التصنيفات » مقالات سياسية

إغتيال القيادات الفلسطينية ... جريمة سياسية أم جريمة إرهابية؟
إغتيال القيادات الفلسطينية ... جريمة سياسية أم جريمة إرهابية؟
مقدمة عامة:
يندرج إغتيال القيادات الفلسطينية ضمن جريمة الإغتيال السياسي، والتي تعرف بالإعتداء بشكل مخطط له عن تصميم مسبق، تعود إلى خلافات عسكرية، سياسية، عقائدية، قومية... خدمة لهدف سياسي معين، وبناء على هذا التعريف، يندرج إغتيال القيادات الفلسطينية، الأمر الذي يسبب تجديد إندلاع الحرب بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي.
هناك فرق كبير بين الجريمة السياسية وجريمة الإرهاب التي تدعي بها السلطات الإسرائيلية، بحيث أن جريمة الإرهاب تسعى إلى بث الخوف والذعر في نفوس ووجدان الطرف الآخر، بهدف الإكراه والتهديد، على خلاف الجريمة السياسية، وقد تكرر إستبعاد جرائم الإرهاب عن الجرائم السياسية في أغلب الإتفاقيات الثنائية والدولية والإقليمية بشأن تسليم المجرمين.
الجرائم الإرهابية في القانون الدولي:
لم يتناول القانون الدولي تعريف الإرهاب بشكل يتفق عليه الجميع، رغم العديد من المحاولات، إلا أن هناك العديد من الإتفاقيات الدولية التي عرجت على تعريف جريمة الإرهاب، منها عصبة الأمم التي شكلت وفدا من الخبراء القانونيين وكلفتهم بإعداد مشروع إتفاقية لقمع الأعمال الإرهابية في 16 تشرين الثاني عام 1937، وبعدها تم إقرار إتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب، التي عرفت جريمة الإرهاب في المادة الأولى أنها أفعال إجرامية موجهة ضد دولة، بقصد خلق حالة من الهلع في أذهان أشخاص معينين، أو مجموعة أشخاص، أو عموم الناس.
أما الأمم المتحدة، فقد شكلت لجنة دولية خاصة بالإرهاب الدولي، بناء على قرار الجمعية العامة 3034 بتاريخ 18 كانون الثاني عام 1972، وتفرع من هذه اللجنة ثلاث لجان، الأولى لتعريف الإرهاب الدولي، الثانية لدراسة أسباب ودوافع الأعمال الإرهابية، والثالثة للبحث في إتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الإرهاب الدولي، حيث عرفت اللجنة الأولى أن الأعمال الإرهابية هي الأفعال الإجرامية الموجهة ضد دولة أخرى، والتي يكون بطبيعتها خلق حالة من الخوف لدى قادتها وحكامها، أو مجموعة من الأشخاص أو عامة المواطنين.
إذا، يمكن إعتبار أن الجريمة الإرهابية هي عبارة عن ركن مادي يتمثل في مجموعة من الأعمال الخارجة عن القانون والتي تهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، وإلحاق الضرر بالمباني والمنشآت العامة، وتعطيل أحكام الدستور، وركن معنوي يتمثل بالوسيلة التي جرى إستخدامها، بهدف تحقيق وسيلة بث الذعر والخوف بين الناس.
جرائم الإغتيال السياسية في القانون الدولي:
تعتبر جرائم الإغتيال السياسية في أي دولة خارجة عن نطاق القانون الدولي والشرعية الدولية، مهما حاول منفذ العملية إضفاء الشرعية والصبغة القانونية عليها، بإعتبارها تنتهك القانون الدولي الإنساني العرفي، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، لما تمثل من إعتداء على حق الإنسان في الحياة بشكل مخالف للإعلان الدولي لحقوق الإنسان، لاسيما القانون الدولي الإنساني الذي ينظم حالة الحرب، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية.
لم تنص إتفاقيات جنيف الرابعة بشكل صريح على جريمة الإغتيال السياسية، لكنها حرمت الإعتداء على حياة الأفراد المدنيين في مادتها الثالثة، كما أوجبت المادة الأولى من الإتفاقية بواجب الدول على إحترام هذه الإتفاقية وأن تكفل إحترامها في جميع الأحوال، ونصت المادة الثانية منها أن سياسة القتل بجميع أشكاله وأنواعه وفي جميع الأوقات والأماكن هي من الأفعال المحظورة، بينما أشارت المادة 147 من الإتفاقية على أن القتل العمد من المخالفات الجسيمة إذا إقترفت ضد أشخاص محميين بموجب الإتفاقية.
وهناك قاعدة قانونية، أن كل ما خالف القانون وما نص عليه من إلتزامات وواجبات ومحظورات، إستلزم فعله التجريم، بإعتبار أن الحق في الحياة لأي فرد هو حق أساسي يندرج منه باقي الحقوق، وبالعودة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966، الذي نص في المادة 6 على أن الحق في الحياة هو حق ملازم لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق، ولا يجوز لأي إنسان حرمان أحد من حياته تعسفا، لكن تم تقييد هذا النص في الفقرة الثانية من المادة نفسها، بتحريم تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأشخاص المدنيين إلا بمقتضى حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة، بحيث يجب أن يكون المدان قد إرتكب جريمة تعد من الجرائم الأشد خطورة، وبذلك يكون القانون الدولي قد حظر الإغتيال السياسي بعيدا عن ساحات القضاء العادل.
وبناء على إتفاقية لاهاي عام 1907، أكدت المادة 23 أنه في حالة الحرب، يحظر على أي طرف من الأطراف قتل أو جرح فرد من أفراد الدولة المعادية، أو الجيش المعادي باللجوء إلى الغدر، كما حظرت الأمم المتحدة من إدراج الإعدام خارج نطاق القانون تحت أي ظرف من زمن الحرب، كما نص المبدأ الأول "يجب على الحكومات أن تحظر قانونيا جميع عمليات الإعدام خارج نطاق القانون ولا يجوز التذرع بالظروف السياسية الداخلية أو أي حالة طوارئ كمبرر لتنفيذ عملية الإعدام.
الإغتيال السياسي بالنسبة للدول الخاضعة للإحتلال:
يطبق القانون الدولي بكل فروعه على الدول المستقلة والدول الخاضعة للإحتلال، وأبرز مثال على ذلك، تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية، وبالعودة إلى جريمة الإغتيال السياسية، مازال الجيش الإسرائيلي يقوم بإغتيال عدد كبير من الشعب الفلسطيني، لاسيما قيادات المقاومة.
إستنادا إلى المادة 42 من اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية، لاهاي عام 1907، التي نصت أن الأرض تعتبر محتلة حين تكون السلطة الفعلية بيد العدو، ولا يشمل الإحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها السلطة بعد قيامتها، وهذا ما ينطبق تمام على الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الإحتلال الإسرائيلي.
وقد أكدت الأمم المتحدة في العديد من القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن، بأن السلطات الإسرائيلية تقوم بإحتلال الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتمارس السلطة الفعلية عليها، وبذلك تسري إتفاقيات جنيف الأربعة على الأراضي الفلسطينية المحتلة بحدود الرابع من حزيران عام 1967، بما فيها القدس الشرقية.
وأشارت المادة 75 من إتفاقية جنيف الرابعة إلى رفع إلتماس العفو أو إرجاء العقوبة، من المحكوم عليهم إعدام، وأعادت المادة 33 من نفس الإتفاقية التأكيد على أنه لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصيا.
يتذرج الجيش الإسرائيلي بالقيام في عمليات الإغتيال السياسي ضد قيادات الشعب الفلسطيني بحجة أنه يمارس حقه في الدفاع الشرعي، معتمدا على المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن أنفسهم إذا إعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة، لكن الإستناد على هذه الحجة، هو تضليل للحقيقة، لأن إسرائيل هي دائمة الإعتداء على الشعب الفلسطيني وفصائل المقاومة الفلسطينية، الأمر الذي يبرر حق فصائل المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن أنفسهم، بإعتبار أن المقاومة الفلسطينية لا توجد، إذا لم يكن هناك إستيطان، وإحتلال، ونظام فصل عنصري.
وبالإستناد على القاعدة القانونية لا دفاع شرعي ضد دفاع شرعي، ولا مقاومة لفعل مباح، ومن هنا لا يمكن أن يتذرع جيش الإحتلال الإسرائيلي اللجوء إلى الدفاع الشرعي، وتعتبر المقاومة الفلسطينية هي حركة تحرر وطني وفق شرطين، الأول هو حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني بإعتباره قاعدة آمرة في القانون الدولي، والثاني نضال وكفاح الشعوب بكافة أنواع الوسائل للوصول إلى الحرية والإستقلال، فلم تقتصر الإغتيالات السياسية على قيادة المقاومة، بل أيضا على المدنيين المحميين في إتفاقية جنيف الرابعة، بحيث أن القانون الدولي يميز بين المحاربين وغير المحاربين.
المساءلة القانونية لمرتكبي الجرائم السياسية:
إن مساءلة وملاحقة إسرائيل في الوقت الحالي هو صعب جدا، لاسيما أمام القضاء العالمي واللجوء إلى المحاكم الجنائية الدولية، ولكن لا يعني ذلك، عدم الإصرار على ملاحقتها والإستسلام لجرائمها، وهذا ما يحتاج إلى وقت كبير، لا يجب أن ييأس منه الفلسطينيون بإعتبارهم أصحاب حق وأصحاب قضية.
ومن الأمئلة على محاكم بعض مجرمي الجيش الإسرائيلي، الدعوة المقدمة في محكمة بلجيكا لملاحقة رئيس وزراء الحكومة الإسرائيلية "أريئيل شارون"، بسبب إرتكابه مجزرة "صبرا وشاتيلا" عام 1982، وذلك بعد صدور قانون عام 1993 في بلجيكا، يسمح بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب، والإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وفي عام 1999، خافت بلجيكا من تدهور العلاقات الدبلوماسية بينها وبين إسرائيل، وبعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا، فقامت بتعديل قانونها، بحيث عدم محاكمة الأفراد الذين إرتكبوا جرائم قبل صدور القانون، وبذلك تم إغلاق القضية.
كما يمكن لدولة فلسطين اللجوء إلى المحاكم الدولية الخاصة والتي هي غير المحاكم الدولية الدائمة، بهدف ملاحقة مجرمي الحرب، بموجب قرار يصدر عن مجلس الأمن، كما هو حال محكمة يوغسلافيا، التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 808/1993، وقرار 955/1994 الذي أنشأ محكمة روندا...، لكن ذلك مستبعد بسبب وجود الفيتو الأميركي في مجلس الأمن.
وبعد حصول فلسطين على صفة دولة مراقب في الأمم المتحدة عام 2012، ترتب عليها تبعات قانونية مهمة، منها إستحقاق محاكمة قيادات إسرائيلية إرتكبت جرائم حرب بحق الشعب الفلسطيني، وفي الأول من نيسان عام 2015، إنضمت فلسطين إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبذلك أصبحت فلسطين الدولة العربية الخامسة الموقعة على نظام المحكمة، بعد تونس، جزر القمر، جيبوتي، والأردن.
تعتبر جرائم الإغتيالات السياسية قبل عام 2002، خارجة عن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية، وليس فقط جرائم الإغتيالات السياسية التي هي مصنفة من جرائم الحرب، بل أيضا العديد من الجرائم ضد الإنسانية، الإبادة الجماعية...، رغم رفع القضية الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وإعلان المدعية العامة السابقة فاتو بنسودا في 5 شباط 2022 فتح التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة في حرب غزة عام 2014، إلا أن مجلس الأمن يحق له إغلاق التحقيق إذا كانت الدعوى تشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين، بموجب الفقرة الثانية من المادة 13، أو تأجيل القضية إلى 12 شهرا قابل للتجديد، بموجب الصلاحيات الموسعة في المادة 17 من ميثاق روما.
ويمكن للقضاء الوطني إعاقة عمل المحكمة الجنائية الدولية، عندما يقوم بملاحقة المجرمين، وهذا ما تقوم به بعض الدول للتهرب من المسؤولية، وغالبا ما تكون المحاكمات صورية، كما فعل المدعي العام الإسرائيلي بفتح تحقيق جنائي في مجريات الحرب على قطاع غزة عام 2014، وإستهداف مدارس الأونروا.
الخاتمة:
يمكن الإستنتاج أن جرائم إغتيال القيادات الفلسطينية هي جريمة سياسية من جرائم الحرب، ولا يمكن التذرع بأنها حرب إستباقية للحفاظ على أمن إسرائيل، لإعتبار أن فلسطين أرض محتلة بموجب القانون الدولي، والمقاومة هي نوع أساسي من أنواع  الكفاح والنضال التي نصت عليها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تنسف عنها الصفة الإرهابية التي تتذرع بها إسرائيل، وغالبا ما تؤدي جرائم الإغتيال السياسية بحق القيادة الفلسطينية إلى فتح حرب جديدة، تطال المدنيين الفلسطينيين، وتؤدي إلى جرائم حرب، كما يمكن أن تتحول جريمة الإغتيال الساسية إلى جريمة إرهابية تقوم بها السلطات الإسرائيلية، بهدف إرهاب الفلسطينيين وتراجعهم عن الدفاع عن أنفسهم.
 
فؤاد بكر
مستشار قانوني ، في المحكمة الجنائية الدولية

2022-09-07 12:26:29 | 72 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية