التصنيفات » دورة إعداد باحث سياسي-2 (آب - أيلول 2017)

ملخص محاضرة الدكتور جمال واكيم - أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية بعنوان :الجغرافيا السياسية



بتاريخ 10/8/2017، ألقى الدكتور جمال واكيم، أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية، محاضرة سياسية بعنوان (خلفيات الحضور التركي في العراق وسوريا)، في إطار الدورة التخصصية ـ 2 التي يقيمها مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية.

مفهوم الجغرافيا السياسية وتحوّلات المنطقة
الجغرافيا السياسية هي علم مرتبط بالجغرافيا وتأثيرها على السياسة أو على الحدث التاريخي السياسي. ويقسّم المؤرّخ الفرنسي "فرناند بروديل"، الزمن التاريخي إلى ثلاثة أقسام: الزمن القصير المرتبط بإرادة الفرد، وعمل النخب، وقادة معنيّون في الجانب السياسي.
في الجانب الثقافي، لدينا أعلام الفكر والثقافة، وفي الاقتصاد تأثير الاقتصاديين على مسار الحدث الاقتصادي الذي ينتج عنه مفعول سياسي، والزمن المتوسط المرتبط بالتطوّرات الاقتصادية ـ الاجتماعية، والتي تأخذ مدىً أكبر لتظهر وتتبلور.
مثلاً، الثورة الفرنسية ومرحلة انطلاق الرأسمالية والبورجوازية والحداثة، تمّت بعد تراكم 200 سنة من الأحداث التي لم تكن محصورة في فرنسا فقط، بل شملت أوروبا الغربية. واستمرّت تردّدات الثورة الفرنسية إلى ما بعد مئة سنة من حدوثها.
إذاً، الحدث الاقتصادي ـ الاجتماعي الذي واكب نشوء الرأسمالية الحديثة، ونشوء الطبقة الوسطى والطبقة البرجوازية التي تمتلك الثروة ومقدّرات الإنتاج، تبلور خلال 300 سنة.
أما الزمن الثابت، فهو مرتبط بالجغرافيا، ويُسمّى الزمن الثابت، لأن الجغرافيا ثابتة (الجبال، البحار، القارّات ثابتة ولا يمكن تغيير مكانها).
وأهمية الجغرافيا أنها هي التي تحدّد على المدى الطويل علاقات الإنتاج. مثلاً، البيئة الخصبة قد تتوسع فيها الزراعة. أما البيئة غير الخصبة، فقد يسيطر عليها نمط إنتاج الرعي والبداوة. والجغرافيا أيضاً مرتبطة بالثقافة، والثقافة هي نمط حياة كلّ إنسان.
إذاً، الزمن الثابت مرتبط بثوابت تاريخية. ومن هنا تتشابه الأحداث في العديد من المراحل والبلدان.
في كتابي الذي صدر عام 2011 "صراع القوى الكبرى على سوريا"، عملت على مقارنات تاريخية حول بلاد الشام، فتبيّن لي وجود ثوابت معيّنة في تاريخ بلاد الشام، وهي أن هناك ساحة صراع بين نطاقين جغرافيين فاعلين هما: العراق ومصر. وما يجعل العراق قوّة فاعلة هو أنه في جنوب العراق، أي من بابل (بغداد حالياً) باتجاه الجنوب، وجِدت إمكانية لتوسيع رقعة المساحة الزراعية بما ينتج فائضاً، ممّا يؤدّي إلى نموّ سكّاني كبير.
لذلك، فإن أول منشأ للحضارة في التاريخ كان في جنوب العراق. فعند توفّر الإنتاج برزت حاجة للتدوين والكتابة لإحصاء كميّة المحاصيل والإنتاج. ومن تولّى التدوين في ذلك الوقت هي طبقة الكهنة، لأن النصّ كان مقدّساً، لارتباطه بسرٍ من أسرار الدولة. وامتدّ هذا التوسع الزراعي والحضاري من العراق إلى مصر.
بينما في بلاد الشام، لم يكن هناك مجال لتوسيع رقعة الزراعة، بسبب عدم وجود أنهار كبيرة يمكن استغلالها من أجل توسيع المساحة الزراعية.
ومن خلال المقارنات التاريخية التي قمت بها، وجدت تشابهاً في الأحداث. مثال على ذلك: كلّ الغزوات التي تعرّضت لها مصر من أيام الهكسوس، والتي كانت تؤدّي للسيطرة على مصر، كانت تأتي من برّ الشام. من هنا نشأت عقيدة عسكرية منذ آلاف السنين للدفاع عن مصر، كان خطّها الدفاعي الأول هو غزة ـ بئر السبع، وخطّ الدفاع الأوسط هو طرابلس ـ حمص، وخطّ الدفاع الأقصى هو مرعش في جنوب تركيا.
تظهر أهمية هذه الخطوط الدفاعية في معركة (قادش) التي جرت بين رمسيس والحثيّين على أحد روافد العاصي، الواقع على خطّ طرابلس ـ حمص، وتُسمّى حالياً "القصير". في ذلك الزمن لم ينتصر أحد، ولكن استطاع رمسيس أن يثبّت الخطّ الدفاعي للدفاع عن مصر.
وفي زمننا الحالي، تُعتبر دمشق بوّابة مصر إلى العالم. وعندما تسقط دمشق، فهذا يعني اختناق الحكم المصري.
صلاح الدين الأيوبي لم يذهب بشكل عبثي إلى مصر. فالقصّة بدأت مع عماد الدين زنكي الذي انطلق من الموصل واحتلّ حلب، وبعد ذلك احتلّ ابنه نور الدين دمشق. وعندما أصبح برّ الشام معزولاً عن النفوذ الفاطمي، سقطت مصر كثمرة يانعة.
وفي العصر الحديث، عندما انتصر عبد الناصر على العدوان الثلاثي عام 1956، أصبح هو القائد الأوحد للعالم العربي. وكانت النتيجة الحتميّة لهذا الانتصار وحدة مصر وسورية. ولم يتلقّ عبد الناصر الضربات إلاّ بعد انفصال مصر عن سورية؛ عندها بدأ حكمه بالاختناق.
في الثمانينات، ورغم العلاقات السيّئة بين مصر وسورية، فقد بقيت هناك خيوط مفتوحة بينهما.
وعندما استلم الإخوان المسلمون الحكم في مصر، لم يهتمّوا بإسقاط النظام في سورية لأنهم كانوا يريدون نظاماً شبيهاً لنظامهم.
إن المعركة التي حصلت في القصير (عام 2013) كانت معركة أساسية. ولو انتصر فيها المسلّحون الإرهابيون كان سيُقطع التواصل بين منطقة الساحل ودمشق، ممّا كان سيؤدّي إلى اكتمال الحصار على دمشق وسقوطها. ولكن من انتصر في المعركة هو محور حزب الله والجيش السوري، ما أدّى إلى قطع خطّ التواصل بين طرابلس وحمص؛ وبعد ذلك بأسبوع سقطت حمص وبدأت تتفجّر أزمات الجماعات المسلّحة مع رُعاتها في طرابلس. أيضاً، بعد أسبوع من المعركة تمّ إسقاط حكم الإخوان المسلمين في مصر، لأن هذا الحكم لم يجد له مُتنفّساً في بلاد الشام.
مثال آخر: مع توسّع التجارة في العراق نشأت الدولة المدينة، وكان يتم تبادل المحاصيل بين القرى، حيث كانت كلّ قرية تنتج نوعاً معيّناً من المحاصيل، وفائض القيمة كان يتم مبادلته مع نوع آخر من المحاصيل. في المرحلة الأولى كانت مقايضة المحاصيل سائدة. لكن، مع تعقيد عملية التبادل، نشأت المدن والأسواق وطبقة الحرفيّين في المدن، ثم ظهرت العملة. ومن هنا، فإن أول بذور النظام الرأسمالي ظهرت في العراق.
وأدّى التوسع التجاري إلى دمج مجتمعات أخرى في العراق، حيث توسّع العراق ليدمج أجزاء من شرق الأناضول وإيران. ومع توسّع طرق التجارة البريّة، عبر تدجين الجمل، نشأت أول إمبراطورية بريّة، وهي إيران أو فارس الأخمينية. لكن فارس الأخمينية كانت عاصمتها بابل، وكانت لغتها الأصلية الآراميّة.
منذ ذلك الوقت أصبح هناك شبه وحدة حال بين العراق وفارس، وأصبحت نافذة إيران إلى العالم هي بغداد. أيضاً، من يسيطر على جنوب العراق، يستطيع أن يؤثّر على جنوب إيران.
إن جنوب العراق بالنسبة لإيران هو بمثابة أوكرانيا بالنسبة لروسيا. فمن يسيطر على أوكرانيا يستطيع التأثير على الأحداث في روسيا. وكذلك، من يسيطر على جنوب العراق يستطيع التأثير على الأحداث في جنوب إيران الذي يُمثّل محورها.
إيران نشأت عبر خطّين برّيين: خطّ يأتي من الهند عبر السواحل الجنوبية باتجاه العراق، وبالتالي يرتبط مع شبكة الملاحة النهرية عبر العراق.
والخطّ الثاني يأتي من وسط آسيا عبر شمال إيران، وصولاً إلى شرق الأناضول ومنطقة تبريز. ويفصل بين هذين الخطّين بحيرة الملح.
في عهد الأخمينيين، كان مركز الثقل في الجنوب. ولكن بعد الأخمينيين أصبح مركز القرار في شمال إيران. لذلك، تقع عاصمة إيران "طهران" في شمال إيران.
ولتوحيد هذين الخطّين كانت هناك ضرورة لإنشاء واحدة متميّزة عن ما عداها. ما قبل الإسلام انتشرت في إيران الديانة الزردشتيّة. ولكن بعد سيطرة الصفويين على إيران، أراد هؤلاء إعطاء إيران ديانة متمايزة عن الإسلام الحنفي في الدولة العثمانية والإسلام الشافعي في مصر. لذلك، هم اعتمدوا المذهب الإثني عشري الجعفري. ومركز ثقل المذهب الجعفري حالياً هو إيران.
إن قوّة إيران الناعمة اليوم تكمن في الدين. ففي الماضي، تحالفت الزردشتية مع اليهودية لتوسيع نفوذها. ونلاحظ عبر التاريخ أن الطوائف اليهودية التي كانت تحت الحكم الروماني كانت تثور عندما يريد الرومان غزو إيران.
وفي العصر الحديث، تبسط إيران نفوذها الإقليمي عبر التحالف مع قوى شيعية أو شبه شيعية، كالحوثيين الذين يتّبعون الديانة الزيدية المختلفة عن المذهب الجعفري، والتي تشبه أكثر الديانة السنّية الشافعية.
كذلك نلاحظ أن الأخمينيين تحالفوا مع الفينيقيين. فالأخمينيون قوّة بريّة، وهم تحالفوا مع الفينيقيين لأنهم قوّة بحرية، ولكي ينشروا نفوذهم في المتوسط. والأسطول الذي ذهب ليقاتل اليونان، التي تحدّت الهيمنة الفارسية، هو أسطول فينيقي؛ وقد استطاع الإسكندر المقدوني أن ينتصر على الدولة الأخمينية في المعركة الحاسمة "أيسوس". ففي هذه المعركة استطاع الإسكندر أن يفصل الدولة الفارسية عن المتوسط. أيضاً، قام الإسكندر بمحاصرة صور لمدّة سبعة أشهر وتدميرها. فمدينة صور كانت حليفة للأخمينيين؛ ومن أجل عزل الفرس عن البحر قام بتدمير صور. ومشكلة إيران، أنها منذ الأخمينيين وحتى الآن، لم تستطع الوصول إلى شرق المتوسط؛ فهي تزدهر عندما تلعب دور صلة الوصل ما بين شرق آسيا وشرق المتوسط (طرق التجارة البريّة التي تبدأ من الصين عبر وسط آسيا وصولاً إلى شرق المتوسط عبر شمال سورية).
أسباب الصراع الحالي في العالم العربي
تعود أسباب الصراع الحالي في العالم العربي إلى التصوّر الأميركي للهيمنة، الذي يقوم على اعتبار الولايات المتحدة نفسها قوّة بحرية يجب أن تسيطر على طرق التجارة البحرية للهيمنة على مقدّرات العالم. فالسيطرة على طرق الملاحة البحرية تعني السيطرة على التجارة الدولية، لأنه عبر طرق الملاحة البحرية تمرّ ما نسبته 80% من التجارة الدولية.
كذلك، الولايات المتحدة واعية لخطر الصعود الاقتصادي لأوراسيا، وتحديداً الصين، التي سيصبح اقتصادها الأول في العالم بالتحالف مع روسيا وإيران.
وأوراسيا، التي انضمّت إلى منظمة شانغهاي للتعاون، فيها ربع سكان العالم (مليار و400 مليون نسمة). كما أنها تمتلك ثروات طبيعية هائلة في منطقة روسيا ووسط آسيا، بالإضافة إلى النفط الإيراني.
هذه القدرات الإنتاجية والعدد السكاني الكبير يهدّد الهيمنة الأميركية، خاصة أن الاقتصاد الأميركي يعاني من قصور في دورة الإنتاج. لذلك، تسعى الولايات المتحدة إلى محاصرة أوراسيا، عبر منعها من الوصول إلى طرق المواصلات البحرية. كما قامت الولايات المتحدة بالتحالف مع اليابان كوريا الجنوبية، الفيليبين، تايوان، أندونيسيا وماليزيا، لمنع الصين وروسيا من الوصول بحرّية إلى طرق الملاحة في المحيط الهادئ.
في الوقت نفسه، قامت الولايات المتحدة ببناء أربع قواعد عسكرية تابعة لها في الخليج الفارسي، أي في البحرين، قطر، دبي ومسقط. وهذه القواعد العسكرية موجّهة ضدّ إيران وضدّ أوراسيا.
إن إطلالة روسيا، والصين، وإيران، على العالم تتم حالياً عبر شرق المتوسط، وتحديداً عبر ميناء طرطوس. لذلك، تعتقد الولايات المتحدة أن السيطرة على منطقة الشرق الأوسط ستؤدّي إلى الهيمنة على طرق المواصلات العالمية.
في عام 1997، وبعد عدّة أشهر من إعلان إيران عن عزمها مع الصين على إعادة تفعيل خط التجارة البرّي الذي يمرّ بكابول، ظهرت حركة طالبان وقامت باحتلال كابول لقطع هذا الخط.
وقد قامت الولايات المتحدة باحتلال أفغانستان لأنها أعلى هضبة في آسيا. وتستطيع الولايات المتحدة باحتلالها أن تطلّ على غرب الصين الذي يُعتبر الخاصرة الرخوة للصين. وتاريخياً، كلّ الغزوات التي اجتاحت الصين أتت من وسط آسيا. كذلك كان الاتحاد السوفياتي، أو كانت روسيا تستطيع مواجهة أيّ خطر يأتيها من الغرب؛ لكنها كانت تتعرّض للهيمنة من الغزوات التي كانت تأتي من وسط آسيا.
أيضاً، إيران كانت قادرة على استيعاب أيّ هجوم من الغرب، باستثناء الغزو الذي أتى من الفتوحات العربية الإسلامية. فالعرب انتصروا في معركة القادسية في جنوب العراق، الذي يؤثّر احتلاله على جنوب إيران. لكن الغزوات التي كانت تأتي إيران من الشرق، كانت تهدّد بالهيمنة على إيران.
إذاً، الولايات المتحدة، من خلال احتلالها لأفغانستان، كان هدفها الاقتراب من الخاصرة الرخوة للصين، روسيا وإيران، اللتان تشكّلان قاعدة أوراسيا الصاعدة.
كما أن اجتياح العراق كان الهدف منه الفصل بين سورية وإيران، وإسقاط سورية وإيران من دون حرب. لكن هذا لم يحصل، بل تمدّدت إيران نحو المتوسط بالتحالف مع حزب الله، وأصبحت تشكّل تهديداً للأمن القومي الإسرائيلي. ولمواجهة التمدّد الإيراني، اعتمدت الولايات المتحدة على دول (الاعتدال العربي) كما أسمتهم، أي مصر والسعودية والأردن. لكن لم تستطع هذه الدول مواجهة إيران.
لقد أطلق المؤرّخ الأميركي الصهيوني "برنارد لويس" نظرية العثمانية الجديدة، وهو متخصّص بالتاريخ العثماني، وصاحب النظرية التي تقول إن الدولة العثمانية والدولة الصفوية قامتا باحتواء بعضهما عبر نظرية (الاحتواء المزدوج) لمدة 300 أو 400 سنة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تلتفّ عليهما لتصل إلى آسيا.
ونظرية الاحتواء المزدوج طُبّقت عام 1980، عندما دُفع العراق لشنّ هجوم على إيران، بينما كانت الولايات المتحدة ترغب في إنهاك الطرفين وعدم انتصار أيّ منهما.
إن، العثمانية الجديدة ظهرت بسبب عجز قوى (الاعتدال العربي) عن الوقوف في وجه إيران. لذلك، تمّ إدخال أنقرة في هذه المواجهة. لكن أنقرة لا يمكنها المشاركة على أساس أنها قومية عربية، بل يجب أن تشارك من خلال شعار إسلامي. فالشعار الإسلامي هو المفضّل بسبب رفع إيران لشعار إسلامي أيضاً. وبهذه الطريقة يصبح الإسلام «المتطرّف» في إيران بمواجهة مثلّث أنقرة ـ الرياض ـ القاهرة، ويُمنع محور موسكو ـ بكين ـ طهران من الوصول إلى شرق المتوسط.
عندما عجزت "إسرائيل"، في حرب تموز 2006، عن أداء المهمّة الموكلة إليها من قِبل الولايات المتحدة، وهي إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بما يضمن ولاءها للولايات المتحدة، أدركت الأخيرة أن بنى الحكم في المنطقة أصبحت مُترهّلة، وأرادت في البداية احتواء الثورة الشعبية في مصر عبر ثلاث قوى هي: الجيش، الإخوان المسلمون، والسلفيّة المُموّلة من السعودية.
بدأت ثورات (الربيع العربي) في تونس، التي تشكّل المدى الأقصى غرباً للأمن القومي المصري، ممّا يؤثّر على أمن مصر، ثم انتقلت إلى ليبيا. وتاريخياً، المصريون يؤثّرون في شرق ليبيا، حيث أن المدى الأقصى للدفاع عن مصر هو القيروان في تونس، والمدى المتوسط هو بنغازي شرق ليبيا. أما المدى الأدنى، فهو خطّ العَلَمين القريب من الإسكندرونة.
إذاً، عندما سقطت تونس وليبيا، سقط نطاق مهم من نطاقات الأمن القومي المصري.
أيضاً، الإطاحة بعلي عبدالله صالح في اليمن كانت جزءاً من الاستعداد لحصار الثورة الفعلية في مصر. لذلك، فإن إنجاز تغيير ملائم في تونس وإحداث فوضى منظّمة في مصر وتغيير جزئي في السودان، وأيضاً في اليمن وسورية، كان من أجل السيطرة على مصر من دون حرب.
وقد اكتملت هذه العملية بانتخاب محمد مرسي رئيساً لمصر. وأول ما قام به مرسي هو حضور مؤتمر في تركيا لمبايعة «الخليفة» أردوغان. وهناك عدّة عوامل أدّت إلى الإطاحة بحكم مرسي في مصر، منها أن الحكم العثماني في الذاكرة المصرية ليس إيجابياً بسبب الحروب والمجاعات، وأن الإخوان المسلمين أرادوا فرض معاييرهم باعتبارهم جهة إسلامية على المجتمع، ما أدّى إلى اصطدامهم بأغلب أطياف المجتمع المصري.
أما العامل الحاسم لسقوط نظام الإخوان المسلمين في مصر، فكان معركة القصير (في سورية) التي أدّت إلى اختناقه، كما ذكرنا آنفاً.

خاتمة
حلب هي أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وعمرها 12 ألف سنة. وهي مركز تجاري مهم. وحلب أيضاً هي صلة الوصل تاريخياً ما بين التجارة الآتية من العراق وإيران باتجاه شرق المتوسط؛ أي أنها نقطة محوريّة. ومن يسيطر على حلب يسيطر على نقطة مفصليّة في الطريق الواصلة من وسط آسيا إلى شرق المتوسط.
وسقوط حلب بيد الولايات المتحدة كان هدفه منع التواصل الجغرافي بين إيران وشرق المتوسط، وبالتالي حصر النطاق الأوراسي في آسيا، ومنعه من الوصول إلى طرق التجارة بما يؤدّي إلى ضمور اقتصادها وانهيارها.
إن مشروع الولايات المتحدة الحالي لا ينحصر فقط في تقسيم سورية، بل يمتدّ باتجاه تقسيم الصين أيضاً إلى منطقة شمال وشرق وانفصال «التيبت»، وتقسيم روسيا إلى ما لا يقلّ عن 200 دولة من أجل استغلال مواردها بشكل أفضل. وكذلك تقسيم إيران إلى شمال وجنوب وشرق وفصل منطقة خوزستان، وذلك لأن تقسيم سورية وإيران إلى كتل صغيرة يسهّل التعامل معها واستغلال مواردها.
ومع أن النظام العالمي يتّجه نحو نظام متعدّد الأقطاب، فإن الولايات المتحدة ستبقى في المدى المنظور قوّة عظمى. لكن هناك فرق بين أن تكون الولايات المتحدة القوّة العظمى الوحيدة وبين أن تكون قوّة عظمى من ضمن قوى أخرى. والأنظمة الإقليمية في النهاية هي انعكاس للنظام الدولي.
وختاماً نقول إن الوضع في سورية لن يستقرّ إلاّ بحلول العام 2025، لأنه في هذا العام من المفترض أن تكون عملية الانتقال في النظام الدولي نحو نظام متعدّد الأقطاب قد اكتملت، وسيستقرّ النظام الإقليمي على صيغة ما؛ وستكون صيغة مأزومة، لأن الشرق الأوسط سيبقى نقطة احتكاك بين محور القوى المتحالفة مع الولايات المتحدة (الولايات المتحدة ـ الأطلسي ومن ضمنه أوروبا الغربية ـ تركيا) وبين محور (روسيا ـ الصين ـ إيران) الذي يحاول أن يتمدّد ليشمل الهند، جنوب أفريقيا والبرازيل.
وقد نرى بوادر تخفيف للتوتّر خلال السنتين المقبلتين في شمال سورية، ولكن ليس هناك من حلّ نهائي قريب للأزمة الخطيرة فيها.


2017-08-14 15:08:00 | 60 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار