التصنيفات » مقالات سياسية

الضعف الفلسطيني، كأكبر قوة ضغط مانعة في التاريخ

الضعف الفلسطيني، كأكبر قوة ضغط مانعة في التاريخ

ناصر دمج (*)

يمكن القول: بأن قمة جدة للأمن والتنمية، التي عقدت بمشاركة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بتاريخ 16 تموز 2022م، قد تخلت عن عنوانها أو شعارها الرئيس، لعدم قدرة المشاركين فيها على تلبية مطالب بايدن، وفي مقدمتها الإعلان عن ولادة حلف عربي سني بمشاركة (إسرائيل) ضد إيران، أو الموافقة على إدماج (إسرائيل) في المشرق العربي كدولة طبيعية لها ما لدوله من حقوق وواجبات، لطالما أن المنطقة نفسها خالية من دولة فلسطينية طبيعية.

وفي ظني أن هذه القمة، من حيث ما انتهت إليه، ولدرجة وضوح بيانات زعماءها، وقوة خطابهم المناصر للقضية الفلسطينية، ستعد أقوى من قمة بيروت 2002م، لأنها أكدت على تمسك العرب بما يتمسك به الفلسطينيون، وبما أنعقدت على أساسه مبادرة السلام العربية.

وبتقديري أن القادة العرب وفي مقدمتهم الأمير "محمد بن سلمان" خططوا لهذه النتيجة الذكية على نحو موفق، وتم التمهيد لها بغير خطوة ورسالة للجانب الأمريكي، بدلالة أن غالبية قنوات التلفزة الإسرائيلية بعد مغادرة بايدن لبيت لحم وقبل وصوله إلى جدة، بدأت بتخفيض سقف توقعاتها من نتائج تلك القمة، ولعل الطريقة الفاترة التي استقبل بها الرئيس بايدن في مطار جده، من قبل حاكم منطقة مكة "خالد بن فيصل"، وتغيب الملك أو ولي عهده عن استقباله، إذا ما قورن باستقباله لباقي زعماء الدول المشاركة في القمة نفسها، أو استقباله للرئيس دونالد ترامب في عام 2017م، أو استقباله الأسطوري للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في عام 2019م، حملت ما يكفي من الدلات الدالة على ما آلت إليه نتائج القمة.

مضاف لذلك، وهذا هو الأهم، التأكيدات الصريحة والقوية والمتتالية للقادة العرب، على استحالة التطبيع مع (إسرائيل) دون حل عادل للقضية الفلسطينية، وفي الصميم من ذلك كلمة ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" الافتتاحية، التي أكد فيها على عدم جدوى قطع إنتاج الطاقة الأحفورية، والعمل بسياسة تحول واقعية ومتدرجة لمنع انهيارات الاقتصاد والطاقة عالمياً، وإعلانه عن عدم موافقة بلاده على رفع المزيد من معدلات الإنتاج للبترول، حيث قال: "لن نرفع أكثر مما رفعا من قبل، وأضاف لن نغير سياستنا وعلاقتنا بروسيا الاتحادية".

كما وجه دعوة لإيران الجارة التي نشترك معها - وفقاً له - بروابط دينية وثقافية للتعاون في رؤية مشتركة لمستقبل للمنطقة والعالم، تقوم على التعاون واحترام العلاقات وعدم التدخل، وهذه الدعوة؛ تشكل بديل عقلي وموضوعي للتحالف مع (إسرائيل) الذي كان يتطلع بايدن لتدشينه.

كما دعا إلى احترام القيم العربية المشتركة، التي لن نتخلى عنها - وفقاً له - كما نحترم قيم الآخرين، ولهذه الدعوة في مكانها وتوقيتها مغزاها ومعناها العميقان، لمن يحب أن يفهم.

كما أكد على ضرورة حل القصية الفلسطينية حسب قرارات الشرعية الدولية، كشرط لتحقيق الأمن والتنمية في المنطقة، وشرط لرسوخ قواعد السلام واستقراره، وهذا يعني بأن لا تطبيع مع (إسرائيل)، وفي ذلك إجابة واضحة على مطلب بايدن الرئيسي من القمة.

كما أعلن عن دعم السعودية لأي تحرك سياسي لحل مشاكل اليمن وسوريا وليبيا سلمياً، ضمن آلية تفاهم عربي وحدوي؛ بما يكفل كرامة شعوبها الشقيقة، وهذا يعني إغلاق الملاعب التي تلعب فيها الولايات المتحدة الأمريكية و (إسرائيل) بحرية، وتسوُقان فيه منتج مصانعهمها العسكرية القاتلة للأمل والشعوب.

كما أعلن عن رفضه للتدخل في شؤون الآخرين والتمسك بالاحترام المتبادل بين الدول، ضمن أخلاقيات التعاون الدولي البناء، وليس من خلال الصراع؛ ما يكفل عالما مستقراً،  ويكفل النماء والإزدهار للمنطقة وشعوبها، وهذا ما لا يستقيم مع الطموحات الإسرائيلية الخبيثة.

استنتاج

يمكن القول: أن الضعف الفلسطيني، كان حاضراً كقوة مانعة للانهيار العربي الجماعي كما كانت (إسرائيل) تحب وتشتهي، ووحد الخطاب العربي أمام "بايدن" رغم المسافات المتفاوتة التي قطعتها بعض الدول في تطبيع علاقاتها بدولة الاحتلال الإسرائيلي.

 وصدور العديد من الإشارات المتسقة مع هذا المسعى قبل وخلال زيارة بايدن، ومنها قرار المملكة العربية السعودية فتح المجال الجوي أمام حركة الطيران العالمي دون تميز، أو سفر بايدن من مطار اللد المحتلة لمطار جدة بشكل مباشر للمرة الأولى منذ نشأة الصراع العربي الإسرائيلي.

بالمقابل بدد وزير الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان"، أي قيمة استراتيجية لهذه الرحلة، في معرض رده على أسئلة الصحفيين حولها، وفيما إذا كانت تطبيعاً أم لا ؟ حيث أجاب، "لماذا تتحدثون عن التطبيع، لأننا سمحنا لهم (إسرائيل) بالطيران في أجوائنا ؟ نحن نسمح لأي دولة بأن تحلق في أجوائنا، ونسمح لهم أيضاً، فلا داعي لتسمية ذلك تطبيعاً"، وأضاف "أن فتح أجواء السعودية أمام الطائرات الإسرائيلية لا يمهد لأي خطوات محتملة نحو وجود علاقات بـ (إسرائيل)، وفق تعبيره".

وفي ظني أن دعوة بن سلمان للحوار مع إيران جاءت كمحصلة لاستنتاج عربي عميق لأثر التبدلات الاستراتيجية التي يشهدها عالمنا، ومنها صعود الصين كقوة عسكرية واقتصادية مضاهية للولايات المتحدة، وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، واضطراب أسواق الطاقة العالمية.

وتوفر فرصة نادرة أمام العرب، للاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة وتوظيف عائداتها لصالح الخزائن القومية للأمة، لا تبديدها على الحروب والخراب، أو دفعها كأتوات ورشى للدول المتنمرة، لهذا تبين أن التفاهم مع إيران أجدى وأنفع استراتيجياً، لأنه أقل كلفة وأعظم منفعة من التفاهم أو التحالف مع (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية، لقدرتهما البارعة على نهب خيرات الشعوب العربية، وتوظيفها لصالحهما وصالح التصادم مع عدو هو في الأصل ليس عدو.

راجياً أن تشكل هذه الحقائق، دافعاً كافياً لمراجعة وتوزين ناتج العلاقة السلمية مع (إسرائيل)، مستفيدين من تجارب الأردن ومصر وفلسطين على هذا الصعيد؛ ومن ثم التخلي عن أي فكرة تعاونية مع العدو الطبيعي والجيني للأمة، والبناء على ما أعلنته دولة الإمارات العربية المتحدة، بأنها ليست جزءاً من أي تحالف إقليمي ضد إيران، وتطوير الحوار السعودي الإيراني ليرتقي لمقام الحوار الاستراتيجي حول القضايا الجامعة لشعوب المنطقة والمحققة لأمنها ورخاءها.

توصية المقالة

على قادة الأمة العربية، البحث عن طريقة ما للتفاهم مع إيران، وهكذا يجب أن يكون عليه الحالُ مع دولتي الجوار تركيا وأثيوبيا، لقدرة (إسرائيل) والولايات المتحدة على تسخيرهما ضد جيرانهم العرب، وعلى العرب مشاركة إيران مساعي نهوضها وحصاد صعودها المتوقع، لأن نجاح إيران سيؤدي إلى تغيير وجه المنطقة برمته وتبديل المشهد الجيوسياسي المحيط بالصراعِ العربي الإسرائيلي، على قاعدة إنه من حقها كما إنه من حق العرب التحول إلى قوة إقليمية وعالمية مسلحة بكل ما يكفلُ سيادتها وهيبتها واستقلالها، وإن تحقق هذا النجاح وهو مقترن بأسباب أخرى عديدة، تتعلق بالداخل الإيراني، أهمها إرساء قواعد العدل والمساواة، وإعلاء راية حقوق الإنسان والحريات العامة، وهناك أسباب خارجية لا تقل أهمية عنها؛ ومنها إفصاح إيران عن استراتيجيتها تجاه دول الخليج والوطنِ العربي بشكل عام، والتي ينبغي أن تكون قائمة على الشراكة والتعاون، وعلى إيران أن تعلم بأن تطلعاتها لا يُمكن أن تتحقق إلا بدعم عربي وثيق.

وعلى قادة الأمة العربية، عدم المضي قدماً بعدم توظيف المال العربي في خدمة أهداف الأمة الاستراتيجية، لأن هذا الضلال كفيل بأن يبقيها مئة عام أخرى في مكانها الرّاهن، وهو قادر على شراء فلسطين من جديد، وكفيل بانتشال الأمة من وحل التخلف والعجز والتبعية على نحو أكيد.

إن النجاح الاقتصادي لبعضِ دول الخليج، يعتبر أمر مثير للاهتمام، ويُقدم لنا إضاءةً هامة على المساحة المخصّصة لنجاح العرب أسوة بغيرهم من الهنودِ والصينيين، وكذا هو حال باقي أعضاءِ مجموعة (البريكس BRICS) الاقتصادية، ما يُحسن من إمكانية التحاق العرب بحالة النهوض الآسيوي التي يستعد العالم للتكيف معها، كأبرز متغيّر جيوبوليتيكي مع نهاية العقد الثالث من القرن الحالي، بعد تراجعِ النموذج الغربي للرأسمالية الليبرالية، مُفسحاً المجال أمام الدول الجادة في آسيا وأمريكا اللاتينية كــ (البرازيل)، حيث ستلعب اقتصادات دول آسيا دور المحرّك الجديد لنُمو الاقتصاد العالمي، ومن المتوقَّعِ أنْ يكونَ للعرب نصيب في هذا الدور المهم

يحدث ذلك، في الوقت الذي عادت فيه دوائر صُنع القرارِ الاقتصادي الغربي الليبرالي تصوير نجاح تجارب دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية، بأنها مجرد فقاعة عقارية ونفطية أصبح العالم يترقبُ لحظة انفجارها، الأمر الذي يُجبر هذه الدول، وباقي  الاقتصادات العربية الناهضة إلى البحث عن سُبل استدراك أكثر نجاعة لحماية تقدمهم، وذلك بإعادة ربط المشاريع والبرامج الاقتصادية بمعززات النهضة الحضارية الشاملة، ودعم خطط التنمية المُستدامة، لصالحِ الداخل العربي وخيره، ودعم برامج البحث العلمي، ومنافسة (إسرائيل) في هذا المجال، وهي التي تُنفق على البحث العلمي أربعةَ أضعاف ما يُنفقه العالَم العربي بكافة أقطاره، حيث بلغ مجموع ما تنفقهُ (إسرائيل) في هذا المِضمارِ أكثر من 20 مليار دولار سنويا، أي ما مقداره 5.7% من ناتجها القومي الإجمالي السنوي، وهذا يُمثل أعلى نسبة إنفاق في العالم، بينما تُنفق الدّول العربية مجتمعه ما مقداره 0.6% من دخلها القومي السّنوي على المضمار ذاته.

 

2022-07-21 10:55:40 | 37 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية