلفائها ؛ إضافة إلى فشلها في استصدار قرار أممي بآلية محدّدة لنزع سلاح المقاومة؛ وقد كشف سيْر الحرب عن ضعف مريع البنية التنظيمية للجيش الصهيوني وعن فشل القيادة السياسية للكيان، وعجز منظومة الاستطلاع والاستخبارات الميدانية والعسكرية، فضلاً عن العجز الميداني لألوية النخبة (غولاني-ناحال)، ووهن البنية الدفاعية في الجبهة الداخلية للعدو؛ إضافة إلى انكشاف وهن البارجة (ساعر) والدبابة ميركافا، وتأثير ذلك على سوق تصديرهما؛  وهو ما أدّى إلى تساقط رؤوس كبيرة في المؤسسة السياسية والأمنية والإسرائيلية، بعد صدور تقرير لجنة فينوغراد التي حقّقت في نتائج العدوان على لبنان.
      إذاً، حرب تموز شكّلت الهزيمة الأولى للكيان في تاريخ الحروب التي بادر إلى شنّها؛ ولم يكن الأمر مجرّد فشل عسكري وإخفاق سياسي نجما عن قصور في إدارة الحرب، أو عن ضعف في الرؤية وترهّل في هيكلية اتخاذ القرار فحسب، كما صوّر تقرير فينوغراد (الذي تضمّن مع ذلك اعترافات مذهلة عن أبعاد هذا الفشل) فقد طرحت نتائج الحرب تساؤلات عمّا بقي من عقيدة العدوّ العسكرية القائمة عن الردع الفعّال، وعلى الهجوم بدل الدفاع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم،  والحرب الخاطفة.
      كما كشفت الحرب أيضاً عن العطب البنيوي في عمق مجتمع العدو، الناشئ عن ليبرالية مفرطة لا تناسب مجتمعاً محارباً؛ مع العلم أن دولة الاحتلال وجيشها باتا عاجزين، أيضاً بفعل المقاومة، عن خلق «مناعة اجتماعية» في "الجبهة الداخلية"، كما عن ترميم الثقة بمستقبل "إسرائيل"، التي عانت وتعاني من تضخم الإنفاق العسكري الذي يترك آثاراً اقتصادية وإجتماعية سلبية لا يُستهان بها. يُضاف إلى ذلك – وهو الأمر الأخطر - أن "إسرائيل" «فقدت الحريّة في تنفيذ قرار الحرب أو المبادرة إلى عدوان وهجوم». وبعد ذلك كلّه، لا بدّ من طرح تساؤل كبير حول قدرة "إسرائيل" على الاستمرار بعد تهشــيم ركني قوّتها الرئيسيين. القوّة الميدانية والقوّة السياسية، في حرب 2006؟ لقد عكست الحرب بالفعل مسار "إسرائيل" الآيل باتجاه الضمور والأفول، وكذلك المشروع الغربي في المنطقة.
  حرب تموز والمشروع الأميركي في المنطقة
      في سياق المخطّطات الامريكية لإعادة تشكيل المنطقة، جاءت حرب تموز 2006 على لبنان. فبعد انتهاء الحرب الباردة، وتفرّد أميركا كقطب دولي أوحد في العالم، بدأت بتنفيذ مخطّطها في ما يُسمّى "عملية السلام في الشرق الأوسط" تحت شعار "الأرض مقابل السلام". وكان واضحاً أن الهدف من المفاوضات مع العرب كان ولايزال تحقيق أهداف الكيان وفق رؤية متكاملة  لدوره وموقعه المحوري في الهيمنة المنطقة وإلحاقها بالمشروع الصهيوني– الأميركي الإمبراطوري، بعد ضرب كلّ عناصر القوّة والممانعة  ومواقعها على امتداد مساحة العالم الإسلامي. وقد تمخّضت مسيرة التفاوض المذِلّة عن إلحاق الأردن والفلسطينيين بمصر، بتوقيع اتفاقات المهانة والخضوع للعدو الصهيوني، في حين لم يتقدّم المسار السوري- اللبناني نحو أيّ اتفاق فيما أجبِر هذا العدو، بفعل المقاومة، على الانسحاب من الجنوب اللبناني من دون قيد أو شرط .
   وقد جاء وصول المحافظين الجدد للحكم في الولايات المتحدة الأميركية، وانطلاق مشروعهم للهيمنة على العالم، متقاطعاً مع المشروع الصهيوني، حيث شكّلت أحداث 11 أيلول 2001 محطة دافعة لهذا المشروع. وتحت عنوان محاربة محور الشر ومكافحة الإرهاب، تم غزو أفغانستان والعراق، وأعلنت الإدارة الأميركية أن الهدف الاستراتيجي لها في هذا الجزء من العالم هو "بناء الشرق الأوسط الجديد، بما يتوافق والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية"!
        وعبر ما يُسمّى "الفوضى الخلاّقة"، برزت ديناميات جديدة للمشروع الأميركي الهادف إلى تحقيق جملة من الأغراض السياسية والاقتصادية البعيدة المدى؛ إضافة إلى تعزيز دور  الكيان الصهيوني في المنطقة، ومدّه بكلّ أسباب القوّة والتفوّق، وتقسيم المنطقة إلى إثنيات وعرقيات وطائفيات متناحرة متقاتلة، تعتمد بنفسها ديناميات التدمير الذاتي وفق رؤية "الفوضى البنّاءة" أو " الفوضى الخلاقة" المذكورة .
      لقد شكّلت حرب تموز 2006 عدواناً صهيو- أمريكياً مشتركاً ومتكاملاً كان هدفه المركزي ضرب المقاومة، لفرض واقع سياسي جديد في لبنان، يتساوق مع الرؤية الأميركية لشرق أوسط جديد، يكون فيه الكيان الصهيوني المحور الأساسي الذي تدور في فلكه دويلات غارقة في صراعات لا حدود لها، ولتحقيق الهيمنة الأميركية المطلقة على المنطقة.
         لكن، انتهت حرب تموز 2006 إلى تقويض بعض ركائز نظام إقليمي أريد بناؤه بعد غزو العراق في العام 2003 بل إن صمود المقاومة وانتصارها قد أسهما على الصعيد الدولي في عرقلة آلة الهيمنة والتدمير التي أطلقتها إدارة جورج بوش، مدفوعة بإيديولوجية المحافظين الجدد المتطرّفة. 
        كان الهدف الرئيسي من الحرب اقتلاع المقاومة وإسقاط سورية عبر البوّابة اللبنانية، ومن ثمّ تفكيك جبهة المقاومة والممانعة التي حالت دون إكمال السيطرة الغربية الصهيونية على المنطقة، وصولاً إلى محاصرة إيران وإسقاطها بحرب أو حتى من غير حرب. أما الأهداف الأدنى للحرب، فكانت تسليم السلطة في لبنان بالكامل إلى فريقٍ موالٍ لأميركا وما يُسمّى دول الاعتدال العربي.
        إن من أهم نتائج حرب تموز هو تحوّل المقاومة من «قوّة معيقة» ومعرقِلة للمشروع الأميركي في الشرق الأوسط إلى «قوّة مانعة» وقادرة على إيقاف هذا المشروع، وليس فقط تأخيره. فالسياسة الأميركية في لبنان تلقّت ضربة قوية، والمراهنون على الإدارة الأميركية تلقّوا ضربة قوية أيضاً. وتعثّر هذه السياسة الأميركية عرقل إلى حدٍ بعيدٍ قيام "الشرق الأوسط الأميركي الجديد" لصالح قيام "شرق أوسط مقاوم وأكثر حداثة".
       لكن هذا الفشل في حرب تموز لم يوقف محاولات الادارة الأمريكية، التي تحرّكت بفوضاها المدمّرة عبر مسلك آخر، تحت ما يُسمّى (الربيع العربي) لتنفيذ مشروعها التفتيتي للمنطقة بهدف ضرب إمكانيات محور الممانعة الرافض لمشروع الشرق الأوسط الجديد؛ وهو ما أدّى الى حصول حمّامات دم لازالت متواصلة ؛ لكن من المؤكد أن التوجهات الأمريكية الجديدة قد تعرقلت، وهي سائرة إلى المزيد من الفشل. فقد اضطرّت أميركا إلى التراجع، وأبرمت الاتفاق النووي مع الجمهورية الإسلامية التي أصبحت لاعباً إقليمياً أساسياً؛ ومشروع السيطرة الأميركية على سورية وتفتيتها أمامه صعاب كبيرة؛ وحالة التفرّد الأميركي في القرار الدولي  انتهت عبر استعادة روسيا لدورها الدولي من البوّابة السورية. لقد ثبت بأن مشروع أو خيار الممانعة لمشروع السيطرة الصهيو –أمريكية على المنطقة قد صمد وفرض حقائق على الأرض يصعب القفز عنها ؛ وهو ماسيفرض المزيد من التراجع على صنّاع  القرار السياسي والعسكري في الولايات المتحدة وكيان الاحتلال والغرب عموماً.


محمود إبراهيم
باحث فلسطيني

2016-07-11 15:37:42 | 3716 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية