التصنيفات » ندوات

مرحلة ما بعد أنابوليس وزيارة بوش (حلقة نقاش في القاهرة)




 

أدار مركز باحث للدراسات ندوة سياسية في القاهرة (أوائل شباط 2008)، شارك فيها عدد من الباحثين المصريين المهتمين بالصراع العربي-الإسرائيلي. وأعدّ ورقة العمل الأساسية الدكتور عبد العليم محمد. وأدار الندوة المدير العام لمركز باحث الأستاذ وليد محمد علي.


د. عبد العليم محمد/ورقة عمل
(مستشار مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية- بالأهرام)

توطئة
لا يمثّل "مؤتمر" أنابوليس "الملتبِس" الذي عقِد في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر تشرين الثاني 2007، سوى "تفاهمٍ" من تلك التفاهمات التي حفل بها ملف التسوية خلال العقود الماضية. وقد خلا تفاهم "أنابوليس" من أي التزامٍ حقيقي من قبل إسرائيل أو إلزام لها إزاء القضية الفلسطينية، كما كانت الحال على مدى نحو عقدين من الزمن؛ وحتى العنوان الذي جرى تحته هذا التفاهم لم يرقَ إلى مستوى المؤتمر، بل هو حمل إسم لقاء أو اجتماع أنابوليس للسلام؛ وما دون ذلك، فقد غاب عن المؤتمر جدول زمني لإنهاء عملية التفاوض بين الجانبين (الإسرائيلي والفلسطيني)، باستثناء ذلك الوعد الشفهي الغامض بانتهاء المفاوضات قبل رحيل إدارة بوش؛ أما من حيث المرجعية المعتمدة حول بدء المفاوضات، فهي "خريطة الطريق"، رغم التحفّظات الخمسة عشر التي وضعتها "إسرائيل" حول تلك الخطّة منذ إعلانها!
والحال أن المبادرة التي حظيت بإجماع العرب في مؤتمر القمة في بيروت سنة 2002، وجدّد العرب تمسّكهم بها في قمة الرياض (2007)، قد غابت عن هذه المرجعية (خارطة الطريق)، وتم الاكتفاء بالإشارة إليها في خطاب الدعوة إلى هذا اللقاء؛ وتفاهم أنابوليس، مثله في ذلك مثل غيره من تلك التفاهمات الطويلة، المكتوبة وغير المكتوبة، والتي لم توقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بل ربطته بوقف "العنف والإرهاب"، وهو ما يعني وقف المقاومة.
وإذا ما أردنا تلخيص حصاد "أنابوليس"، يمكننا القول إنه بدء التفاوض من دون تحديد غايته ومداه الزمني، والربط بين الاستيطان ووقف المقاومة، وتعزيز الانقسام الفلسطيني، أي دعم حكومة "رام الله وعباس" في مواجهة حكومة "هنيّة وغزة"، ورهن عملية "السلام" بخارطة الطريق المتوقفة منذ ما يزيد عن خمس سنين، مع تجاهل كافّة القرارات الدولية المتعلّقة بالقضية الفلسطينية.
أما من دون ذلك، فهو كالزبد الذي يذهب هباءً ولا ينفع الناس، حيث الحديث عن تزايد اهتمام العالم بالقضية الفلسطينية وإدراك إدارة بوش لمركزية هذه القضية في الوعي العربي وفي أزمات الشرق الأوسط، ولكنه بطبيعة الحال لم يرقَ إلى مستوى الالتزام، وترجمة هذا الالتزام بتحقيق الحدّ الأدنى من المطالب الوطنية الفلسطينية في "الدولة المستقلّة" والعودة والقدس والجلاء عن المستوطنات والانسحاب إلى حدود سنة 1967.

القضية الفلسطينية بعد "أنابوليس":
تستهدف المخطّطات الإسرائيلية لتصفية القضية الفلسطينية تيئيس الشعب الفلسطيني وحمله على القبول بالمفهوم الإسرائيلي للسلام، ألا وهو دويلة فلسطينية فاقدة السيادة في جزءٍ من الضفة الغربية، وشطب حق العودة وإقرار مبدأ التعويض كبديل له، والاعتراف بالواقع الذي فرضته إسرائيل منذ سنة 1967، أي القبول بما دون حدود سنة 1967 مع ضمّ المستوطنات.
ولتحقيق هذا الهدف، تعمل "إسرائيل" جاهدة على أن تكون محصّلة التفاوض معادلة لمحصّلة المقاومة والكفاح المسلّح؛ أي أن كلا الأسلوبين لن يحصّلا من إسرائيل أكثر ممّا تريد هي، فتكون كل الخيارات الفلسطينية متساوية في نتائجها، ولا تقود إلاّ إلى ما تراه "إسرائيل" كحدودٍ قصوى للتسوية المفترضة!

1- مفاوضات بلا حدود:
تريد إسرائيل أن تجعل من بدء التفاوض هدفاً عربياً وفلسطينياً بحدّ ذاته، أي تفاوض حول الأجندة الإسرائيلية غير المقبولة فلسطينياً. والفجوة بين مواقف الطرفين تجعل من التفاوض مجرّد لقاءات بلا هدفٍ وبلا معنى وبلا غاية؛ تفاوض يطول أمده وتنعدم فائدته، حتى يضعف الموقف الفلسطيني وينقسم الفلسطينيون على أنفسهم، كما حدث في غزة؛ تفاوض غايته تيئيس الشعب الفلسطيني من تحقيق مطالبه، ولا يتعدّى كونه مجاراة للرأي العام الغربي والعالمي المتعاطف مع القضية الفلسطينية، ولتجميل صورة الإدارة الأمريكية في مواجهة "المعتدلين" من حلفائها العرب؛ تفاوض مفتوح دون سقفٍ زمني، مع جعل هذا التفاوض مطلباً عربياً وفلسطينياً بامتياز!
تستهدف استراتيجية التفاوض الإسرائيلية ترويض المفاوض الفلسطيني على قبول الأمر الواقع، و"تحريره" من أوهام الحصول على مطالبه المعلنة التي تحظى بالدعم الحقوقي الدولي. وكذلك حمل المفاوض الفلسطيني والعربي على الاعتراف بهزيمته (التي لم تتحقّق)، وقبول نتائج التفاوض المرتبطة بميزان القوى في الوقت الراهن.

2- "دولة" مع بقاء الاحتلال!
تسعى "إسرائيل" لإقناع المفاوض الفلسطيني للقبول بدولة فلسطينية في جزء من الأرض التي احتلّتها سنة 1967، خاصّة الضفة الغربية، من دون سيادةٍ أو استقلال؛ ذلك أن "إسرائيل" تسيطر فعلياً على المجال الجوي والمياه الإقليمية والمعابر البرّية والأمن الخارجي، مع بقاء قوات الاحتلال في أماكن بعيدة عن التجمّعات الفلسطينية السكانية؛ أي دولة مع بقاء الاحتلال، ولو عن بعد؛ دولة تحت السيطرة غير المباشرة، حيث يبقى الفلسطينيون تحت أعين أجهزة إسرائيل الأمنية ليلاً نهاراً!

3- شطب حق عودة اللاجئين
لا عودة إلى حدود سنة 1967. والأهم أنه لا عودة للاجئين سنة 1948، ولا للنازحين سنة 1967، مع القبول بعودة عدّة آلاف منهم (في أفضل تقدير) على مدى عقدٍ كامل، بحسب مفاوضات (كامب ديفيد)؛ أما بقيّة اللاجئين، وعددهم يقدّر بعدّة ملايين، فيمكن من وجهة النظر الإسرائيلية توطينهم وتعويضهم عبر صندوقٍ دوليٍ أو إقليمي؛ من العوائد النفطية والمساعدات اليابانية والأوروبية والأمريكية والمؤسّسات المالية الدولية؛ ورفض حقّ العودة لهؤلاء يعني رفض "إسرائيل" الاعتراف بمسؤوليتها عن النكبة التي لحقت بالشعب الفلسطيني (سنة 1948)، ويعني الحفاظ على "نقاء" الدولة اليهودية، حسبما أكد بوش في زيارته الأخيرة للشرق الأوسط بإعلانه مبدأ تعويض اللاجئين.

4- "يهودية" دولة إسرائيل!
طرحت حكومة العدو في سياق التفاوض ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية دولة إسرائيل؛ وهذا يعني اعتراف الشعب الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية بالحركة الصهيونية وبشرعية الهدف الذي طالما سعت له؛ ولا شك أن هذا الاعتراف يعني الموافقة الصريحة على طرد 18% من سكان "إسرائيل" غير اليهود، أي (عرب 1948)، خارج أراضيهم؛ بل والإقرار الدولي والعربي بشرعية هذا الطرد، وهو أمر مستحيل، لأن إسرائيل تسعى للحصول من الضحية (الشعب الفلسطيني) على وثيقة تؤكّد قبوله بما ارتكِب في حقّه طيلة العقود الماضية!
لقد أيّدت الولايات المتحدة، ممثّلة بإدارة بوش، هذا المطلب مرّتين: الأولى في مؤتمر العقبة (الأردن)، والثانية أثناء زيارة بوش الشرق الأوسط مؤخّراً. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتراف بهذا المطلب يعني شرعنة التمييز العنصري الذي تمارسه السلطات (والقوانين) الإسرائيلية ضد العرب الفلسطينيين؛ بل يعني شرعنة التطهير العرقي وإقرار سياسات العزل العنصري التي يمارسها كيان العدو.

5- تعزيز الانقسام الفلسطيني
استهدف لقاء "أنابوليس" تعزيز الانقسام الفلسطيني الداخلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، أي ما بين السلطة الفلسطينية في رام الله وحركة حماس في قطاع غزة، عبر رفع الحصار عن الضفة الغربية وإحكامه على قطاع غزة وحماس؛ وكذلك عبر تعميق القطيعة بين فتح وحماس، والحؤول دون استئناف الحوار بين الجانبين، كما تثبت التطورات.
 
6- تعميق الخلاف بين "المعتدلين" و"غير المعتدلين"
كان من بين أهداف "أنابوليس" أيضاً تعميق الخلاف بين العرب والفلسطينيين، أي بين "المتشدّدين" و"المعتدلين" منهم؛ فمصر والسعودية والسلطة الفلسطينية ودول الخليج والأردن في قائمة المعتدلين (الحلفاء لواشنطن)، بينما حزب الله وحماس في قائمة "المتشدّدين" والموالين لحلف سوريا وإيران؛ وقد استهدف المؤتمر ترضية الحلفاء أو تطمينهم عبر إظهار وقوف الولايات المتحدة معهم، وتوجيه رسالة إلى معسكر "المتشدّدين"، مضمونها الإبقاء على عزلتهم حتى حملهم على تغيير مواقفهم إزاء القضايا المختلفة في العراق ولبنان وفلسطين.
 

7- الدعم المالي مقابل الانخراط في "اللعبة"
شكّل الدعم المالي الذي لقيته السلطة الفلسطينية من مؤتمر باريس الأخير مقابل انخراط السلطة في اللعبة السياسية التي تهدف إلى عزل قطاع غزة وإثبات فشل الإدارة "الحمساوية" له، وسيلة تحريض للمواطنين الفلسطينيين على قادة حركة حماس ودفعهم للثورة والتمرّد على الحركة، أو دفع ثمن تأييدهم لها عبر الحصار والمقاطعة وحجب المساعدات؛ ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فاق حجم الدعم المالي للسلطة توقّعات الكثير من المراقبين والمحلّلين؛ وهذا الدعم المالي الدولي يكاد أن يكون تعويضاً عن قصور السياسات التي تقف وراء الحلّ المشوّه للقضية الفلسطينية، البعيد عن المطالب الفلسطينية العادلة، وعن روح القرارات الدولية التي تدعمها.

8- السلام ليس مقابل الأرض بل مقابل "السلامة"!
تأسّست عملية "السلام" منذ بدايتها على ما يسمّى مبدأ الأرض مقابل السلام، الذي عنى أن إسرائيل قامت باحتلال جزء من الأرض العربية سنة 1967 من أجل السلام.  أي أنها دولة "مسالمة" تبحث عن "السلام" مع العرب؛ ولأنهم يرفضون، فقد اضطرّت لاحتلال هذه الأراضي من أجل إرغامهم على عقد "سلام" دائم معها. ورغم بُعد هذا المبدأ عن الواقع، فإن إسرائيل تكاد أن تتخلّى عنه؛ فالأرض ليست مقابل السلام، بل جزء منها فقط، والجزء الآخر تحتفظ به إسرائيل مقابل كفّ أذاها عن المحيط العربي "الضعيف" المعادي لها؛ فمردود هذا السلام عملياً هو الوقاية من العدوان الإسرائيلي، وتحقيق السلامة للدول والنظم والحكومات وللرازحين تحت الاحتلال!
والحال أن القضية الفلسطينية بعد "أنابوليس" تتعرّض للتصفية تحت مسمّيات أو شعارات زائفة: عملية السلام، المفاوضات، الدولة المستقلّة... في حين أن واقع الأمر يعني أن هذه الدولة المزعومة لن تقام حتى على 22% من أرض فلسطين التاريخية، بل على جزء منها فقط ؛ وهي لن تمتلك بأي حال مقوّمات السيادة والتواصل الجغرافي والاكتفاء الذاتي، بكل ستكون بمثابة محميّة إسرائيلية، وهي من ثمّ لن تفي بحاجة الفلسطينيين إلى الانعتاق، ولا إلى تطلّعهم للكرامة والاستقلال.
أما عن العودة والقدس، فحدّث ولا حرج؛ لا عودة لملايين اللاجئين ولا سيادة فلسطينية على القدس. إن الدولة الفلسطينية المزعومة ستكون غطاء لـ "إسرائيل" لتكريس هويّتها اليهودية وتثبيت وجودها العنصري ورفع الحرج عنها، ولكنّها لن تعالج مختلف جوانب القضية الفلسطينية، ولن تنجز نقلة نوعية في مسيرة المشروع الوطني الفلسطيني.
وإزاء هذا الواقع الخطير، وتلك المخطّطات الإسرائيلية-الأمريكية، يبقى السؤال التقليدي: ما العمل؟
في معرض الإجابة عن هذا السؤال-التحدّي فإننا نطرح المبادئ التالية:
1. إعادة صوغ المشروع الوطني الفلسطيني على ضوء المخاطر المحدِقة، وهذا يتطلّب تعيين معالم المشروع: حدود ما يقبل به وحدود ما يرفضه، ووسائل تحقيق موجبات القبول وتعزيز مبرّرات الرفض.
2. حوار وطني مفتوح بين القوى والفصائل الفلسطينية لبناء الإجماع الوطني والوحدة الوطنية الفلسطينية على أسسٍ جديدة، تتّفق والمعطيات الراهنة، فلسطينياً وإقليمياً ودولياً؛ ويشترط ذلك تجاوز الحساسيات الفصائلية والمصالح الضيّقة.
3. إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الوعاء الأساسي والوحيد للنضال الوطني الفلسطيني، والمرجعية الرئيسية لكل الاستراتيجيات والأدوات والأساليب المعتمدة في الكفاح الوطني؛ وهذا يتطلّب دمج التيار الإسلامي المتمثّل في حركتي حماس والجهاد الإسلامي في بُنى وهياكل منظمة التحرير، وفق معايير مقبولة تقرّها لجنة ممثّلة لكافّة التيارات المنضوية تحت جناح منظمة التحرير.
4. فحص استراتيجيّتيْ التفاوض والمقاومة: عبر إخضاع كلٍ من هاتين الاستراتيجيّتين لنقدٍ بنّاء (حصادهما على الصعيد العملي)، وإنهاء الازدواجية بين من يفاوض ومن يقاوم، ودمج هذا بذاك في مزجٍ متناغمٍ يدعم أحد عناصره العناصر الأخرى؛ وكذلك تحديد شروط ومعايير وأساليب كل من هاتين الاستراتيجيّتين وفق الظروف المتغيّرة والمعطيات القائمة.
5. فكّ الارتباط بين الأجندة الفلسطينية والأجندة الإقليمية: من خلال التمسّك بالأجندة الفلسطينية التي يقرّها الشعب الفلسطيني عبر مؤسساته وقواه الوطنية، كأساسٍ للتّماس مع الأجندات الإقليمية؛ أي بقدرِ ما يعزّز هذا التماس الأجندة الفلسطينية. وبطبيعة الحال، ثمّة تداخلٍ طبيعيٍ بين القضية الفلسطينية ومحيطها الإقليمي العربي والإسلامي؛ بيد أن التشابك أو التداخل سيوجد تأثيراً ضارّاً إذا لم تتم بلورة أو صياغة أجندة فلسطينية راسخة ومجمع عليها، يجري على ضوئها التعامل مع الأجندات الأخرى!
6. استعادة وحدة القضية الفلسطينية: عبر رفض تجزئة هذه القضية بين فلسطينيي "الداخل والخارج"، واعتبار الجميع كلاً متجانساً في إطار قضية واحدة؛ وهذا يتطلّب البحث في أطرٍ تكفل إشراك الشتات الفلسطيني ضمن الحسابات الفلسطينية-الإسرائيلية، وتمثيل هذا الشتات في المؤسسات الوطنية، بإدخاله ضمن معادلة المفاوضات والمقاومة، وغير ذلك من هياكل وقنوات تمثيلية.

أ. وليد محمد علي
تمرّ أمّتنا العربية والإسلامية بمرحلةٍ حاسمةٍ من تاريخها. فلقد نجحت القوى المعادية أن تضعها في دوّامة كانت تلفّها بإحكام، وتمنعها من الإفلات من براثنها. ورغم التضحيات الكبيرة لأبناء هذه الأمّة، والإخلاص الكبير من قبل العديد من قواها وطلائعها وبعض قياداتها،  مرّت أمّتنا -ولأسبابٍ عديدة لا مجال للحديث عنها في هذه العجالة- بمرحلةٍ من التخلّف الشديد، جعلتها محطّ أطماع الأعداء، الذين سرعان ما أدركوا أن تخلّف هذه الأمّة مؤقّت، وأنها تمتلك من المقوّمات ما يؤهّلها لتجاوز هذا التخلّف واسترداد موقعها الكريم تحت الشمس، وأن لا مجال لمنع الأمّة من التقدّم إلاّ عبر منعها من الوحدة، فكانت التجزئة؛ ولإبقاء هذه التجزئة وهذا التخلّف، ولمنع الأمة من الوحدة والتقدّم، كان لا بد من تهويد فلسطين، قلب الأمّة والرابط بين أجزائها، جغرافياً واستراتيجياً وروحياً (مسرى رسول الله "ص")، فأصبحت الأمّة في مواجهة الثالوث الخطر المترابط جدلياً (التخلّف، التجزئة والصهينة).
لقد ذهبت كل محاولات أبناء الأمّة المخلصة والصادقة، والتضحيات التي بذِلت، للتخلّص من خطر أحد الأقانيم الثلاثة بمعزلٍ عن مواجهة الأقنومين الآخرين، في مهبِّ الريح؛ فازداد وضع الأمّة سوءاً، وتعمّمت النعرات القطرية التي تدعو للتصالح مع الأعداء تحت وهم تأمين المصالح القطرية، رغم أن خطر التجزئة تجاوز الأمّة إلى تجزئة الكيانات نفسها، التي رسّمت حدودها؛ بحيث تبقى عاجزة عن تأمين حاجات ومقومات استقرارها.
والتزاماً بمحدودية الوقت المتاح، أنتقل إلى فكرتي الرئيسية مباشرة؛ لقد تمكنت المقاومة، بمكوّناتها المختلفة، من تأكيد إمكانية هزيمة المشروع الصهيوني وأسقطت أسطورة الجيش الذي تم إعداده وتقديم أكبر دعم ممكن له ليصبح الجيش الذي لا يقهر؛ ففي العام 2000، اندحر هذا الجيش عن الأرض التي كان يحتلها في جنوب لبنان دون قيد أو شرط؛ كما وأجبر آخر ملوك "إسرائيل" (شارون) على تفكيك المستوطنات التي كانت مقامة في قطاع غزة وسحب جنوده منه (عام2005)؛ مع علمنا بأن هاتين الخطوتين جاءتا بناء على نصائح العديد من مراكز الدراسات والمؤتمرات وورشات العمل، لسحب البساط من تحت أقدام المقاومين بهدف وقف المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية؛ وفي هذا السياق، جاء "اجتماع" أنابوليس في أواخر العام 2007.
هنا يأتي دور باحثينا، مفكرينا ومراكز الدراسات؛ كيف نحوّل هذه الخطوات التي أجبِر الأعداء على التراجع عبرها خطوات مستمرة إلى الوراء، لا كما أرادها الأعداء خطوة إلى الوراء من أجل خطوات إلى الأمام، بعد التمكن من تجديد حلقات التآمر على المقاومة؛ وكيف يتكامل المثقفون الثوريون مع قوى المقاومة في الأمة التي أثبتت نجاعتها وقدرتها على مواجهة العدو وهزمه.
فقد فشل العدو في إيقاف المقاومة، رغم تحويل قطاع غزة إلى سجنٍ مفتوحٍ عبر الحصار والمجازر اليومية، ورغم تقطيع أوصال الضفّة الغربية والقدس وتحويلها إلى معازل، محاطة بالجدران العنصرية والحواجز والقواعد العسكرية.
وفي لبنان، فشل العدو الذي استخدم خلال عدوان تموز 2006 كلّ الأسلحة الممكنة ، ما عدا السلاح النووي، ضدّ المقاومة وأهلها والبنى التحتية، إلاّ أنه لم يستطِع بعد 33 يوماً من العدوان والمجازر والدمار سوى احتلال بضعة أمتار من أراضي جنوب لبنان؛ وحتى أنه لم يتمكن من الاستقرار فيها!
إذاً، نحن أمام محطّة جديدة من تاريخ الأمة، انتهى معها عصر الهزائم والأنظمة الخانعة، وجاء عصر المقاومة الشعبية صانعة الانتصارات. هذا الفعل المقاوم المستمرّ، يؤكد لنا ضرورة التمكّن من عوامل القوة وبناء ركائز النهضة والتقدّم؛ فعندما نقاوم، نشعر بأهمية التركيز على التناقض الأساسي مع المشروع الصهيوني، فنقف بمواجهته ومواجهة حلفائه، في الخندق الواحد مع كل المتصدّين له، متجازين التعارضات والخلافات الثانوية؛ إنّني ممّن يرون أن المقاومة ستجعلنا قادرين على الخروج من الدوّامة التي وضعنا فيها الثالوث المعادي؛ وأمّتنا هي اليوم في عنق الزجاجة؛ أن تعود إلى مرحلة الخضوع للهيمنة الاستعمارية بوجهٍ جديد، أو تتمكّن من استعادة عزّها ومجدها السليب.
إن المقاومة، بما حقّقته من انتصارات حتى الآن، وما تعِد به، ستمكّننا من التحرّر من الرؤى النظرية الاغترابية، التي تتصادم مع المشاعر الوطنية القومية والإسلامية والإنسانية؛ كذلك يتصادم الانتماء والولاء؛ من قال إن ما كنّا نفكّر به لناحية الانتماء كان صحيحاً؟ ومن قال إننا عندما نفكّر بوطنيّتنا، فهذا أمر مدان؟ فإذا قال أحدنا: أنا مصري أو فلسطيني أو غير ذلك، يتمّ التشكيك به واتهامه بالانعزالية من قبل القوميين أو العروبيين! ومن يقول: أنا عربي، يجري التشكيك بوطنيته، وكأنّ هناك تصادماً بينهما؛ فالانتماء بكلّ درجاته، إذا بحثنا عنه، رأيناه في قلب تراثنا، في القرآن الكريم (إن إبراهيم كان أمّة...)؛ شخص آمن بفكرة وعمل على تحقيقها وصفه الباري عزّ وجل بـ"أمّة". كما قال تعالى (وجعلناكم خير أمّة)، أي على مستوى البشرية والإنسانية جمعاء. فالانتماء هو دوائر متداخلة تكبر كلّما قوِي العاملون من أجلها.
أما الجماهير، فلا أعتقد بوجود مشكلة لديها. بل المشكلة هي، في عدم وجود مشروع. هذه الجماهير مستعدّة لأن تخرج وتقدّم دمها، لكن ليس في ظلّ غياب كلّي للمشروع الوطني الفلسطيني، وغياب المشروع على مستوى الأمّة؛ أين المشكلة في إيجاد مشروع؟ فالحلّ يكمن عند المثقّفين وأهل الرأي والعلم والخبرة، وليس عند السياسيين أو الجماهير.
إذاً، المخرج يكون بإعادة صياغة مشروع ركيزته الأساسية "المقاومة"، لأنها المفصل في نهضة الأمة ووحدتها. فعندما تتمسك بخيار المقاومة تصبح ملمّاً بأهمية أن تكون وحدوياً؛ فإن لم يحتضنك محيطك العربي، لن تستطيع أن تواصل المقاومة؛ وإن لم تتطلّع إلى بُعدك الإسلامي، لن تتقدّم وتواصل فعلك المقاوم. وإن لم تستعِد بُعدك الإنساني، لن تتقدّم إلى الأمام.
لقد رفع بعض الفرنسيين منذ مدّة صور الأسرى الصهاينة على جدار بلدية باريس، وخرجت مجموعة باريسية تناهض ذلك، وقالت لهؤلاء: إذا أردتم أن تضعوا صور الأسرى الصهاينة الثلاثة على جدار بلدية باريس، عليكم أن تضعوا بجانبهم صور أحد عشر ألف أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، أو فلتنهوا هذا الأمر؛ ما أجبر بلدية باريس على سحب الصور؛ هذا حدث في ظلّ ساركوزي الأكثر صهيونية ممّن سبقه. والقصد أن استعادة البعد الإنساني للصراع أمر ضروري ومهم لنا.
في هذه المرحلة ، يُكشف عن مشاريع لحلّ القضية الفلسطينية تكرّس عنصرية "الدولة اليهودية"، بينما نحن أبناء بيئة وحضارة تتناقض مع العنصرية في فلسطين. زوجتي من صفد، أهلها أخبروني أن سكّان مدينة صفد كانوا فلسطينيين، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، وظلّوا متعايشين بلا مشاكل، إلى أن بدأ الصهاينة بالاستيطان. فلقد حصلت المشكلة مع بداية المشروع الصهيوني؛ وأعتقد أن مشروعنا لمواجهة المشروع الصهيوني يجب أن يشتمل على تلك الصورة الإنسانية المتناقضة مع كل أشكال العنصرية.
نحن في "مركز باحث للدراسات" مع الطرح القائل بـ"دولة فلسطينية واحدة لكل أبنائها". وهذا كان واقع العالم العربي والإسلامي قبل المشروع الصهيوني، حيث لم يُضطّهد اليهود إطلاقاً؛ عندما طرِد اليهود من إسبانيا، كان الملجأ الأساسي لهم في العالم العربي والإسلامي؛ إذا استعدنا هذا المسار في إطار فهم التطورات السياسية والاجتماعية ضمن ما سمّي بالعولمة، نرى أنها تتناقض مع محاولات استغلالها لخدمة مشاريع عنصرية يسيطر من خلالها القوي على الضعيف؛ فالعولمة بعمقها الإنساني تتناقض مع العنصرية؛ إن تضمين مشروعنا هذا البعد الإنساني سيساعدنا في توسيع دائرة التأييد العالمي لصراعنا مع المشروع العنصري الصهيوني. كما نرى أن تبنّي هذا الطرح سيمكّننا من تحقيق قفزة نوعية جديدة في رسم مستقبل فلسطين.
في السياق، بوش سيعود إلى المنطقة في الذكرى الستّين للنكبة (أيار 2008)، للاحتفال بذكرى تأسيس الكيان الصهيوني، بهدف تكريسه كدولة يهودية عنصرية؛ وهو يدرك أن هذا الأمر لن يتحقّق إلاّ بتصفية القضية الفلسطينية، بدءاً من إنهاء قضية اللاجئين؛ وفي هذا الإطار، هناك أكثر من سيناريو مطروح: (التعويض، إعطاء اللاجئين جنسية "الدولة الفلسطينية المؤقّتة"، أو الكونفدرالية مع الأردن، ليتحوّل الفلسطينيون إلى رعايا هذه الدولة). لكن لن يقال بوضوح بأنه جرى إلغاء العودة للاجئين!
وبناء عليه، على المفكّرين وأصحاب الرأي، دراسة سيناريوهات تصفية القضية الفلسطينية، وانعكاسها على مجمل أوضاعنا الحالية والمستقبلية. فلندقّق في هذا الواقع الذي أصبحت فيه الشركات عابرة للقارات تمتلك دولاً، وبدأت تعيد تشكيلها كدولٍ افتراضية؛ فالبنوك والأراضي والمصانع وقطاعات الكهرباء والمياه والاتصالات والشركات الأمنية هي ملك للشركات عابرة القارات؛ ماذا يعني كلّ هذا؟ أين سيادة الدول؟ نريد أن نفكّر بأنه إذا تخلّينا عن قضية فلسطين، وتعايشنا مع الخطط الصهيونية لتصفيتها، أين سيُرسم مستقبل دولنا، وماذا عن سيادتها؟
لقد أكّدت تجارب الصراع المفتوحة مع المشروع الصهيوني، أن الكيان لن يستقرّ إلاّ في حالات محدّدة، مرتبطة بتفتيت الدول العربية والإسلامية، انطلاقاً من الدول المحيطة بفلسطين؛ وأوّل الدول المعرّضة للخطر -إذا استقرّت الدولة الصهيونية"- هي مصر، التي يهيّئون لها أجواء التمحور الطائفي (مسلم وقبطي)، بما يعني أن تفقد مصر وحدتها وهويتها، ولا تصبح مصر التي نعرفها؛ وهذه حال الأردن الذي يفتّت بعنوان: فلسطيني و أردني ؛ أما لبنان فكلّنا نعرف وضعه؛ وكذلك مشاريع التآمر على سوريا جاهزة أيضاً. والقصد أنه لن يستقرّ وجود الكيان، "كدولة يهودية"، إلاّ عبر تفتيت المنطقة العربية؛ ويمكن في هذا السياق العودة إلى أهداف المشروع الصهيوني الذي نشرته صحيفة الأهرام سنة 1982؛ هذا التقسيم وهذا التفتيت يتناغم مع مشاريع اقتلاع الفلسطينيين وإعادة توطينهم.
إذاً، كل هذه الأمور مترابطة. وقيام "الدولة اليهودية" يشترط تفتيت المنطقة على أسسٍ طائفية عنصرية، مع اقتلاع المزيد من الفلسطينيين (الذين مازلوا في أراضيهم المحتلّة سنة 1948 بالخصوص).
إن العائق الحقيقي في وجه هذه المخطّطات يتمثّل في مقاومة الأمّة وفي وحدتها، مع تمكّنها من عوامل القوة، وهذا ما يسعى الأعداء لضربه ؛ وتستحضرني في هذا المكان، وفي مواجهة التحدّيات الراهنة، رؤية الرئيس الراحل عبد الناصر لمصر ودورها القومي، وما كان يؤكّد عليه بشأن الدائرة العربية والدائرة الإسلامية؛ فمصر لا يمكن لها أن تتقدّم وتنهض بدون استعادة دورها المميّز في المنطقة؛ وبدون علاقتها العضوية والحيوية مع هذا العمق العربي والإسلامي.
ماذا يريد الأعداء منا؟ إنهم يعملون على تزييف الوقائع وليّ عنق الحقيقة؛ يريدون بأن تقتنع شعوبنا أن "إسرائيل" لم تعد العدوّ الرئيسي؛ يريدون أن نوافقهم بأن هناك محوراً للاعتدال يضم الكيان الصهيوني ودولاً أخرى، عربية وإسلامية؛ أما إيران وسوريا، فهما في الطرف المقابل (المتطرّفون) أو محور الشر!
إذاًَ،عدوّنا ليس إسرائيل التي يريدون لها أن تكون القطب المركزي في "محور الاعتدال"، بل هو إيران وسوريا وحزب الله وحماس والجهاد وكتائب الأقصى وغيرها من الطيف الفلسطيني المقاوم؛ هذا التزوير الخطير والمهين لعقولنا ولتاريخنا هو ما يجب أن نواجهه في هذه المرحلة الحسّاسة من الصراع.
إن المواجهة الشاملة لن تكون إلاّ عبر بلورة مشروع جديد لديه ركائز فكرية ومادّية ومعنوية صلبة؛ ولا يقول أحد أننا تأخرنا، فهذا استنتاج غير صحيح، لأن صراعنا مع المشروع الصهيوني طويل ومديد.

أ. بيسان عدوان (باحثة فلسطينية)
أحيّي في البداية جميع الأساتذة الحضور، كما أحيّي د. عبد العليم محمد على ورقته حول القضية الفلسطينية بعد "أنابوليس"، كما أحيّي مركز "باحث" والأستاذ وليد على استضافته لهذه الحلقة النقاشية حول الموضوع، ما يشكّل أهمية كبيرة في هذه المرحلة، خاصة بعد دخول الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، طوراً جديداً لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية في "الدولة اليهودية الخالصة".
وإذا ما أردنا تلخيص حصاد "أنابوليس"، فأنا أتفق مع د. عبد العليم أنه على المستوى الإسرائيلي، جرى العمل على بدء التفاوض دون تحديد غاية أو مدى، مع الربط بين وقف الاستيطان و"العنف". كما أن المؤتمر عزّز الانقسام الفلسطيني؛ ولكنّني أختلف معه في وصفه ما دون ذلك من نتائج أنابوليس بـ "الزبد"؛ فالأخطر في "أنابوليس" هو طرح الاعتراف بالدولة اليهودية كشرطٍ رئيسيٍ مسبق قبل التفاوض المباشر.
إن اشتراط "إسرائيل" في سياق اللقاءات التفاوضية ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الكيان، يعني اعتراف الشعب الفلسطيني أو السلطة الفلسطينية بالحركة الصهيونية وبشرعية الهدف الذي طالما سعت له؛ ولا شكّ أن الاعتراف بهذا الهدف يعني الموافقة الصريحة على طرد 18% من سكان إسرائيل غير اليهود أي ("عرب الـ 48) إلى خارج أراضيهم؛ بل والإقرار الدولي والعربي بشرعية هذا الطرد، وهو أمر مستحيل ؛ لأن إسرائيل تسعى للحصول من الضحية على وثيقة تؤكّد قبولها بما ارتكِب بحقّها طيلة العقود الفائتة.
بعد إخفاق قمة كامب ديفيد الثانية سنة 2000، كشف الرئيس الأمريكي بيل كلينتون أفكاره "الشهيرة" لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، والتي تحدّث فيها عن أن "الحلّ سيقوم على أساس دولتين، دولة في فلسطين كبلاد الفلسطينيين، ودولة إسرائيل كبلاد اليهود"؛ وحدّد كلينتون للمرّة الأولى بأن يعود اللاجئون إلى وطنهم الذي هو الدولة الفلسطينية؛ وبذلك عزّز صفة "إسرائيل كوطنٍ للشعب اليهودي".
كما ركّز الرئيس الأمريكي جورج بوش (الإبن)، في قمّة العقبة (2003)، بشكلٍ صريحٍ على أهمية قيام "دولة ديموقراطية فلسطينية تعيش بسلامٍ كاملٍ مع إسرائيل كدولةٍ يهودية"! وأخذ يكرّر هذا التعبير لاحقاً، قبل مؤتمر أنابوليس وخلاله وبعده. وقد شكّل هذا التطوّر، إلى جانب تصريحات و"تفاهمات" أخرى، استجابة أمريكية كاملة مطلب "إسرائيل" برفض عودة "لاجئين" فلسطينيين إلى نطاقها، تلافياً للخطر الديموغرافي المستقبلي؛ وعليه، فقد أدرجت الولايات المتحدة أحد التحفّظات الإسرائيلية الأربعة عشر على خارطة الطريق الأمريكية(أيار 2003) الذي نصّ على "تأكيد حقّ دولة إسرائيل في الوجود كدولة يهودية تمنع عودة لاجئين فلسطينيين إليها، بما في ذلك إعلان فلسطيني بالتخلّي عن حقّ العودة".
وفي واقع الأمر، لم يكن الطلب الإسرائيلي (ولا التأكيدات الأمريكية عليه) وليد لحظة انعقاد مؤتمر أنابوليس في أواخر العام الماضي(2007)، ولا كون هوية "الدولة" الإسرائيلية موقوفة على الاعتراف الفلسطيني أو العربي بها؛ فـ"يهودية الدولة" تُعتبر ركيزة من ركائز الحركة الصهيونية على امتداد تاريخها، وفي صلب عقيدة المحافظين الجّدد في الولايات المتحدة؛ كما أنها أحد محدّدات الثقافة الأمريكية؛ إلاّ أن الخطورة تكمن في دخول مفهوم "يهودية الدولة" الجديد حيّز التنفيذ منذ تعهّد بوش الثاني لرئيس الوزراء  شارون الإسرائيلي في عام 2003 بضمان أمن "إسرائيل"، الذي يعني وفقاً للرؤية الإسرائيلية-الأمريكية "الحفاظ على "يهودية الدولة" من الخطر الديموغرافي الفلسطيني في الدولة العبرية، وترسيم الحدود النهائية لـ "إسرائيل".
وبرأيي، منذ ذلك التاريخ، عزمت الحكومة الإسرائيلية على أن تخطو خطوة رئيسة باتجاه الطور الثالث للحركة الصهيونية، بضرورة تعميق فكرة "يهودية" الدولة، وتعميمها على دول العالم، محاولة انتزاع موقف فلسطيني نهائي حولها؛ فقد أخذ الكنيست الإسرائيلي في يوليو 2003 قراراً بذلك، مشتملاً –أيضاً- على إشارات بأن الضفة الغربية وقطاع غزة ليستا من المناطق المحتلّة، لا من الناحية التاريخية، ولا من ناحية القانون الدولي، ولا بموجب الاتفاقيات التي وقّعتها "إسرائيل". وقد دعا القرار إلى مواصلة تعزيز المستوطنات وتطويرها، وإلى التمسّك بالخطوط الحمر الصهيونية، وفي مقدّمتها السيادة المطلقة على القدس، بشقّيها الغربي والشرقي، المحتلّين في عامي 1948 و1967، مع الاحتفاظ كذلك بالمناطق الأمنية.
وإضافة إلى ما تقدّم، ستعمل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في المدى البعيد على سنّ القوانين التي تؤمّن لها عملية الإقصاء الدائمة والتهميش المستمر للأقلّية العربية التي يبلغ تعدادها نحو (1.4) مليون عربي فلسطيني (في العام 2007)؛ وستعقد مؤتمرات بمسمّيات عديدة لطرح أفكار عن الهاجس الديموغرافي الإسرائيلي جرّاء التزايد الطبيعي المرتفع بين العرب؛ وقد تجلّى ذلك في مؤتمري هرتزيليا الخامس والسادس، فيما بُلوِرت خطط العمل لإنجاز "يهودية الدولة" في مؤتمر هرتزيليا السابع خلال الشهور الأولى من عام 2006، والذي أسّس لمشروعين رئيسيين "مشروع تبادل أراضٍ مع عرب المثلّث والنقب، مقابل دمج المستوطنات الكبيرة في الضفة الغربية مع "الدولة الإسرائيلية"، ووضع خططٍ عملية لإزالة الخطر الديموغرافي العربي عبر:
- قانون المواطنة الجديد (2004).
- تعديل بنود في قوانين التملّك وحيازة الأراضي في "الدولة".
- قانون الطوارئ الإسرائيلي.
- تعديل قواعد الترشيح في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الجديدة (حيث سيُمنع من الترشيح كلّ من لا يقرّ بيهودية الدولة ويعمل على ذلك).
- إعلان "الشاباك" أنه لن يسمح لمن لا يلتزم بالقانون بتعريض أمن إسرائيل للخطر (فيما عرِف بقضية الدكتور عزمي بشارة، حيث تم سحب الحصانة البرلمانية منه وسحب الجنسية، مع تعرّضه لمحاكمة عسكرية).
على مدار ستّين سنة من عمر الدولة العبرية، لم يحتدم النقاش حول هوية هذه الدولة، إلاّ في العقد الأخير، مترافقاً مع حركة "المؤرّخين الجدد" الذين أرسوا في كتاباتهم مصطلح "ما بعد الصهيونية"، اعتقاداً منهم بأن عصر الإيديولوجيات قد انتهى مع دخول الحداثة كشرطٍ أساسيٍ لمفهوم الدولة.
 وحتى يرسّخوا ذلك، عمدوا إلى إعادة كتابة التاريخ الإسرائيلي لتفكيك الإشكاليات التي خلقتها تلك الدولة المستحدثة "المصطنعة"، منها وضع الفلسطينيين "الذين كانوا يقطنون الأرض قبل قيام الدولة، ومن تبقّى منهم في إسرائيل، والفسيفساء اليهودية، وصعوبة الدمج والصهر في الدولة العبرية، نظراً لاختلاف الهويات الثقافية والعرقية لليهود أنفسهم. ووفقاً للمشروع الصهيوني ذي الطبيعة الاستعمارية الكولونيالية، فإن اليهود في مختلف البلدان يشكّلون شعباً واحداً له أرض موعودة، ينبغي العودة إليها، من خلال استخدام كلّ الوسائل المتاحة؛ كان الشكل الرسمي الأول للنّص على "الدولة اليهودية" بصورةٍ غير مباشرة، في تصريح "وعد بلفور" المتضمّن إقامة "وطن قومي للشعب اليهودي فلسطين"؛ ثم في صكّ الانتداب سنة 1922. كما ظهر في توصيات اللجان الدولية التي حاولت وضع حلولٍ للمشكلة في فلسطين بين العرب واليهود.
كما أوضح بن غوريون، في خطابه أمام لجنة بيل الثنائية القومية حول إطار الدولة اليهودية المنوي إقامتها نهائياً من قبل التيّار الرئيسي في الحركة الصهيونية، أن اليهود هم المجموعة الوحيدة التي يمكن اعتبارها مجموعة قومية في فلسطين؛ ولها حقوق تاريخية كاملة على "أرض إسرائيل"؛ وليس هناك أي عرق أو أمّة أخرى -كوحدةٍ واحدة- ترى في هذا البلد موطنها!
ثمّ عاود مفهوم "الدولة اليهودية" إلى الظهور صراحة في قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم (181) بتاريخ 29/11/1947، والذي تحدّث عن دولتين مستقلّتين، يهودية وعربية، تقامان في فلسطين. لقد اعتبره الساسة الإسرائيليون الأساس القانوني والدولي للاستقلال، الذي وضع حجر الأساس لصياغة "وثيقة الاستقلال التي شملت إعلان إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل هي دولة إسرائيل"، على أساس قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة.
ورغم دعوة الوثيقة للمساواة بين اليهود وغيرهم، إلاّ أنّها تظل غير ملزِمة، حيث لا تتمتّع الوثيقة بأي صفةٍ دستورية، إذ لا يوجد دستور للدولة، مع غياب أي ضمانةٍ قانونيةٍ لها، بجانب حرص المؤسّسة الإسرائيلية الحاكمة على إبراز صفة "اليهودية" في العديد من القوانين والقرارات التي اعتمدتها؛ كقانون المواطنة (1950)، وقانون العودة (1950) الذي يحصر حق العودة باليهود دون غيرهم؛ كما القوانين الخاصة باستملاك الأراضي واستغلالها (1953)، التي استمدّت من نصّ دستور الوكالة اليهودية القاضي بأن "يتم اكتساب الأراضي كأملاكٍ يهودية... تؤخذ عقود الأراضي المكتسبة باسم صندوق الدعم الوطني اليهودي على أساس اعتبارها أملاكاً تخصّ الشعب اليهودي ولا يمكن التصرّف بها. .. كما نصّ القانون الأساسي للدولة والكنيست الصادر سنة 1985، على أن "المرشّحين لن يشاركوا في انتخابات الكنيست، إذا وجِد في أهدافهم أو أفعالهم ما ينفي قيام دولة إسرائيل كدولةٍ للشعب اليهودي".
وفي رأيي، هناك إشكاليات متعدّدة رافقت المشروع الصهيوني ودولته المتجسّدة فعلياً، كان أهمّها (الفلسطينيون الذين بقوا في أراضيهم ضمن حدود "الدولة" الإسرائيلية)، ودائماً ما يشكّلون خطورة على "الدولة اليهودية"؛ فرغم تمكّن إسرائيل من تهويد غالبية فلسطين بعملية إحلالية تهجيرية-استيطانية، إلاّ أن من تبقّى من الفلسطينيين فيها شكّل هاجساً للسياسات الإسرائيلية على اختلافها؛ فلم تُحل سياسات الضبط الأمني والاجتماعي –الاقتصادي دون بلورة الهوية الثقافية للجماعة الفلسطينية-العربية، أو في تطوّرها الجمعي السياسي والاجتماعي في "الدولة العبرية"، بجانب نموّها الديموغرافي الذي شكّل الهاجس الرئيسي المهدّد لهوية "الدولة"، خاصّة مع "نضوب" الهجرة اليهودية بسبب قلّة عدد اليهود في العالم، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً لحراجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الكيان.
لذا، فقد علت الأصوات اليمينية المطالبة بضرورة طرد الفلسطينيين من داخل "إسرائيل" لخطورتهم الأمنية والديموغرافية. كما أن القبول بالتسوية (كأمرٍ واقع) يفرض استحقاق القبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين أو عددٍ كبيرٍ منهم إلى الدولة الفلسطينية (في حدود الأراضي المحتلّة سنة 1967)، الأمر الذي يشكّل تهديداً ديموغرافياً جديداً على "إسرائيل".
إن الاعتراف بـ "يهودية" الدولة الإسرائيلية، يعني التخلّي فعلياً عن عودة كلّ اللاجئين الفلسطينيين أو معظمهم ، وعدم مسؤولية الدولة العبرية عمّا حدث لهم؛ كما أنه يؤسّس إلى عمليات تهجير طوعية قسرية للفلسطينيين في الأراضي التي احتلّت 48، أو ما يسمّى بالدولة اليهودية. لقد جاء التأكيد على هوية "الدولة اليهودية" كشرطٍ للتسوية، لضمان بقاء إسرائيل كدولة لليهود فقط!
وأعود إلى سؤال ورقة د. عبد العليم: ما العمل؟ فأقول: أنا أتفق مع بعض المبادئ التي طرحها لمواجهة هذا الطور الجديد من الصراع، مثل إعادة صوغ المشروع الوطني الفلسطيني، وأساليب واستراتيجيات تحقيق ذلك المشروع؛ وهنا تكمن الإشكالية الفلسطينية/ العربية في مواجهة "الدولة العبرية"، حيث أن الخطورة جاءت من المشروع الفلسطيني طيلة العقود الثلاثة الأخيرة التي أوصلتنا إلى هذا النفق، خاصّة أن الحاضنة الرئيسية للمشروع كانت منظمة التحرير الفلسطينية، ومركزية قرارها، وسيطرة بعض القيادات التي فرّطت بحدود ومعالم المشروع وأساليبه واستراتيجيته.
إن م.ت.ف لا يمكن إصلاحها تحت عنوان سمّاه د. عبدالعليم "وفق معايير مقبولة فلسطينية تقرّها..."، حيث أن علاقات القوى والمصالح لا يمكن أن تسمح بتغيير بنية أو هيكلية المنظمة؛ كما أنه لا يمكن صياغة أي مشروع وطني فلسطيني في حاضنة قديمة وبالية، استخدمت شرعية تمثيلها للفلسطينيين للتفريط بمشروعهم الوطني؛ كما أرى أنه يجب إعادة صياغة المشروع الوطني بما لا يمكّن قياداته، أياً كانت، من التفريط به في أي مرحلة بالخصوص.
لا يزال الصراع مفتوحاً بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في غياب قوّة حقيقية تستطيع تغيير ميزان القوى، وطالما لا توجد رؤى استراتيجية لحلّ هذا الصراع تدفع الأطراف الداخلية والخارجية لقبولها، باعتبارها المقاربة الأكثر واقعية لإنهاء صراع الوجود هذا؛ ولعلّ الخطاب الفلسطيني (بمرحليّته) طيلة العقود الماضية، كان نتاج رؤية وممارسة الطرف الإسرائيلي؛ وعليه، فإن الصراع لن ينتهي بإقرار تسوية جديدة هشّة وضعيفة، ولا بمقاومة مقيّدة داخل الأراضي الفلسطينية ، ومفتقدة إلى رؤية واضحة من استخدام ذلك الأسلوب وحسب ؛ لذلك، على الجانب الفلسطيني كونه طرفاً أساسياً في أية تسوية إبقاء راية المقاومة مرفوعة ومشهرة في وجه الاحتلال؛ لكن عليه اختيار وسائل وأساليب مقاومة، تسهم في تعميق أزمة الكيان، ويستطيع المجتمع الفلسطيني تحمّل تبعاتها، مع العمل على تحقيق إجماع فلسطيني حول المقاومة ووسائلها المتاحة التي من الواجب التوافق عليها، والتي تخدم وتحسّن الواقع الفلسطيني في هذه المرحلة.
إن عدم تحقيق هذا الإجماع، يضعِف الطرف الفلسطيني ويزيد من قوّة الكيان الإسرائيلي-الصهيوني، علماً بأن وجود برنامج فلسطيني يحقّق إجماعاً وطنياً سوف يسهِم أيضاً في تعميق الأزمة داخل الكيان؛ وعلينا أن نعود لتبنّي خيار دولة فلسطينية ديموقراطية علمانية واحدة لكل مواطنيها، عبر التأكيد على:
أولاً: كشف عنصرية الكيان الإسرائيلي في جميع المحافل والهيئات الإقليمية والدولية.
ثانياً: مشروعية الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
 ثالثاً: البحث عن أساليب جديدة لمواجهة وكشف السياسات التمييزية التي يمارسها هذا الكيان، وتناقضاتها تجاه اليهود والفلسطينيين بالتوازي.
رابعاً:إقامة علاقات مميّزة مع جميع الدول التي ترفض دور هذا الكيان وأفعاله العدوانية.
خامساً: الابتعاد عن اعتماد سياسات تساعد في إخراج الكيان من أزمته التاريخية، والتي يسعى للخروج منها من خلال الاستمرار بالاستيطان وتهويد الأرض وبناء الجدران الفاصلة والاعتداء على الشعب الفلسطيني، وحصاره داخل المدن الفلسطينية في الضفة وغزة.
سادساً: الابتعاد عن الحلول الجزئية والانتقالية (دولتان لشعبين-دولة ثنائية القومية- كونفدرالية مع الأردن وإسرائيل)، مقابل طرح رؤية إنسانية لحلّ الصراع وتفكيكه، عبر تبنّي خيار المواطنة والديموقراطية والعلمانية لدولةٍ واحدةٍ لكلّ مواطنيها، يهوداً ومسلمين ومسيحيين.

الأستاذ أحمد بهاء الدين شعبان (كاتب مصري)
أرحّب بمركز باحث للدراسات، محيّياً جهوده القيّمة في خدمة القضية الفلسطينية، ومنها الدعوة الكريمة لمناقشة هذه الورقة المميّزة التي أعدّها وقدّمتها الأستاذ الدكتور عبد العليم محمد، بما تضمّنته من رؤية محدّدة لواقع وآفاق قضية الشعب الفلسطيني وصراعنا المصيري في مواجهة المشروع الصهيوني، خاصّة في هذه المرحلة المشوّشة التي أعقبت عقد مؤتمر "أنابوليس"!
وأبدأ بملاحظاتٍ أساسيةٍ حول بنود الورقة:
ففي الصفحة الثانية، الفقرة التي تبدأ بـ "والحال أن المبادرة التي حظيت بإجماع العرب. .. "، تطرح قضية هامة أودّ التركيز عليها؛ تلك هي المتعلقة بمصطلح "العرب" المستخدم؛ والواقع –في تصوّري- أن هذا المصطلح غامض؛ فهناك اليوم "عَرَبان" لا عرب واحدة؛ هناك عرب التبعية والتطبيع والهرولة في خط تلك الإدارة الأمريكية ومشاريع تسويتها، وهناك عرب الشعوب المقاومة والمجابهة لهذه المشاريع؛ فالحديث باسم "عرب" واحدة غير دقيق؛ ويجب أن نميّز بين الجماهير العربية صاحبة القضية، وبين الأنظمة التابعة التي تريد التخلّص من عبء هذه القضية، ولو على حساب الشعب الفلسطيني؛ كذلك، حين يأتي الحديث عن الفلسطينيين في خارج فلسطين، أنا أتحفّظ على استخدام مصطلح "فلسطينيو الشتات"، رغم إدراكي لمدلول هذا التعبير. وأقترح بديلاً عنه استخدام مصطلح "الفلسطينيون خارج الأرض المحتلّة"؛ إذ أن كلمة "الشتات" تستدعي مفهوماً آخر مرتبطاً بمفهوم "الدياسبورا" الصهيوني، والذي استخدِم باستمرار في ارتباطه معه؛ أما تعبير "الفلسطينيون خارج الأرض المحتلّة" فيربطهم بالوطن المسلوب، ويُبِقي قضية الاحتلال ماثلة، ويؤكد وجوب المقاومة.
كذلك، في الصفحة الثالثة من الورقة التي بين أيدينا، في الفقرة الثانية، جرى الحديث عن إقناع المفاوض الفلسطيني بقبول "دولة فلسطينية في جزء من أراضي عام 1967، خاصّة الضفة الغربية، دون سيادة أو استقلال. ..إلخ"؛ وفي اعتقادي أن هذا المستوى من عروض التسوية لم يعد وارداً أو مطروحاً، خصوصاً لجهة الحديث عن الضفة الغربية"، هكذا ودون تحديد. فنحن نعلم أنه قد تمّ التهام أجزاء كبيرة منها بضمّها إلى القدس الكبرى والحزام الأخضر، وتفتيتها بواسطة المستوطنات وشبكة الطرق الالتفافية والجدار العنصري. .. إلى غير ذلك من الأساليب الصهيونية التي باتت معروفة؛ ومن الواجب مراجعة هذا المفهوم وتحديد المقصود منه بدقّة.
وأيضاً، فيما يتعلق بالبند الثامن الوارد في الصفحة الخامسة الذي يتحدث عن مبدأ "الأرض مقابل السلام"، تقول الورقة:
"ورغم تهافت هذا المبدأ ومجافاته للواقع، فإن إسرائيل تكاد تتخلّى عنه. .. فالأرض ليست مقابل السلام، بل جزء منها فقط مقابل السلام"...
أعتقد أن ما هو مطروح، أيّاً كانت حدوده، ليس مقابل "السلام" الذي توحي الورقة بأن إسرائيل تطلبه بثمنٍ محدود. فإسرائيل تريد هيمنة كاملة وخضوعاً "مطلقاً" وسيطرة دائمة على شعب فلسطين وعلى كل المنطقة وثرواتها؛ ليس المطلوب منّا النضال من أجل زيادة رقعة الأرض المطلوبة مقابل السلام مع هذا الكيان، وإنما الدفاع عن مجمل الحقّ الفلسطيني والعربي في مواجهة مشروع استئصالي طامع في كل شيء، ومقابل لا شيء تقريباً؛ وبشكلٍ عام، أتصوّر أنه من المهم من خلال هذه الورقة وغيرها، إعادة الاعتبار إلى الثقة في موقع ودور الشعوب العربية، بعدما تأكّدنا مراراً وتكراراً من عجز الأنظمة أو تواطئها أو خيانتها.
وأتذكّر في هذا السياق مقالاً للمحلّل العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي "زئيف شيف"، ضمّنه هجوماً حاقداً على المثقّفين المصريين والعرب المناهضين للتطبيع، واتّهمهم فيه بالجهل والغوغائية، وألقى عليهم باللائمة لأنهم حطّموا أحلام "السلام" المزعوم في المنقطة!
في هذا الإطار، أودّ أن أناقش فكرة "حثّ" الأنظمة العربية على أن تلعب دورها في التصدّي للمشروع الصهيوني، كما اقترح الأستاذ الدكتور عبدالله الأشعل؛ فمن وجهة نظري، إن أغلب هذه الأنظمة قد حسمت موقفها بالانحياز الكامل ضد مصالح شعوبها، ولا يمكن إقناعها بغير ذلك، فهي تعرف موقعها، ومع من تتحالف؟! ولماذا؟. .. إنها اختارت أمريكا وبرامجها. .. حتى رأينا دولة مثل قطر، على سبيل المثال، تسعى بشكلٍ حثيث، بل وتدفع المليارات من الدولارات، من أجل استقدام قوات أمريكية إلى أراضيها، فيما دولة أخرى (الإمارات) تهدي قاعدة عسكرية على ترابها لفرنسا!! صحيح أن درجات خضوع هذه الأنظمة متباينة، وهناك بعض الفروقات بينها وبين معسكر الأعداء، لكنها على الأرجح ثانوية.
 وأنا هنا أعوّل على حركة الجماهير، التي أعرف أنها تعاني من الضعف والتفكّك والإحباط، لكنّني في النهاية أثق بها وحدها، وأعرف أنه سيأتي الوقت الذي تتحرّك فيه دفاعاً عن وجودها ومصيرها.
وهناك موضوع آخر على درجةٍ كبيرةٍ من الأهمية. .. ففي مجموعة البنود التي تتضمّن ستّة مبادئ أوردتها الورقة، في الصفحة السادسة، ينصّ البند الخامس على ضرورة "فكّ الارتباط" بين الأجندة الفلسطينية والأجندة الإقليمية.
لقد كان من اللازم، في اعتقادي، تدعيم نضال الشعب الفلسطيني وقياداته من أجل بلورة الشخصية الوطنية الفلسطينية، واستنفاذ القرار الفلسطيني من براثن الأنظمة العربية؛ فهذا أمر صحيح ومطلوب، لهزيمة المشروع الصهيوني العنصري، الذي كان ينهض على إنكار وجود "شيء" اسمه شعب فلسطين.
غير أنني، وفي المقابل، أتحفّظ على الكثير من الممارسات الرسمية الفلسطينية التي دفعت في أحيانٍ كثيرة بشعبنا الفلسطيني إلى تخوم "الشوفينية العربية"، وبما هدّد بتأزّم العلاقة بين هذا الشعب والجماهير العربية. من حيث المبدأ ، أنا مع استقلال الإرادة أو القرار الفلسطيني؛ غير أن هذا لا يلغي أبداً الارتباط العضوي بين الشعب الفلسطيني وامتداداته العربية. .. وأخشى أن يصبّ الحديث عن "فك الارتباط" هذا –وأعرف أنه ليس ما يقصده الدكتور عبد العليم- في هذا الاتجاه الخطر الذي يتبنّاه البعض، في الطرفين (الفلسطيني والعربي)، والذي يرى مصلحته في إنهاء العلاقة المصيرية بين فلسطين وأمّتها العربية، و"اللعب" منفرداً بعيداً عن أية ضوابط؛ إن ارتباطنا (كمصريين وعرب) بالقضية الفلسطينية هو ارتباط مصيري؛ ونحن حينما نناضل دفاعاً عن الشعب الفلسطيني وحقوقه، لا نقدّم ذلك هبة أو منحة له، وإنما لإدراكنا أن أن شعب فلسطين يدافع عن مصالحنا ويقف في خندق بلدنا وأمتنا، ومن الواجب توضيح هذا البعد في الورقة لأهميته؛ فالمطلوب التأكيد على أهمية دور الجماهير الفلسطينية والعربية، في التصدّي للمشروع الإمبريالي والأمريكي-الصهيوني وهزيمته.
أيضاً، من الضروري للغاية أن يُعاد التأكيد في الورقة على أهمية الكفاح المسلّح، مع أشكال النضال الأخرى. ذلك أن هذا الضرب من النضال يتعرّض اليوم لهجومٍ عنيفٍ من الأعداء، بهدف القضاء عليه تحت زعم الخلط بينه وبين "الإرهاب"، وهو ما يعني استهداف الإرادة الشعبية، والقدرة الجماهيرية، لنزع قدرتها على المقاومة بكافّة الأسلحة المتاحة، وهو حقٌ معترفٌ به، طالما مارسته كل الشعوب التي احتلّت أراضيها حتى تقهر مغتصبيها؛ ولولا المقاومة، ما كان للقضية الفلسطينية أن تقوم لها قائمة، أو أن تحظى بانتباه العالم "اللاهي"، ولظلّت قضية مهملة يُنظر إليها باعتبارها مسألة "إنسانية" يستحقّ أصحابها الحسنة والشفقة، في أحسن الأحوال!
وهناك  قضية "يهودية الدولة الإسرائيلية" التي أرى أنها تستحق أن تلقى اهتماماً من القوى والنخب والجماهير العربية المناهضة للمشروع الإمبريالي والصهيوني، ذلك أن "يهودية الدولة الصهيونية"، في تصوّري، تمثّل الطور الخطر الجديد للمشروع الصهيوني في المنطقة؛ فإعلان إسرائيل كـ"دولة يهودية" وتأييد أمريكا السريع لهذا التوجّه، على لسان جورج بوش، وصمْت الأنظمة العربية المخزي في مواجهة هذا الطرح، إنما يمهّد لعهدٍ جديدٍ من الطرد، أو "Transfer" للشعب الفلسطيني، بتهجير أكثر من مليون من أبناء هذا الشعب من المناطق المحتلّة سنة 1948، لـ "تطهير" الدولة اليهودية منهم، ولضمان نقائها العنصري!!
من هذا المنطلق، نقرأ ما تردّد مؤخراً عن مشاريع لتوطين بعض أبناء الشعب الفلسطيني في سيناء المصرية، وهذا أمر بالغ الخطورة يتطلّب الفضح، ووضع الخطط المنهجية من أجل التصدّي له، ولإفشال تصفية الحقّ الفلسطيني التاريخي، باستكمال عمليات طرد الفلسطينيين التي لم تتوقف خارج وطنهم التاريخي.
وأعيد التأكيد ختاماً، على الأهمية القصوى، في ظلّ المخاطر الهائلة التي تهدّد القضية الفلسطينية، والانعكاسات السلبية للانقسام الفلسطيني، على الحاجة الماسّة لإعادة الاعتبار لدور الجماهير الفلسطينية في تحرير وطنها.
لقد جرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة تحويل مؤسّسات (م.ت.ف) إلى هياكل بيروقراطية، ابتعدت عنها الجماهير، وأدار الشباب الفلسطيني ظهره لها، لأنه لم يجد له دوراً من خلالها في خدمة قضيته؛ كما حدث بالنسبة إلى كل الشباب العربي في مواجهة بيروقراطية أشكال العمل السياسي والعام في مختلف البلدان العربية.
وإذا كانت هذه الوضعية مقبولة من شباب هذه الدولة العربية أو تلك، فهي لا يمكن أن تُقبل من أبناء الشعب الفلسطيني لخطورتها على مستقبل القضية المركزية ذاتها؛ وأنا أعرف جيداً أن هذا أمر عارض، وهو تعبير عن يأس وإحباط الأجيال الفلسطينية والعربية الجديدة من الأوضاع السياسية البائسة التي تحيط بها، وعن رفضٍ كاملٍ لتسلّط قيادات عفا عليها الزمن، وصارت غير قادرة على التفاعل مع هذه الأجيال؛ وفي كلّ الأحوال، هذا الوضع الانقسامي خطير، ومن الضروري –بأسرع السبل وأنجحها- مواجهته.
إننا نناشد الإخوة الفلسطينيين، رحمة بشعبهم وبقضيتهم، أن يسارعوا لحلّ أزماتهم الداخلية وأن يضعوا حداً لها. فما يحدث الآن في الواقع الفلسطيني هو كارثة بكل المقاييس، وما يتبعه من انعكاسات سلبية على الحركات الشعبية المقاومة، داخل فلسطين، أو الداعمة لحقّ الشعب الفلسطيني في الخارج، هو خطير ومفصلي، وقد يؤثّر لسنين طويلة على كل ما تم إنجازه في المراحل الماضية.
أكرّر شكري لاجتهاد الدكتور عبد العليم محمد وجهده، وتحيّاتي لمركز "باحث"، وما يقدّم للقضية الفلسطينية من جهدٍ فكريٍ ونظريٍ مرموقين.

الأستاذ عبد القادر ياسين (باحث فلسطيني)
أبدأ بتقدير الورقة التي أعدّها الصديق العزيز د. عبد العليم محمد؛ وهي غنيّة وتنمّ عن إلمامٍ واسعٍ بتطوّرات القضية الفلسطينية بعد لقاء "أنابوليس" وقبله؛ كما أشكر مركز باحث للدراسات على تنظيم هذه الحلقة النقاشية.
أريد أن أبدأ من الآخر؛ لقد "عصَرَ" الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزّة فدفع شعبه إلى مصر "الأم الحنون". وكان اندفاعه بكلّ هذه القوة التي سبّبت رضوضاً لهذه الأم، ممّا أزعج خصوم مصر وخصوم غزّة، وجعلهم يقولون بأن حماس عقبة في طريق التسوية؛ لكن عرفات كان قد وقّع لهم، كما أنه "حبس" حماس وأبناءها، وهم لم يفوا بوعدهم له في 4/5/1995، حيث كان المفروض أن تقوم الدولة الفلسطينية المستقلّة!
ولي هنا ملاحظات حول بعض ما قيل؛ عبّرت الأخت بيسان بأنها ضدّ الطرفين المتخاصمين، وهي لا تريد أن تجرّ للوقوف مع حماس أو فتح؛ لكن هذه المساواة بين الطرفين فيها تبسيط للموقف؛ فالصراع بين حماس وفتح ليس على السلطة، لأنه ما من سلطة تحت الاحتلال؛ وما جرى في غزّة في حزيران 2007 ليس انقلاباً كما يقولون، لأن حماس وصلت إلى الحكم بأصوات الناخبين؛ وبرزت عقبة أمام الحركة الوطنية الفلسطينية والوحدة الوطنية، وأمام حماس –منعتها من ممارسة الحكم؛ هذه العقبة المتمثّلة في قيادات الأجهزة الأمنية، التي كان يجب التخلّص منها؛ واللافت للنظر أن عباس كان قد شكّل لجنة بقيادة "الطيّب عبد الرحيم" رئيس ديوانه، سلّمت بفساد هذه القيادات وانخراطها مئة بالمئة في أعمال الفلتان الأمني؛ وقيل بأن معظم من قاموا بأحداث الفلتان الأمني قبيل الحسم العسكري كانوا من أفراد الأمن. فلا أعرف أين وجه الاختلاف هنا، إذ حصل تقارب بوجهات النظر بين حماس وعباس على أن هذه القيادات الأمنية سيّئة؛ فلماذا حدث ما سمّي الانقلاب؟ أعتقد أنه حين وقّع محمود عباس اتفاق واشنطن سنة 1993، كان يتعهّد أيضاً بنزع ثوب المقاومة والتحرّر الوطني عن الشعب الفلسطيني، ممّا وضعه (وعرفات) في مواجهة مع أي مقاوم للاحتلال؛ وتصادف أن من كان على رأس المقاومين هم مقاتلو حماس؛ وكان من الممكن أن يكون الشيوعيون أو القوميون أو غيرهم؛ لذلك أقول إن حماس هي التي تلقّت الضربة الكبرى من سلطة الحكم الذاتي بمجرّد دخولها إلى الأراضي الفلسطينية؛ وحين وجد عرفات أن طريق التسوية مسدود أمامه، انتظر ما يقارب سنة ونصف السنة ليدفع بالانتفاضة مجدّداً.
عرفات كان شخصاً يضارب". لقد "ضارب" بأوسلو عندما لم يحصل على الدولة؛ و"ضارب" بالانتفاضة (الثانية)، وكان عليه بعد أسبوعين أو شهرين أن يوقِفها؛ إلاّ أن الأمر خرج من يده، حتى أوصلنا إلى الوضع المزري الذي نعيشه.
إن الصراع الدائر هو بين من يريد مقاومة ومن لا يريد مقاومة؛ وصحيح أن فتح حركة وطنية عريقة، لكن زمام أمورها صار في يد غير الوطنيين؛ حين استشهد ابن محمود الزهار، حصل ابن محمود عباس على احتكار "الموبايل" في الضفّة الغربية من الأمريكيين! لقد طالبت الأخت بيسان بوقف التعامل مع م.ت.ف، وإيجاد أشكال وصيغ أخرى؛ وأنا أرى أن المشكلة أو العيب ليس في م.ت.ف، بل في الذين همّشوها من عرفات إلى عباس، ولم يستحضروها إلاّ للاستقواء على الخصم؛ لقد استقوى عرفات بها ضدّ عباس، عندما فرِض من الأمريكيين والإسرائيليين كرئيسٍ للوزراء؛ واستقوى عباس بها لاحقاً في مواجهة حماس!
والعيب يكمن أيضاً في باقي الفصائل التي لم تستطع "تشغيل م.ت.ف" عندما دخل عرفات إلى الأراضي الفلسطينية، وأبقى المنظمة بكلّ مؤسّساتها ودوائرها في الخارج؛ وهذه المسألة تثير أسئلة كثيرة حول مدى فاعلية تلك الفصائل ومصداقيتها؛ إن فساد بعض قيادات "فتح"، هو الذي أتى بحماس إلى السلطة. وهي لم تكن لتنجح إلاّ بأصوات أبناء "فتح" نفسها، كما من أصوات المسيحيين، للخلاص من هذا الفساد. أما حول المبادرة العربية (2002) التي ذكرها د. عبدالعليم، فأقول إنها لم تكون موجودة منذ سنين (في واقع السياسات الإقليمية)، لأن شروط المبادرة مفقودة، وهي كما نعرفها:
1- يجب أن تحتفظ بمسافة واحدة بينك وبين كلا المختلفين.
2- يجب أن تمتلك قدرة على معاقبة من يخرج عن تلك المبادرة.
3- يجب أن تكون لديك قدرة على تنفيذ هذه المبادرة بنفسك ، في حال تلكؤ أحد الطرفين أو كليهما في التنفيذ.
ولعلّ من المستهجن أن يتقدّم "النظام العربي" بوصفه وسيطاً في الصراع العربي-الإسرائيلي؛ والأنكى من ذلك أن هذا الوسيط استمرأ الفشل، تلو الفشل!
والآن؛ بعد ست سنين، لم يعد هناك ما يسمى بالمبادرة العربية. وقد وعد الأمريكيون العرب شفوياً بأنهم سيضعونها في "أنابوليس"؛ ولم يحدث ذلك؛ مع ملاحظة أن كلّ الحكّام العرب ذهبوا إلى "أنابوليس" رغماً عنهم، رغم الشروط التي وضعوها مسبقاً، إلاّ أنهم ذهبوا. وهذه جريمة اقترِفت بحقّنا جميعاً.
وحول إجماع العرب، أقول: لا يجب أن يوضع الجميع في سلّة واحدة؛ فالحكّام العرب هم إما متواطئون أو عاجزون؛ وأقول: لن تكون دولة فلسطينية؛ فهناك توجّه محموم لدى الإسرائيليين لإعادة ربط قطاع غزة  بمصر، وربط الضفة الغربية بالأردن، كما قالت الأخت بيسان، أو أن يتمّ تقاسم وظيفي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ أنا مع الأستاذ بهاء حين قال (فك الارتباط)، لئلا يُفهم أن يتمّ فك الارتباط مع عمقنا الاستراتيجي العربي؛ يمكن أن نقول فك الارتباط مع الأجندة الرسمية العربية، ويجب أن يتم التفريق في التعامل بين الأنظمة والقوى الحيّة في الأمة؛ وللأسف، كانت المقاومة الفلسطينية طيلة أربعة عقود تقيم علاقة مع الأجهزة الأمنية وليس مع الدولة نفسها أو مع القوى الحيّة العربية.
فيما يخصّ الخلاف مع محمود عباس، أنا أتابع "هذا الرجل" منذ زمن، ولم أُدهَش حين وصف الصواريخ التي تُلقى على "إسرائيل" من غزة بأنها عبثية؛ كما لم أُدهَش حين وصف العمليات الاستشهادية بأنها حقيرة؛ وألفت النظر هنا إلى أن عباس لم يكن أصلاً مع الانتفاضة الثانية، وله حديث مهم مع سامي عمار (مندوب جريدة الشرق الأوسط) في 30/10/2000، ذكر فيه صراحة أنه ضد الانتفاضة.
ومعروف أيضاً التحالف غير المقدّس الذي قام بينه وبين محمد دحلان ونبيل عمرو؛ وقد تجلّى ذلك يوم 5/11/2001 عندما ذهبوا إلى عرفات في غزة وقالوا له: "يجب أن توقِف الانتفاضة والفساد"، فردّ عليهم: "أما الفساد فهو عند دحلان"..!
وهذا التحالف مستمرّ حتى اليوم، وإن كان قد دخل في تناقضات داخلية؛ إلاّ أنهم يعملون مجتمعين للإطاحة بسلام فيّاض المعتمد من طوني بلير، مبعوث "الرباعية"، ووريث بلفور؛ ومن سبق له أن أتى بعباس (ربيع 2003) رئيساً لوزراء السلطة في مناطق الحكم الذاتي، تمهيداً لخلافة عرفات (خريف 2004)!
وأخيراً، أفضل إضافة عنوان تفعيل العمق الاستراتيجي العربي إلى الورقة المطروحة للنقاش.

الدكتور عبدالله الأشعل (باحث وخبير مصري)
أشكر مركز باحث للدراسات على استضافته هذه المائدة المستديرة لمناقشة القضية الفلسطينية في القاهرة. كما أُثني على ورقة د. عبد العليم محمد القيّمة؛ وأبدأ بالتذكير أن القضية الفلسطينية هي قضية كلّ العرب، كما أن قضية "يهودية الدولة" التي طرِحت في أنابوليس هي قضية كل الصهاينة. لكن الصهاينة عملوا منذ سنة 1897 حتى سنة 1948 على هذا الهدف، وحشدوا في سبيل تحقيقه كل الطّاقات والإمكانيات؛ فكان إعلان وعد في بلفور ت2 (1917) بمثابة اللبنة الأولى لتنفيذ المشروع الصهيوني، وتحقيق حلم إقامة الوطن اليهودي، وباعتراف المجتمع الدولي الذي تجلّى في قرار التقسيم الجائر.
إن المشروع الصهيوني لم يبدأ في العام 1948، تاريخ إعلان (الدولة) أو ما سمّي (الاستقلال)؛ وأريد هنا أن أحذّر الإعلاميين العرب من استخدام مصطلح (إعلان الاستقلال)، كما تدّعي إسرائيل؛ فنحن نستخدم المصطلحات الصهيونية نفسها، الأمر الذي يعني أننا نقرّ بأن هناك شعباً يهودياً كان يعيش في فلسطين تحت نير الاستعمار، وكان "يناضل" ضده، ثم استقلّ عنه؛ وبالتالي، نحن نقرّ بوقائع غير صحيحة؛ أدرس على سبيل المثال (حق تقرير المصير)، فلا أقرّ بأنه حق تقرير المصير الفلسطيني مع حق تقرير المصير اليهودي أو الصهيوني، بل أدرس حق تقرير المصير الفلسطيني فقط، لأن الصهيونيين أطلقوا كذبة حقّ تقرير المصير اليهودي كحقيقة، وكرّسوها في العالم لدرجة أن المقاربات لها أصبحت واردة لدى الحكام العرب؛ وأنا أقول إن ممارسة حق تقرير المصير لشعبٍ ما تكون على أرضٍ ملكٍ لهذا الشعب لا لشعبٍ آخر؛ وعلينا أن نقرّ بأن فلسطين هي ملك للفلسطينيين.
كذلك الحال فيما يخصّ "الشتات" اليهودي في العالم الذي يسمّى (الدياسبورا)، وهذا مصطلح غير صحيح. فالدياسبورا تعني أنه كان هناك أبناء شعب على أرضٍ ما، ثم تفرّقوا وشتّتوا في العالم، أي أصبحوا مغتربين، واليهود ليسوا كذلك! كما أننا نستخدم مصطلح القدس فقط دون نضيف عبارة المحتلّة، وكأننا نقرّ بأن القدس عاصمة أبدية لـ "إسرائيل" كما هم يريدون؛ والقصد أن هناك عدّة مصطلحات صهيونية تم تكريسها، ونحن نستخدمها لتصبح طبيعية لدينا.
قد يقول قائل: هذه قضايا سطحية؛ ولكنها رغم بساطتها تروّج للمفاهيم الصهيونية؛ والحقيقة أن العالم العربي بدأ منذ 1977 يتّجه في هذا المسار. وأنا أقول إن "أنابوليس" كان المناسبة التي أعلِن فيها عن المرحلة الثالثة للمشروع الصهيوني؛ فقد تمثّلت المرحلة الأولى في قيام "الدولة اليهودية" سنة 1948، وكانت المرحلة الثانية بعد سنة 1967، أي بتثبيت قيام "الدولة"، بعد الحصول على اعترافٍ رسميٍ عربيٍ مقابل الانسحاب من الأراضي التي احتلّت سنة 1967.
وكان احتلال إسرائيل لبيروت في ثمانينيات القرن الماضي بمثابة خطوة تكميلية للمرحلة الثانية في تثبيت قيام "الدولة اليهودية"؛ ففي مذكّرات شارون، نقرأ له: "إنكم ستقدّرون خطوة بيروت الآن. فأهميّة تلك الخطوة أنها غيّرت مسار الصراع"؛ أي بعد أن كانت م.ت.ف تقوم بمقاومة الكيان الصهيوني، صار لزاماً عليها أن تُنهي الشقّ العسكري المقاوم بالكامل، وتتحوّل إلى العمل السياسي، باتجاه المفاوضات التي أوصلتها إلى "عملية أوسلو" وما بعدها؛ أما المرحلة الثالثة التي أعتبرها قاصمة، فتمثّلت في إعلان الدولة اليهودية رسمياً خلال لقاء بوش مع شارون، ثمّ مع محمود عباس في قمة العقبة 2003، حيث تحدّث شارون صراحة عن هذه الدولة العنصرية.
 فالمحادثات التي سبقت "أنابوليس" كانت تمهّد للاتفاق على وثيقة تفاهمات ، كان أهمّها أن كلّ حقوق الشعب الفلسطيني تتمثّل في إعلان دولة فلسطين يقابلها الاعتراف بالدولة الإسرائيلية اليهودية؛ ففي "أنابوليس" وضعوا أرضية لبدء المفاوضات، إلى أن جاء بوش إلى المنطقة؛ وفي زيارته للعواصم العربية، ترتّب عليه التأكيد على المرحلة الثالثة في قيام "الدولة اليهودية"؛ وهو ردّد مقولته بكلامه عن عدم الانسحاب إلى حدود 1967، واستكمال الجدار الفاصل العنصري كحدودٍ مرحليةٍ للدولة اليهودية، وإسقاطه خارطة الطريق، كما القرار (194) وحقّ العودة للاجئين!
واعترافه بدولةٍ يهودية، يعطي الذريعة للتخلّص من "مشكلة عرب 48" وخطرهم الديموغرافي، ويؤسّس لمشروع توطين جديد للفلسطينيين في سيناء! عرب 1948 هم الشعب الحقيقي صاحب الأرض، واليهود ليسوا شعباً آخر؛ هناك أكثر من مليون فلسطيني في أراضي 1948؛ وفي الضفة الغربية وقطاع غزة يعيش (3.5 مليون) فلسطيني؛ وتريد إسرائيل أن تتخلّص من عرب 48 وتضمّهم للضفة الغربية وقطاع غزة؛ وهم تكلّموا عن سيناء أيضاً. نعم، إسرائيل تريد فعلاً الاستيلاء على سيناء؛ وقبل توقيع اتفاقية السلام، كانوا يتكلّمون مع المصريين حول سيناء ومدى أهميّتها بالنسبة إليهم؛ وحين تحدثّنا في موضوع التعويضات، رفضوا طرح المسألة، وقالوا إن انسحابهم منها هو أمر سياسي (حين وافق بيغن)؛ وفي سنة 1956، استولى الإسرائيليون على سيناء ثم "أعادوها ثانية". وفي سنة 1967، كانت سيناء هدفاً رئيسياً لهم، والخروج منها كان أمراً مؤقّتاً؛ وأمريكا والمجتمع الدولي يدعمون إسرائيل في شأن سيناء، مثلما حصل في حرب 2006، من خلال وقوف بعض العرب أيضاً إلى جانبهم.
لكن الحرب التي حصلت بين حزب الله وإسرائيل هزّت صورة الجيش الإسرائيلي. وأتصوّر أن "أنابوليس" شكّل محطة تاريخية لإسرائيل، لأن العرب كانوا شهوداً على مرحلةٍ جديدةٍ من المشروع الصهيوني؛ وصار القضاء على حماس والمقاومة التي يسمّونها "إرهاباً" شرطاً لاستئناف المفاوضات بعدها؛ ولقد لمسنا تزايد الدعم الدولي والعربي لمحمود عباس باعتباره "مصدر الشرعية"، وكأنّ حماس ليست شرعية؛ وحتى في موضوع الحدود المصرية، يقول الرئيس مبارك:"لا بدّ من العودة إلى اتفاقية المعابر التي تخصّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر والاتحاد الأوروبي، لحلِّ مشكلة حصار غزة؛ وأنا أظنّ أن العالم ضغط على مصر في مسألة التأكيد على شرعية محمود عباس، وأن حماس غير شرعية؛ وهذا يعني التسليم لـ "إسرائيل" بحقّها بإغلاق المعابر؛ أي أن معبر رفح سيظلّ مغلقاً، وإسرائيل تحاصر غزة، وليس أمام الفلسطينيين من حلٍ غير "اقتحام" الحدود المصرية -مثلما حصل مؤخّراً- فيما تنفّذ إسرائيل ما تريده بالفلسطينيين، وتضعهم تحت الأمر الواقع كي يخرجوا باتجاه مصر أو سيناء، تاركين غزة!
إن دفاع مصر عن حماس (أو عن غيرها) في فلسطين هو دفاع عن الأمن القومي المصري، المعني مباشرة بما يجري داخل قطاع غزة. وأنا ألخّص ما قلته في أن "أنابوليس" محطّة من المحطّات العملية في المشروع الصهيوني؛ وقد يقول قائل: "لماذا أنابوليس، ما دام الرئيس بوش كان عازماً على أن يقول كلمته للمنطقة العربية؛ أنا أقول إن "أنابوليس" مهمّة جداً، لأنها جمعت كلّ الأطراف العربية؛ وهم كانوا شهوداً على أنه سوف تبدأ مرحلة جديدة تُطرح فيها مصطلحات جديدة، باعتبار أن التسوية قادمة!
هذه التسوية المفترضة تعني تصفية القضية الفلسطينية بالتأكيد. إننا نلاحظ مثلاً في قمّتي طابا (2002) و(2004)، أن العرب بدؤوا يتحدّثون عن المقاومة المشروعة وغير المشروعة، وصولاً إلى "الإرهاب"؛ وكأنّه يوجد نوعان من المقاومة! ثم زعموا أنه لا فرق بين المقاومة والإرهاب. كما تكلّموا عن الدفاع الشرعي وغير الشرعي؛ يقولون: أوقفوا إطلاق الصواريخ، لأن إسرائيل تردّ عليكم؛ إن إسرائيل تدّعي منذ أن قامت بأنها وجِدت على أرضٍ كانت لها، وأن الصهاينة استعادوها من مغتصبيها. فإسرائيل لم تعترف بأنها احتلّت أراضي أحد، وأن ما يحدث في قطاع غزة ليس جريمة حرب ولا يخضع لإتفاقيات جنيف، لأن  القطاع غير محتلٍ أصلاً، وأن ما تنفّذه إسرائيل من اعتداءات يصبّ في خانة الدفاع عن النفس!
علينا أن ندرك خطورة هذه المفاهيم التي تسعى إلى إعادة تعريف الاحتلال وأدواره وأشكاله؛ إن ما يحصل في قطاع غزة مخالف لكلِّ مبادئ القانون الدولي؛ وإسرائيل في سلوكها تجاه الفلسطينيين ترتكب جريمة إبادة جماعية؛ ويبدو أن العالم العربي يسعى لمصالحة معها كيفما كان!
وأخطر ما في "أنابوليس" أن إسرائيل نجحت في تحويل القضية الفلسطينية من قضية شعبٍ وأرضٍ ومصيرٍ وحقوق، إلى قضية سلطةٍ متنازعٍ عليها بين طرفين، هما السلطة وحماس؛ وهذه هي الحلقة الأخيرة في مأساة القضية الفلسطينية، عبر إسقاط كل الحقوق الخاصّة بالفلسطينيين. وعلينا ألاّ نكتفي بتوصيف الواقع، بل أن ندعم الشعب الفلسطيني ونقف إلى جانبه؛ فهل يمكن لنا بعد كلّ ما جرى التعايش مع المشروع الصهيوني؟ بالطبع لا؛ وهل يمكن اعتباره مجرّد طرف؟ لا؛ هل نحن نلتقي  مع المقاومة فحسب؟ إن المقاومة أصبحت نهج حياة، ويجب أن تكون المشروع الأساسي لنا في مواجهة  المشروع الصهيوني.
إن مصر باعتبارها قلب العالم العربي، تعتبر فلسطين جزءاً منها أو من الأمن القومي المصري. ولا أعتقد أن القادة المصريين يمكن أن يتركوا فلسطين، وهذه مسألة مهمّة وحيوية لمصر.
إن مصر بدأت تدرك الخطر، خصوصاً بعد تجدّد مشروع سيناء كوطنٍ بديلٍ للفلسطينيين، كما طرِح في الستينيات. ونحن نرفع الصوت لنؤكّد على خطورة المشروع الصهيوني الذي أصبح في مواجهتنا جميعاً.
لذا، أقترح على مصر أن تضع خطّة سريعة لمدّة (5) أعوام لتعمير سيناء، ولتسكِن فيها حوالي عشرة ملايين مواطن، وتنفّذ فيها مشاريع واستثمارات مع منع التملّك (إيجارات)، وتحصر الاستثمارات بالدول العربية، حتى يتم تفويت الفرص على أي مشروع توطين صهيوني أو أمريكي فيها!

الأستاذ عبد العال الباقوري (باحث مصري)
أحيّيكم جميعاً. .. كما أحيّي مركز باحث و الأستاذ وليد لاختيار القاهرة مركزاً لهذه الحلقة النقاشية، وأحيي الدكتور عبد العليم على ورقته المميّزة الشاملة...
بداية، يجب أن نتابع تطوّرات القضية الفلسطينية، انطلاقاً من "قعدة أنابوليس" وارتباطها بجولة الرئيس الأمريكي جورج بوش في المنطقة، وصولاً إلى ما حدث على الحدود المصرية-الفلسطينية بين غزة ورفح، إلى تقرير "فينوغراد" وتأثيراته على الوضع الفلسطيني والعربي بشكلٍ عام، على أن تكون في الخلفية الأحداث الجارية في العراق. فقد لاحظنا أن بوش قام بجولته في المنطقة وأرسل كونداليزا رايس إلى العراق، وهو لم يذهب إلى هناك، بالإضافة إلى قضية إيران والتهديدات التي أطلقها بوش ضدّها، وبالذات في أبو ظبي!
نرجع إلى مسألة "أنابوليس"، التي عرّفها د. عبد العليم على أنها مجرّد "تفاهم" أو اجتماع أو مؤتمر أو لقاء؛ لماذا هذا المؤتمر بالذات في هذا التوقيت؟ أظن أن "أنابوليس" دعِي أو استُدعِي إليه من أجل مهمّة محدّدة، بأن يقول للعرب، وعلى الملأ: هل تريدون تسوية؟! إذاً إبدؤوا بالتطبيع! وليس الكلام على التسوية أو السلام الآن؛ إنما عليكم أن تشرعوا جميعاً بالتطبيع مع إسرائيل؛ وهذا واضح في البيانات والأحداث والتصريحات واللقاءات مع بوش قبيل وصوله إلى المنطقة.
 فعلى سبيل المثال، أجرت "قناة الحرّة" حواراً مع بوش في 4/1/2008، ووجّهت إليه سؤالاً: هل ستضغط على المملكة السعودية من أجل أن تقيم عملية تطبيع مع إسرائيل؟
أجاب بوش: إن العرب جميعاً مدعوّون لإقامة علاقات مع إسرائيل ومساندتها، حتى تسير في درب السلام! وقد كرّر موقفه يوم 9/1/2008، في البيان الذي أدلى به في المؤتمر الصحفي الذي ضمّه وأولمرت. كذلك كرّر بوش موقفه في البيان الذي ألقاه في القدس المحتلّة في 10/1/2008 عبر "قناة العربية". وأعتقد أن هذه النقطة محسومة وواضحة جدّاً.
كما جاء بوش إلى المنطقة ليضع نُصب أعين العرب "حدود الدولة الفلسطينية"؛ ففي كل لقاءاته، قال لهم (هذه هي حدود "الدولة" الفلسطينية)؛ أي النطاق الذي ستقام عليه، حيث لا يوجد دولة أو سيادة أو شعب؛ فقط مجموعات مشرذمة على قطعة من الأرض؛ وبوش، في الأحاديث التي أشرت إليها، حدّد هذا الإطار بقوله: "أنا جئت لكي نتّفق على الإطار للدولة الفلسطينية"، والتعريف بالدولة، وكيف ستعيش هذه الدولة في سلام مع إسرائيل. وبدون ذلك، لن تتحقّق أية تسوية؛ لدرجة أن بعض الصحفيين الإسرائيليين، هاجموا زيارته بالقول: إن بوش جاء إلى المنطقة لكي يساعد أولمرت قبل أن يصدر تقرير "فينوغراد" الذي سيحدّد مكانته. ويبدو أن هذا التحليل فيه شيء من الصحّة، لأننا إذا رجعنا إلى الاجتماعات واللقاءات التي أجراها بوش مع رموز  المعارضة الإسرائيلية، نجد أنه كان يدعوهم إلى التنبّه بأن المرحلة لا تحتاج إلى تغيير في الحكومة؛ وهذا ما تأكّد مع صدور تقرير "فينوغراد".
لقد قال إيهود باراك –زعيم حزب العمل- ووزير الحرب "لن أخرج من الحكومة". والواضح أن هناك استبعاداً لأجزاء في التقرير المذكور كانت موجّهة ضد أولمرت بشكل مباشر ؛ وهي إما حذِفت أو بقيت في النسخ التي قدّمت إلى أولمرت وباراك. وإذا كانت هاتان المهمّتان أساسيّتين ما بين "أنابوليس" وجولة بوش، فما هو ردّ الفعل العربي؟ لقد أصبح معظم الأنظمة العربية –حتّى لا نقول كلّها- عاجزاً عن تقديم أي شيءٍ للشعب الفلسطيني في نضاله المشروع دفاعاً عن أرضه وحقوقه.
ولكن يبدو أن هذه الأنظمة بدأت تتحسّس رؤوسها، بعدما تبيّن لها أنه لم يعد لدى أمريكا والعالم المساند لإسرائيل شيء يعطونه لها؛ ومن الآن حتى مايو (أيار) القادم (2008)، عندما يأتي بوش لزيارة المنطقة مرّة أخرى، تزداد التساؤلات: لماذا سيأتي مرة أخرى؟
بحسب ما يكتبه الإسرائيليون، هم يتوقّعون قبوله بما كان يرفضه من قبل، أي إبرام تحالفٍ دفاعيٍ بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ هل لدى الأنظمة العربية التي تستشعر هذا الخطر القدرة على أن "تتعامل" مع الحليف أو "الصديق" الأمريكي للحيلولة دون ذلك؟ أو على الأقلّ، هل تستطيع هذه الأنظمة أن تحصل من الرئيس الأمريكي على تعريفٍ محدّدٍ للدولة الفلسطينية العتيدة؟ هذا توقّع غير وارد، فنحن نعرف الضمانات التي قدّمها بوش إلى شارون سنة 2004، بأن الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية تُضمّ أو تُلحق بالكيان الصهيوني. وأنا لم يعد لديّ أمل بالأنظمة العربية على اختلاف درجاتها؛ فقط سأعوّل على الجماهير العربية، متفقاًَ بذلك مع أ. بهاء الدين شعبان. فلا بدّ من ردّ الاعتبار لكلمة "المقاومة" ومفهومها؛ وإن كان هناك اختلاف مع حماس، لكنّها في هذه المرحلة تصرّ على المقاومة، والآخرون "يتهكّمون" على صواريخها.
أجل؛ المقاومة حقٌ مشروعٌ لنا، ولا بدّ من ممارسته وعدم التخلّي عنه، خاصّة في هذه الفترة. لكن يبقى السؤال: أين الجماهير العربية من كلّ ما يجري؟ أفهم مما يُكتب في الصحف المصرية والعربية، وكأنّهم يريدون إبرام "طلاقٍ نهائي" مع القضية الفلسطينية. إن كلّ المقولات السيّئة التي أطلِقت منذ زيارة السادات المشؤومة للقدس المحتلة سنة 1977، أصبحت تردَّد الآن بشكل علنيٍ ومكثّف؛ فلو اطّلعنا على جريدة "الأهرام" (عدد أمس)، في صفحة الرأي، نجد أربع مقالات أو أعمدة، تصبّ في هذا الاتجاه؛ كما أن صحفاً مستقلّة تتبنّى نفس التوجّه. والسؤال هنا: كيف سنعيد للجماهير العربية الوعي بخطورة وحيوية قضية فلسطين؛ وأنا هنا في مصر، حين أتكلّم عن فلسطين، ليس دفاعاً عن الأمن القومي المصري فحسب، كما قال مصطفى النحّاس سنة 1936، عندما أبلغه البريطانيون أنهم يريدون التقسيم وإقامة دولة يهودية في فلسطين، وعلى الحدود بينه وبين مصر، فقال للسفير البريطاني آنذاك (هذا خطر على مصر). فما كان يصحّ سنة 1936 لم يعد كذلك الآن.
 النقطة الأخيرة التي أريد أن أتطرّق إليها كما ذكرها أ. بهاء، حول واجب القوى الفلسطينية والعربية، وكل مثقّفٍ ومناضلٍ عربيٍ، في الضغط بكل الأساليب الممكنة على الإخوة في "فتح"، أو التيار الشريف المناضل في فتح، وعلى الإخوة في "حماس" من أجل إنهاء ما بينهم من خلافات؛ وهذه النقطة من أهم التحدّيات المطروحة؛ وبدون ذلك، مهما حاولنا كقوى وطنية مصرية من أجل فلسطين، سنجد أنفسنا عاجزين عن الحديث عن قضية فلسطين أو شؤون الفلسطينيين. أرجو أن تقرؤوا صحيفة مصرية مستقلة كانت قد  كتبت (مش همّ دول الفلسطينيين اللّي بتقولوا عنهم، مش دول اللّي بتدافعوا عنهم. ..). لقد صارت الفكرة الأساسية المردّدة في الصحف المصرية يومياً هي أن فلسطين "خرّبت بيتنا"!
من هنا تكمن خطورة الخلاف القائم بين "فتح" و"حماس". ونحن سعينا لدى الإخوة ومسؤولي الفصائل الأخرى كي يتخذوا موقفاً ضدّ ما يجري.  كما تحدّثنا معهم عن مدى خطورة أن يُرفع السلاح الفلسطيني في مواجهة الفلسطيني، أو أن يُرفع سلاح على الحدود المصرية، لأنه سيُستخدم ضد القضية الفلسطينية نفسها؛ فعلى سبيل المثال، عند اغتيال يوسف السباعي في قبرص على يد جماعة فلسطينية، رفِع شعار "لا لفلسطين بعد اليوم"؛ وهذا الشعار يُرفع اليوم "لا لفلسطين بعد الآن"؛ ومع الأسف، هذه المقولات تلقي صدى بدرجةٍ أو بأخرى في الشارع المصري. لذا، يجب حسم هذا الخلاف بين فتح وحماس، والسعي لبناء وحدة فلسطينية شاملة وقويّة.

الدكتور عبد العليم محمد (مداخلة)
أودّ أن أقدّم -تعليقاً على مداخلات الإخوة- استخلاصات رئيسية:
ما يحدث الآن من مطالبة بإعلان إسرائيل دولة يهودية هو في تقديري بمثابة التأسيس الثالث للمشروع الصهيوني، لأن هذا المطلب يشكّل اعترافاً من الشعب الفلسطيني (والعربي) بشرعية الحركة الصهيونية و"شرعنة" مشروع التطهير العرقي والقوانين العنصرية. وأخطر تلك المراحل ما حدث في أنابوليس مؤخّراً؛ فالدولة الفلسطينية الموعودة لن تتجاوز المفهوم الإسرائيلي لها، ونحن تأخّرنا كثيراً في مواجهة مشاريع التسوية التي تمّ التماهي معها أو التغاضي عن مساوئها، وربما الدخول في إطارها بدعوى معارضتها من الداخل لإسقاطها؛ ليس فقط من الجانب الفلسطيني، بل من الجانب العربي حتّى، سواء الرسمي أو الشعبي؛ فهذه الدولة الفلسطينية الموهومة، ستكون تحت الاحتلال الإسرائيلي قانونياً (الغزو الدفاعي) أو من خلال نظرية (المحتلّ الوصيّ) أو الاحتلال الليبرالي أو (الأراضي المتنازع عليها)، بما يعني أن إسرائيل لا تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه والسيادة عليها وإن جاءت سيرة الفلسطينيين في الخطاب الإسرائيلي فقط لتبرّر ضرورة الفصل العنصري بين "نحن وهم"، "هنا وهناك"!
لكن لا يزال لدى القضية الفلسطينية الكثير من الزخم؛ فكلّ انتكاسة تحدث للفلسطينيين تطرح مرّة أخرى ضرورة التصدّي للصهيونية بكلّ قوة، ليس فقط بالنسبة إلى الفلسطينيين، بل للقوى الوطنية العربية؛ فما حدث أخيراً على حدود مصر أعاد تجديد أهمية الموضوع الفلسطيني بالنسبة إلى مصر وأمنها القومي؛ حيث صارت هذه الأحداث مرّة أخرى في صلب الشأن المصري؛ والمعروف أن مشاريع التوطين في سيناء لها جذور تاريخية في إيديولوجية وطروحات الحركة الصهيونية.
يعني التأسيس الثالث للحركة الصهيونية أيضاً أن القوّة لها حدود. كما ويعني أن داخل هذا المشروع إشكاليات كبيرة تجعل الكيان يكشف في كل مرّة عن أزماته، وضرورة التقدّم خطوات باتجاه الأمام؛ وهو يعني كذلك أن المقاومة الراسخة والمستمرّة تقف عقبة رئيسية أمام المشروع الصهيوني بأطواره؛ وفي رأيي، إن مشكلة القضية الفلسطينية أنها لم تكن بأيدي أبنائها؛ فتدخّل الأنظمة العربية في هذه القضية و"تقليم أظافر" المناضل الفلسطيني أوصلنا إلى الحالة التي نعيشها. وعليه، يجب أن نفكّ الارتباط بالقضية الفلسطينية بالمعنى الإيجابي؛ أي أنه يجب بلورة أجندة فلسطينية واضحة مرتبطة باحتياجات ومتطلّبات الفلسطينيين أنفسهم، حتى لا تخضع لقيود وإشكاليات الأنظمة العربية، ولا تتعرّض الوحدة الفلسطينية للتفتيت أو التقسيم أو التجزئة أو الاقتتال الداخلي في كل مرحلة.
إن استعادة وحدة  الشعب والقضية الفلسطينية هي المهمّة الرئيسية للجميع الآن.


2009-02-25 11:18:09 | 2707 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية