التصنيفات » دراسات

دراسة قانونية اغتيال اللواء  قاسم سليماني  في ضوء القانون الدولي

دراسة قانونية
اغتيال اللواء  قاسم سليماني  في ضوء القانون الدولي
الانتهاكات الأميركية للقانون الدولي في عملية اغتيال اللواء سليماني
الدكتور علي مطر


المقدمة
تعد الجرائم السياسية من أخطر الجرائم التي تؤدي إلى الاعتداء على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وهذا النوع قد عرفته المجتمعات منذ العصور القديمة حتى عصرنا هذا. وتشير عمليات الاغتيال في العالم، إلى استمرار استخدام القتل خارج إطار القانون كأداة لتصفية الخلافات السياسية بين الدول، ويعبر كذلك عن أقصى درجات التوتر التي تدفع الأطراف لاستخدام أسلحة غير تقليدية لتصفية الحسابات.
لقد كشف اغتيال اللواء الشهيد الحاج قاسم سليماني، عن مدى خطورة هذا الإسلوب من الجرائم الدولية، ويؤشر إلى خطورة استخدام التطورات التكنولوجية المستمرة التي تؤدي إلى تعقيد طبيعة ونمط عمليات الاغتيال وبالتالي عولمة إرهاب الدولة الذي تمارسه الدول التي تسخدم هذا الأسلوب كالولايات المتحدة الأميركية والكيان الإسرائيلي.
وبما أنه غالبًا ما تنعكس الأزمات العسكرية بين الدول على شكل نزاعات دولية تستند إلى بنود القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة في محاولة لحل هذه النزاعات، فإن قضية اغتيال الشهيد سليماني والتي أتت بشكل مباشرة من قبل الولايات المتحدة الأميركية على أرض ثالثة هي الأرض العراقية، تفتح البحث للإجابة عن إشكالية تتمحور حول إظهار الخروقات القانونية وكيف تكفل القوانين الدولية للدولتين الإيرانية والعراقية حق الرد للدفاع عن النفس خاصةً امام تقاعس المجتمع الدولي في تجريم مرتكب هذه الجريمة أي الولايات المتحدة الأميركية.
 أولاً: دوافع الاغتيالات
لا يعد الاغتيال تكتيكاً جديداً في الصراعات بين الدول. ويعد الاغتيال أداة خطيرة، لا سيما عند استخدامها في إدارة السياسة الخارجية ضد كبار المسؤولين الأجانب.
أ‌ - دوافع عمليات الاغتيالات  
يمكن تقسيم الدوافع التي تدفع الأشخاص إلى القيام بعمليات اغتيال إلى دوافع عسكرية، ودوافع سياسية، ودوافع عقائدية ودينية، ودوافع أيدلوجية وفكرية ودوافع اقتصادية ودوافع شخصية، لكن سنشير فقط إلى الدافعين العسكري والسياسي.
1- دوافع عسكرية
تتمثل في استهداف القادة العسكريين. وتكتسب أهمية كبيرة حيث إنه في بعض الأحيان يكون مقتل قائد واحد كفيل بكسر جيش كبير، مثلما حدث في اغتيال القائد العام للقوات البحرية اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية ايسوروكو ياماموتو، والذي كان عاملا سلبيا على معنويات الجيش الياباني في الحرب.
2- دوافع سياسية
مع اختلاف أشكال أنظمة الحكم في الدول المختلفة حول العالم من ملكية وجمهورية إلا أن السمة المشتركة بين كل أنظمة الحكم هو وجود الحكومة والمعارضة. ويمكن للحكومة في النظم الاستبدادية اغتيال رموز المعارضة النشطة التي تشكل خطر على السلطة القائمة والعكس ايضاً يمكن أن يحصل.
ثانياً - الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي
أكدت المقررة الأممية لشؤون الإعدامات خارج نطاق القانون أغنيس كالامار أن عملية اغتيال سليماني هي عملية قتل تعسفية انتهكت ميثاق الأمم المتحدة. وهنا نقول أنه لا شك أن عملية الاغتيال هي عمل عدواني، وقد جرى تعريف العدوان في محكمة نورمبرغ، ثم تم تدوينه لاحقاً جزئياً بموجب قرار الجمعية العامة رقم 3314 و المحكمة الجنائية الدولية. وتستخدم المحكمة الجنائية الدولية تعريفاً للعدوان المنبثق عن القانون العرفي الدولي، والذي يحظر عموماً الغزو أو الهجوم بالقوات المسلحة لدولة ما ضد أراضي دولة أخرى من خلال قصف دولة أو حصار موانئها أو سواحلها أو إرسال وكلاء أو قوات شبه العسكرية. وقد وصفت محكمة نورمبرغ العدوان بأنه جريمة دولية "عليا" بموجب القانون الدولي، وبالتالي فإنه وفق الاتهام الإيراني للكيان الإسرائيلي فهذه العملية تشكل عملاً عدوانياً ضد إيران.
ويعد هذا الاغتيال السياسي "القتل" الذي مارسته الإدارة الأميركية انتهاكاً فاضحاً لكافة معايير حقوق الإنسان، والقانون الدولي الإنساني، وخاصة اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12/ آب أغسطس 1949. كذلك يعد انتهاكًا صارخاً للحق في الحياة وفق ما جاء في المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان " لكل فرد حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه ". كما نص البند الأول من المادة السادسة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن " الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق. ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً".
كما أن اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12/ آب أغسطس 1949 أوجبت في المادة الأولى منها تعهد الدول الأطراف السامية المتعاقدة، " بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال". واعتبرت المادة الثانية من الاتفاقية أن سياسة القتل بجميع أشكاله في جميع الأوقات والأماكن هي من الأفعال المحظورة. هذا ويعتبر القتل العمد من المخالفات الجسيمة، حيث نصت المادة (147) من نفس الاتفاقية على تعريفها للمخالفات الجسيمة أنها " هي التي تتضمن أحد الأفعال التالية إذا اقترفت ضد أشخاص محميين أو ممتلكات محمية بالاتفاقية. واعتبرت أن القتل إحدى المخالفات الجسيمة".
ومن ناحية أخرى، تحظر مبادئ الأمم المتحدة الخاصة بالوقاية الفعالة من عمليات الإعدام خارج نطاق القانون تحت أي ذريعة حتى وإن كان في زمن الحرب، وحسب المبدأ الأول والذي جاء فيه " يجب على الحكومات أن تحظر قانونيًا جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، وأن تضمن اعتبار أي عمليات مثل هذه، جرائم حرب بموجب قوانينها الجنائية. وان يعاقب عليها بالعقوبات المناسبة التي تأخذ بعين الاعتبار مدى خطورة هذه الجرائم، ولا يجوز التذرع بالظروف السياسية الداخلية أو أي حالة طوارئ أخرى كمبرر لتنفيذ عمليات الإعدام هذه.
كما تعتبر عمليات الإعدام خارج نطاق القانون (الاغتيال السياسي) مخالفة صريحة وواضحة للمعاهدة الرابعة الموقعة في الثامن عشر من أكتوبر لعام 1907 في لاهاي والمتعلقة بقوانين وأعراف الحرب على الأرض. فالمادة (33) من نفس المعاهدة تؤكد أنه يحظر بشكل خاص قتل أو جرح أفراد يتبعون لدولة معادية أو جيش معاد بشكل غادر، أو قتل أو جرح عدو يلقى سلاحه أو لا تعد بحوزته وسائل دفاع ويستسلم طواعية، مع عدم استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد تسبب في معاناة غير ضرورية.
ومن القواعد الأساسية في القانون الدولي عدم جواز تحويل المدنيين والأهداف المدنية مطلقاً إلى هدف للهجوم، وتنطبق هذه القاعدة في جميع الظروف، ومنها في خضم نزاع مسلح شامل. وبسبب طبيعتها العرفية، فإنها ملزمة لجميع الأطراف. فكما نصت المادة السادسة فقرة (ج) من ميثاق المحكمة العسكرية الدولية "نورمبرغ" اتفاقية لندن المؤرخة 6 آب 1945 في تحديدها للجرائم ضد الإنسانية، فإن عملية القتل هي ضمن الجرائم ضد الإنسانية، وبطبيعة الحال كادت العملية أن تعرض المدنيين للخطر لا بل كادت أن تجر المنطقة إلى حرب كبرى. واعتبرت نفس المادة أن القادة والمنظمين والمحرضين، والمساهمين والمشاركين في إعداد وتنفيذ خطة عامة أو في اتفاق جنائي لارتكاب جرائم سابقة يكونون مسؤولين عن جميع الأفعال التي ارتكبت بواسطة أي من الأشخاص في سبيل تنفيذ تلك الخطة". لكن كل ذلك يعتبر ضعفاً دولياً حيث إن المجتمع الدولي لم يمنع الحظر الكلي لعمليات الاغتيال، وخير دليل على ذلك قصوره عن التصدي لجريمة اغتيال الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني والشهيد القائد أبو مهدي المهندس.
ثالثاً: خرق السيادة وحق الدفاع عن النفس
أـ خرق السيادة
قدمت أغنيس كالامار، تقريراً إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عملاً بقرار المجلس 35/15. ويتناول التقرير قضية القتل المستهدف من خلال الطائرات بدون طيار المسلحة، متضمناً توصيات تهدف إلى تنظيم استخدام هذه الطائرات وتعزيز المساءلة. وتركز التقرير حول الاغتيال الأميركي اللواء قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، ما اعتبره التقرير انتهاكاً لسيادة العراق وإعداماً خارج القضاء، بينما اعتبر التقرير أن اغتيال سليماني لم يكن مبرراً قانوناً وينتهك الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
ويشترط القانون الدولي تقليدياً موافقة الدولة على استخدام القوة في إقليمها أو يجب أن تعزى أفعال الهدف بطريقة ما إلى دولة الإقليم. لذلك فإن فشل الولايات المتحدة في تبرير وتفسير انتهاكها للسيادة العراقية من دون مبرر، يشكل، عملاً عدوانيًا، وكل ما ينتج عن ذلك من حالات وفاة تعسفية تتحمل الولايات المتحدة مسؤوليتها. أضف إلى ذلك أن سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة الأخرى لارتكاب عمل عدواني ضد دولة ثالثة يعد عدواناً، لكن هذا العمل لم تقم به الدولة العراقية التي لم تسمح باستخدام أراضيها لاستهداف إيران، فالقانون الدولي إذاً يشترط موافقة الدولة المعنية على استخدام القوة في أراضيها. وهذا ما تجاهلته أميركا كلياً، ولم تُطلع الحكومة العراقية على نيتها باستخدام القوة في مطار بغداد الدولي.
هكذا إذاً، تعد عملية اغتيال الشهيد الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي، خرقاً فاضحاً للسيادتين العراقية الأولى لأنه تم إستخدام أراضيها والثانية لأن الشهيد قاسم سليماني يعد ركناً أساسياً من أركان الدولة، والتي أكدت على حفظها العديد من القرارات، منها القرار 2734 ـ 16 كانون الأول 1970 (الإعلان الخاص بتعزيز الأمن الدولي)، والقرار (155/32/ A/RES 19 كانون الأول 1977، (إعلان تعميم، وتدعيم الانفراج الدولي). والقرار (103/39/ RES A 9 كانون الأول 1981، (إعلان بشأن عدم جواز التدخل بجميع أنواعه في الشؤون الداخلية للدول). وكذلك أكدت اتفاقية مونتيفيديو عام 1933 في مادتها الثامنة على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول والتي نصت على أنه "ليس لأي دولة الحق في التدخل في الشؤون الداخلية والخارجية لأي دولة أخرى". كذلك تنص المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة على أنه : “يمتنع أعضاء الهيئة جميعا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أوب استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأية دولة أم على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة”.
فالمادة 2 الفقرة 4 نصت بالحرف على ضرورة الامتناع عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد سيادة الدولة بأية طريقة تتنافى وأهداف الأمم المتحدة المتمثلة في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين.  وقد كانت عملية الاغتيال عبارة عن استخدام غير شرعي للقوة ينافي القانون الدولي.
ب - حق الدفاع عن النفس
وفي المقابل، يقر ميثاق الأمم المتحدة بحق الدفاع عن النفس، ضد أي عمل عدواني. وقد أكدت البنود الواردة في المادة الأولى من الميثاق على حق الشعوب في المقاومة ومواجهة أي عمل عدواني ضد الاقليم.  كما أن الميثاق يضمن لكل دولة تعرضت لاحتلال أو لاختراق سيادتها الوطنية واستقلالها السياسي أن تفعل ما بوسعها لأجل استعادة تلك السيادة، وهذا ما أقرته صراحة المادة 52 من ميثاق الامم المتحدة التي تشير إلى أنه "ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول فرادى أو جماعات في الدفاع عن نفسها إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة". هذا وتقول المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة: "يجب على جميع الأعضاء الامتناع في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو بأي طريقة أخرى تتعارض مع أغراض الأمم المتحدة"، إلا أن لذلك استثناءات منها حق الدولة في الدفاع عن النفس.
الخاتمة
إن القواعد والنظم القانونية كافة تعترف بحق الدفاع عن النفس، وهو حق معترف به منذ القدم وجرى التأكيد عليه في ميثاق الأمم المتحدة، ويعتبر استخدام القوة للدفاع عن النفس حقاً استثنائياً بالنسبة للمنع العام لاستخدام القوة الوارد في الميثاق، ويرى مؤيدو القانون الطبيعي أن حق الدفاع عن النفس هو أحد الأسباب عن الحرب العادلة أو أنه أحد الأسباب العادلة للحرب، وأن القانون الطبيعي لا يؤيد هذا الحق فقط بل إنه يأمر الدول بممارسته، وتلجأ الدولة إلى هذه الممارسات إذا ما قامت الدول الأخرى أو الجماعات المسلحة بتجاهل واجب عدم التدخل المشار إليه أعلاه، وما تقدم يعطي إيران حق الدفاع عن نفسها أمام هذه الجرائم.


لائحة المصادر والمراجع:
المصادر

اتفاقية جنيف الرابعة
اتفاقية لاهاي 1907
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
قرارات الأمم المتحدة
ميثاق الأمم المتحدة

مراكز الدراسات
طنطاوي محمد، إستخدام القوه ودوره فى القانون الدولى، المركز الديمقراطي العربي، 21. أبريل 2020

التقارير
تقرير أممي: اغتيال سليماني ومرافقيه جريمة قتل تعسفي تتحمل أميركا مسؤوليتها، الميادين نت، 9 تموز 2020.

 

 

 

2021-02-08 13:47:31 | 781 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية