التصنيفات » مقالات سياسية

مستقبل الرياض وطهران في عالم يتحوّل شرقاً...!



لا أحد يستطيع القطع أو الجزم بنوع التحوّلات المدلهمّة التي تدفع القيادة السعودية  هذه الأيام لاستعجال كشف كلّ أوراقها المخبوءة منذ تأسيس الدولة السعودية الثالثة، في ثلاثينيات القرن الماضي؛ سواء تلك الخاصة بإعلان الكيان الصهيوني صديقاً متاحاً، أو إعلان إيران كعدوٍ محقّق "ينبغي إسقاط نظامها، بحسب أمير بارز من أمرائها شغل يوماً مرتبة استخباراتية رفيعة ....!
هل هو خطر (داعش) الداهم الذي يقترب من بيت العائلة المالكة- كما ورد على لسان مسؤول الاستخبارات الأمريكية الأول مؤخراً- ممّا قد يهدّد ليس فقط أمن المملكة، بل ويدفع بصراع الأجنحة فيها إلى أوجه، بسبب تباين الآراء تجاه التحوّلات الأمريكية المتسارعة، والتي تشي بقرب حلول موسم "الهجرة إلى الشرق" بعيداً عن غرب آسيا ....؟!
أم هو اقتراب أنصار الله (الحوثيين)  من اتخاذ قرار يُعدّ من جملة الخيارات الاستراتيجية التي لطالما لوّح بها السيد عبد الملك الحوثي، من خلال اجتياح الحدود والوصول إلى "خميس مشيط"  مثلاً ، أو حتى أبعد من ذلك بالانسياب ساحلاً باتجاه جدّة، كما يتوقع متابعون سعوديون مقرّبون من بيت العائلة المالكة، ممّا قد يشكّل تحوّلاً دراماتيكياّ في سياق الحرب المفتوحة على اليمن ...؟!
أم أن الراعي الأميركي لمثلّث اتحاد الثكالى- تل أبيب/ أنقرة/ الرياض- أو من باتوا يُعرفون بأيتام أوباما إذا جاز التعبير، والمتّجه شرقاً، صار في ضيق شديد من كثرة تعثّر الرياض وتردّدها في اللحاق بالمدرسة البراغماتية «الأوبامية" في التعامل مع مستجدّات الساحتين السورية والعراقية..؟!
أياً تكن الأسباب، فالأوامر «الهمايونية» المستعجلة، والمرسلة للأمير «الحاد المزاج»، على حدّ تعبير متابع مطّلع على الملفات الملكية ، للمشاركة في مهرجان استعراضي مهلهل في باريس مع بقايا أشباه معارضة  إيرانية هم أقرب ما يكونون لنهج (داعش) ممّن عُرِف عنهم بأنهم "بنادق للإيجار " معروضة في سوق العبيد السياسي، هذه الأوامر هي التي دفعت بمسؤول الاستخبارات السعودي تركي الفيصل ليظهر على شاشات التلفزة ليعلن إشارة بدء انحدار العائلة السعودية إلى المستنقع الذي سبقها إليه طاغية عراق الخيبات  صدّام حسين البائد ....!
نقول هذا لأن ثمّة أنباء وتقارير رائجة في صالونات السياسة العالمية تتحدث عن اقتراب الإدارة الأمريكية الحالية، كما التي ستحلّ محلّها مع الاستحقاق الرئاسي المرتقب، أياً كان الفائز جمهورياً أو ديمقراطياً ، من اتخاذ قرار نهائي برفع الغطاء عن العائلة السعودية الحاكمة ، بعد أن انتهى دورها الوظيفي كحليف استراتيجي ، وتحوّلت السعودية إلى مجرّد معبر استراتيجي جيوبوليتيكي ، بغضّ النظر عن شكل النظام الحاكم وطبيعته ...!  
الأتراك من جنس حزب العدالة والتنمية ، أي حزب أردوغان، يُظهرون قدراتهم التحوّلية أفضل من شركائهم السعوديين في الحرب المفتوحة ضدّ محور المقاومة.  فهم رغم اندفاعتهم الصارخة باتجاه إعلان مصالحة ممجوجة مع تل أبيب ، غير مرضيٍ عنها من جانب الرأي العام التركي والإسلامي، أبقوا كلّ خطوط الاتصال بينهم وبين طهران سليمة؛ بل إنهم بدؤوا مؤخراً ينحون باتجاه إصلاح أو ترميم صورتهم البشعة والمشوّهة مع سورية الأسد ، من بوّابة الإعلام مرّات ومرّات، ومن بوّابة السياسة الدولية - كما حصل في سياق تطبيع العلاقة التركية مع موسكو والاعتذار لبوتين؛  بل وأخيراً من خلال دقّ أبواق قصر الشعب السوري ، وإن من بعيد، عندما أعلن علي يلدريم، رئيس وزراء أنقرة الجديد وصهر أردوغان، بأنه " لابدّ من تحسّن العلاقات التركية - السورية قريباً باعتبار أن استقرار تلك العلاقة حاجة تركية..."!
لكن عادل الجبير لم يكن ليحتمل هذه البراغماتية التركية، ما دفعه للخروج عن كلّ اللياقات الديبلوماسية، مهدّداً قيادة أنقرة ببطش (داعش) التي رغم أنها قادرة على إسقاط الأسد، وعلى تهديد أمن تركيا أيضاً. وهكذا فعل محمد بن سلمان،  المستشيط غضباً من حليفه أردوغان ، عندما أوعز لصحيفة الشرق الأوسط (اللندنية) التي يملكها والده ، بتصوير حكومة العدالة والتنمية بأنها انقلبت على المعارضة السورية وباعتها بثمن بخس ...!
تل أبيب، التي كثّفت تواصلها مع منظمات الإرهاب العاملة على الأرض السورية مؤخراً، من خلال تدخلها الفاضح واستقبالاتها لرموز هذه العصابات المتوحشة، هي الأخرى تشارك الرياض قلقها من استدارة أمريكية مرتقبة تجاه دمشق، قد تظهر بوضوح بعد الاستحقاق الرئاسي ، ما جعلها تدفع بقوّة نحو تسعير الصراعات الإقليمية ما أمكن. وتحديداً تدفع "إسرائيل" باتجاه مواجهة سعودية - إيرانية علنية، لا مانع لديها أن تصل إلى مستوى الحرب المفتوحة ...!
لكن اتحاد الثكالى الثلاثي هذا، رغم تباينه في التكتيك، لا يجد آذاناً صاغية لدى دوائر الحكم الأمريكي ، وحُلف الأطلسي، المنشغلة هذه الأيام في جهد مشترك لتطويق الروسي بشبكة دفاعات صاروخية تمتدّ من ليتوانيا إلى بولندة، وبشبكة أخرى لمواجهة العملاق الاقتصادي الصيني من بوّابة كوريا الجنوبية...!
تدافع الأطلسيين على بوّابات الكرملين لمشاغلة الروس عند حدود أمنهم القومي المباشر ، والهجرة القوية للأمريكيين باتجاه أقصى الشرق لملاقاة ما يعتبرونه الخطر الأصفر شرقاً ، يجعل من منطقتنا الغرب آسيوية، أو يُسمّيها الأطلسيون والأمريكيون بالشرق الأوسط، أقرب ما تكون بالمنطقة الانتقالية العازلة، التي تقرّر لها على ما يبدو أن تبقى مشتعلة على نار متوسطة إلى حين اكتمال رسم صورة ما بعد استقرار نظام عالمي جديد، يحاول الروس والأمريكيون كلٌ من طرفه أن يكون هواللاعب الأساسي فيه ليقود مرحلة ما بعد سقوط معادلة المنتصرين في الحرب العالمية الثانية ...!
وإلى حين نضوج "تسويات" عالمية في هذا السياق أو هذا الاتجاه، تبدو السعودية هي الخاسر الأكبر المباشر في هذا التحوّل الكبير، فيما تحاول تركيا التمسك بأذيال التحالف الدولي المحتمل لتقليل خسارتها؛ بينما تشعر "إسرائيل" بأنها قد تخرج في لحظة انفجار كبيرة خارج التاريخ  والجغرافيا معاً ...!
وحدها إيران وحلفاؤها في محور المقاومة هي التي تحاول مسك العصا من الوسط ، لتكون مساهِمة أساسية في رسم لوحة ما بعد النار ، أياً كان شكل التحالف الدولي وتفاهماته ، مطالبة بحصّتها الواقعية في رسم لوحة  سجّادة ما بعد الحرب الكونية الحالية. وهي السياسة التي أسميناها ديبلوماسية حياكة السجّاد ..!
إن الفرق بين الرياض وطهران كبير وكبير جداً في طريقة قراءة الماضي وفهم الحاضر واستشراف المستقبل ، كما يقول مصدر مطّلع على مطبخ صناعة القرار في البلدين. وهو يضيف، محاولاً توصيف مايجري على مستوى الإدارة التنفيذية، على الأقل كما هو آتٍ، فيقول :
علينا جميعاً أن لا نطيل النظر في مرآة السيّارة الأمامية، لأن ذلك وإن كان القليل منه ضرورياً، إلاّ أن «التسمّر» أمام المرآة التي تُظهر خلفية الطريق قد يجعلنا نفقد قدرتنا على الحذر ممّا هو أمامنا، من أخطار أو فرص متاحة، للّحاق بفرص سباق جيّدة لكلّ سائق ماهر، على حدّ تعبير هذا المصدر المطلع على مجريات الشدّ والجذب في "رحلة الشتاء والصيف" السعودية – الإيرانية؛ وهو ما يفتقر إليه السائق السعودي ، فيما أظهر السائق الإيراني إتقانه بامتياز ...!
وهذا ما جعل السعودي يصبح من الماضي حتى لدى أصدقائه ، فيما الإيراني سيكون شريك المستقبل رغم أنف خصومه وأعدائه ...!



 محمد صادق الحسيني
                                                                                              باحث في الشؤون الإستراتيجية



2016-08-05 14:19:45 | 3380 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية