التصنيفات » التقديرات النصف شهرية

15-5-2024

مُلَخّص التقدير الإسرائيلي

15-5-2024

 

مُلَخّص بحث حول اعتزام "إسرائيل" خَوْض معركتها "المصيرية" في مدينة رفح

 

تزايدت التصريحات الإسرائيلية بشأن اقتراب موعد اجتياح مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، والذي كان قد تمّ تحديده بعد انتهاء الأعياد اليهودية في منتصف شهر أيار/ مايو الحالي، رغم أنه لا يوجد مكان في غزة يُمْكن أن يتم إجلاء النازحين إليه، وعددهم مليون وأربعمئة ألف نازح.

ومع بَدْء العمليات العسكرية في رفح، ستزداد الصعوبات المعيشية عشرات الأضعاف مُقارَنة بما كانت عليه لأكثر من مليون ونصف مليون مواطن، وسيكون هناك شَلَلٌ واضح لمؤسسات الحكومة؛ فضلاً عن أن الوضع ليس في رفح وحدها، بل في جنوب القطاع كلّه، سيكون غاية في الصعوبة، وسَيَفْقد الناس خدمات مئات المؤسسات الإنسانية والخيرية مع بَدْء هذا الهجوم المُغلّف بدعاية "إسرائيل" بأن هناك عملية إجلاء وتجهيز أماكن تستوعب النازحين، هَدَفُها الرئيس إسكات الأصوات الدولية الرافضة للعملية العسكرية في مدينة رفح. وبالتالي، فالهجوم الإسرائيلي على رفح، وإن بدا مساراً إسرائيلياً إجبارياً، فإنه مَحْكومٌ بالفشل، وسوء الخاتمة؛ ذلك أنه بالرغم من وحشيّة العدوان الصهيوني، إلّا أنه لم يَعُد قادراً على مُمارَسة درجة الوحشيّة ذاتها التي مارَسها في بدايات الحرب، بعد أن سُلِّطت الأضواء على جرائمه، وبعد حالة الاستعداء والعَزْل التي جَلَبَها لنفسه، وبعد دخوله في محكمة العدل الدولية؛ بالإضافة إلى أنه قد ثبت للكيان أن المذابح الوحشيّة كان أثرها عكسياً، فَزادَت من التفاف الحاضنة الشعبية حول المقاومة.

وبالرغم من حاجة كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى عامل "الوقت" لتنفيذ هجومه، واستكمال تغطية كلّ قطاع غزة في عدوانه، إلّا أنّ عامل الوقت، من ناحية أخرى، لا يَلْعب بالضرورة لصالحه. فالبيئة الداخلية الإسرائيلية ضاقَت ذَرْعاً من طول الحرب، ومن الخسائر الاقتصادية الكبيرة، ومن تَعطّل السياحة، وفقدان الأمن؛ وأمْست بشكل متزايد لا ترى أفقاً إيجابياً لاستمرار الحرب؛ كما أن الكيان الإسرائيلي تتراجع فُرَصَه في استئناف التطبيع مع البيئة العربية؛ بينما تزداد صورته سوءًا وبربرية في البيئة الدولية؛ وعليه، تَزْداد العوامل الضاغطة لإنهاء الحرب داخلياً وخارجياً؛ وهذا يَجْعل اجتياح رفح عملية مَسْكونة بالمخاوف من الغَرَق أكثر فاكثر في المستنقع، وحصاد مزيد من الخسائر والنتائج السلبية، ودَفْع أثمان أكبر بحصيلةٍ أقل.

يُواجه كيان الاحتلال اعتراضات حلفائه الغربيين، بمن فيهم الولايات المتحدة، حيث يرون أن ضرر هذه العملية أكبر من نفعها، وأنها ليست ذات جدوى حقيقية، مع ضعف فُرصها في النجاح. وحتى الولايات المتحدة حاولت أن تَدْعم الهجوم على رفح ضمن معايير مُعَيّنة. ومع ذلك، فإن نتنياهو وحكومته يرون أن الضوابط الأمريكية ستُضْعِف من إمكانية نجاح هجومهم؛ ولذلك فهم يطالبون بغطاء أمريكي كامل. والجدير بالملاحظة، من ناحية أخرى، إن قضية اجتياح رفح لها علاقة بالأهداف الحقيقية للحرب، وأهمها السيطرة الكاملة على قطاع غزة، وإعادة هَنْدسته، جغرافياً وديموغرافياً وسياسياً، بحسب المصلحة الإسرائيلية. أضِف إلى ذلك أن دخول رفح معناه احتلال مَعْبر رفح ومحور فيلادلفيا(صلاح الدين)، وإنهاء أي مَصْدر لصورة السيادة الفلسطينية على قطاع غزة. وفي النتيجة، يسعى الإسرائيلي لتنفيذ مُخطّطاته الحقيقية غير المُعْلنة، وفي مُقَدّمتها تحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة، والتحكّم في هندسة إسكانه من جديد وطبيعة وماهيّة سكّانه، وخصوصاً شمال غزة، المنطقة الهجومية للقطاع عسكرياً.

أما بالنسبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يعتبر اجتياح رفح طريقه لتحقيق ما يُسمّيه "النصر الحاسم، وأداة للضغط على المقاومة في التنازل في قضية الأسرى الإسرائيليين، فإنه يُخْفي أهدافاً انتخابية حزبية أكثر أهمية لمستقبله السياسي؛ فهو يريد أن يَظْهر بصورة البطل الصهيوني القومي القوي، وأنه برغم المُعارضة الأميركية لعملية رفح، والتحذيرات المصرية، والإدانات الدولية للعملية، يَمْضي في تنفيذها ليَظْهر كقائد حازم يستطيع الوقوف أمام العالم لحماية أمْن "إسرائيل"، الأمْر الذي يُداعب به النوازع الفاشيّة لدى ناخبيه وكتلته الحكومية اليمينية. وفي السياق، يقول الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت، في مقال نشرته صحيفة "معاريف"، إنه "لن يكون هناك أي صورة انتصار في مدينة رفح، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مَشْلولٌ من الرعب، وغير قادر على اتخاذ قرار واحد مهم". وأضاف: "نتنياهو أصبح منذ فترة طويلة عبئاً على إسرائيل، ويجب أن يُخْلي مكانه"، مُضيفاً أن "الشيء الوحيد الذي يُمْكن أن يدفع نتنياهو إلى الجنون ودخول رفح بكامل القوّة الآن، هو مُذَكّرات الاعتقال التي تُهَدّد المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بإصدارها ضدّه".

وذكر الكاتب أفرايم غانون في صحيفة معاريف "أن قطاع غزة سيُصْبح صيغة أخرى من حرب فيتنام، وهي الحرب التي تَورّط فيها الأمريكيون في حينه بحرب عصابات ضروس، استمرّت لمدة تسع سنوات، وخَلّفت أكثر من 58 ألف قتيل؛ وفي النهاية طُرِدوا، وأعادوا قوّاتهم إلى الديار مع انتصار شمال فيتنام". إلّا أنّ الأمر المؤكّد هو أنه لم يعد قادراً على مُمارسة درجة الوحشيّة ذاتها التي مارَسها في بدايات الحرب، بعد أن سُلِّطت الأضواء على جرائمه، وبعد حالة الاستعداء والعَزْل التي جَلَبَها لنفسه، وبعد دخوله في محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية؛ بالإضافة إلى أنه قد ثبت له أن المذابح الوحشيّة كان أثرها عكسياً، فَزَادت من التفاف الحاضنة الشعبية، إقليمياً وعالمياً حول المقاومة.

وبالرغم من حاجة الاحتلال الإسرائيلي إلى عامل "الوقت" لتنفيذ هجومه، واستكمال تغطية كلّ قطاع غزة بعدوانه، إلّا أنّ عامل الوقت لا يَلْعب بالضرورة لصالحه. فالبيئة الداخلية الإسرائيلية ضاقَت ذَرْعاً من طول الحرب، ومن الخسائر الاقتصادية الكبيرة، ومن تَعَطّل السياحة، وفقدان الأمن؛ وأَمْست بشكل متزايد لا ترى أفقاً إيجابياً لاستمرار الحرب؛ كما أن الكيان الإسرائيلي تتراجع فرصه في استئناف التطبيع مع البيئة العربية، بينما تزداد صورته سوءًا وبربرية في البيئة الدولية؛ وبالتالي، تزداد العوامل الضاغطة عليه لإنهاء الحرب، داخلياً وخارجياً؛ وهذا يجعل اجتياح رفح عملية مَسْكونة بالمخاوف من الغَرَق أكثر فأكثر في المستنقع، وحصاد مزيد من الخسائر والنتائج السلبية، ودفع أثمان أكبر بحصيلةٍ أقل.

وفي الخلاصة، فإن الهجوم الإسرائيلي على رفح، وإن بدا مساراً إسرائيلياً إجبارياً، فإنه محكومٌ بالفشل، وسوء الخاتمة. أما بالنسبة إلى "الجيش" الإسرائيلي، فهو يُركّز اهتمامه على حفْظ الأمن القومي الإسرائيلي قبل أيّ شيء آخر، ومن دون حسابات سياسية، ما لم تكن مُرْتبطة بالأمن القومي. وهنا يبرز الاختلال بين أولويات "الجيش" الأمنية والعسكرية وأولويات نتنياهو. فالمؤسسة العسكرية تعتبر حرب الاستنزاف التي يخوضها حزب الله في الشمال، وازدياد عملياته، كماً ونوعاً وجُرْأة، التهديد الأكثر أهمية؛ إضافة إلى قضية الحفاظ على التماسك الداخلي الإسرائيلي والعلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية. لكن المؤسسة العسكرية ترى أنَّ تلك الملفّات الثلاثة مُرْتبطة بالرؤية الأميركية لما بعد الحرب في المنطقة، وإنْجاح التطبيع السعودي مع "إسرائيل". لذلك، فالجيش غير مُتشجّع لدخول رفح من الناحية العسكرية الموضوعية؛ بل هو مُهْتم بالضرورات العسكرية المُرْتبطة بالأجنْدة السياسية؛ إذ إنّ الانتهاء من رفح عسكرياً سيجعل الجيش قد أتم مهامه القتالية المركزية والأساسية في قطاع غزة، وَوَضَع نتنياهو وحكومته مُبْكراً أمام استحقاق اليوم التالي قبل الانتخابات الأميركية بوقتٍ مقبول؛ وكذلك يتم حَشْر نتنياهو سياسياً؛ فإما الفشل في إدارته المَلَفّات سياسياً وتَحَمّل مسؤولية ذلك وحده، وإما أن يتساوق مع الرؤية الأميركية، وهذا ما تريده المؤسسة العسكرية.

في المُحصّلة، الحرب لن تنتهي باحتلال رفح، وليس من مصلحة "إسرائيل" ولا قيادتها أن تنتهي الحرب من دون الإجابة عن سؤال اليوم التالي للحرب. وحتى الآن، لم تنجح القيادة الإسرائيلية في إيجاد بديل يمكن له إدارة غزة بعد الحرب ضمن المواصفات الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل احتلال رفح يقود "إسرائيل" إلى واحد من أمْرين؛ الأوّل هو الفوضى التي تُعْتبر في المُخيّلة الإسرائيلية بيئة خصبة لبروز تهديدات أمنيّة قد تكون أكثر خطورة من تهديدات حركة حماس نفسها، وخصوصاً أن "إسرائيل" لن تجد عنواناً واحداً للتعامل مع تلك التهديدات، الأمْر الذي سيُغْرقها لسنوات في مستنقع غزة؛ والآخر احتلال غزة بالكامل، بما يَتْبعه من ضرورة إدارة السكّان ومعيشتهم؛ وكلا الأمْرين يَضرّ بمصلحة الأمن القومي الإسرائيلي على المديين المتوسط والبعيد.

لقراءة التقدير كاملاً انقر هنا

2024-05-15 13:58:46 | 52 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية